المحامون العون الأساسي للقضاء

المحامون العون الأساسي للقضاء

أ.د/ عبدالمؤمن شجاع الدين
الأستاذ بكلية الشريعة والقانون - جامعة صنعاء

المحامي: هو القاضي الواقف الذي يعاون القاضي الجالس على منصة الحكم لتحقيق العدالة الناجزة، فالقاضي الجالس مقيد بمبدأ الحياد ومبدأ عدم جواز تلقين والخصوم ومبدأ عدم جواز أن يحكم القاضي بعلمه، فهذه المبادئ وغيرها تقيد القاضي الجالس الذي لا يملك أثناء إجراءات المحاكمة إلا إدارة المحاكمة واتخاذ القرارات والإجراءات اللازمة لضمن سير إجراءات المحاكمة.
في حين يحلق المحامي او القاضي الواقف في فضاء الواقع والقانون منذ بداية تسلمه ملف القضية قبل إجراءات المحاكمة لدراسة موقف موكله ومدى موافقته للقانون ومدى توفر الادلة المؤيدة لموقفه في القضية ومدى حظه في كسب القضية وما اذا كان من مصلحة موكله حسم القضية عن طريق الصلح اوالتحكيم.
فلا يلجا المحامي الا القضاء الا اذا تقطعت به السبل لحسم النزاع خارج القضاء والمحاكمة. 
وخلال دراسة المحامي للقضية فانه يقوم بتبصير وتنوير موكله بما يجب عليه ان يقوم به وفقا للنصوص القانونية ذات الصلة بالنزاع، وفي ضوء ذلك يقدم المحامي لموكله النصح والمشورة، ولذلك فان المحامي يعالج غالبية القضايا خارج القضاء، فلا يصل الى اروقة القضاء الا القليل منها، وعلى هذا الاساس فان المحامي يعاون القضاء ويخفف من تدفق القضايا على المحاكم.
وبعد رفع الدعوى امام القاضي. وتبادل الخصوم الردود والاجابات والادلة فان المحامي يستطيع ان يقدر الموقف الحقيقي لموكله وفي ضوء ذلك يقدم النصح والمشورة لموكله للتصالح، لان الخصم يكون اكثر تقبلا لمشورة ونصيحة محاميه، كما المحامي اثناء سير اجراءات المحاكمة يراقب سلامة تلك الإجراءات ويقوم بالتظلم او الاعتراض على اي قرارات او اجراءات مخالفة للشرع والقانون حتى تنتهي هذه الاجراءات بحكم موافق للشرع والقانون والواقع، ولذلك فان المحامي يقدم العون للقضاء ايضا اثناء نظر القضاء للنزاع. 
واذا لم يذعن الخصم لنصح محاميه بالصلح واصر على المضي في إجراءات المحاكمة فان عون المحامي للقضاء لا ينقطع في هذه الحالة، اذ ان المحامي ينظم ويرتب ويهذب ادلة وحجج موكله ويعرضها ويبين مصادرها بوضوح وشفافية ويجول المحامي بين كتب ومراجع الفقه والقانون ويقدم للقاضي اصول ومصادر النصوص القانونية وشروحها والمبادئ والسوابق القضائية لتبصير القاضي كما انه ينبه المحكمة الى اوجه الخطا او الخلل في دفاع الخصم الاخر حتى يتمكن القاضي من معرفة الحقيقة كي يحكم بها بسرعة ويسر وسهولة فيكون حكم القاضي عنوانا للحقيقة التي تقنع الخصوم، فتقل الطعون في الاحكام.
بل ان عون المحامي للقضاء لا ينقطع حتى بعد صدور الحكم اذا ان المحامي يقوم بدراسة الحكم في ضوء النصوص القانونية وشروحها وفي ضوء المبادئ والسوابق القضائية وفي ضوء اوراق القضية فاذا وجد الحكم عادلا فانه ينصح المحكوم عليه بعدم جدوى الطعن، بل ان بعض المحامين يرفض اعداد عريضة الطعن، اما اذا وجد المحامي الحكم جائرا مخالفا للشرع والقانون فانه يبادر الى الطعن فيه وتبصير محكمة الطعن بأوجه المخالفة والقصور في الحكم، ولاريب ان هذا من مظاهر العون الذي يقدمه المحامي للقضاء.
وعلى هذا الاساس فان المحامي الذي يسلك هذا المسلك الحميد يستحق بجدارة ان يحمل اسم القاضي المبصرا. والمعين للقضاء، حسبما قضى الحكم الصادر عن الدائرة التجارية بالمحكمة العليا في جلستها المنعقدة بتاريخ ٣٠-١-٢٠١٣ م، وذلك في الطعن رقم (٥٣٨١٠)، فقد ورد ضمن أسباب الحكم المشار إليه: (ولا يفوت الدائرة الاشارة الى انها حذفت الالفاظ غير اللائقة التي تضمنتها عريضة الطعن، والمحامي في غنى عن الوقوع في مثل ذلك، لان تلك الالفاظ لا تفيد بقدر ما تضر، وقد تؤدي الى المساءلة، والمحامون العون الاساسي للقضاء)، وسيكون تعليقنا على هذا الحكم حسبما هو مبين في الاوجه الاتية: 

الوجه الأول: عون المحامين للقضاء عن طريق الصياغة الجيدة للعقود والنظم في الشركات والمؤسسات الخاصة: 

 المحامون هم خبراء القانون ورجاله الذين سبروا اغوار النصوص القانونية ووقفوا على تطبيقاتها المختلفة في الواقع ووجهات القضاء في تطبيقها واكتسبوا من خلال ذلك الخبرة والمهارة من خلال دراستهم للقضايا المختلفة والمتنوعة وتقديمهم للاستشارات القانونية وصياغتهم للعقود والانظمة لفترات طويلة.
وعلى هذه الخلفية ووفقا لقانون المحاماة فان المحامي يختص بتحرير العقود والنظم، إذ يعتني المحامي ويتحرى عند صياغته للعقود والنظم يعتني في التنظيم المستقبلي للعلاقات المستقبلية بين الافراد المتعاقدين والعاملين والمتعاملين بما يكفل سد ذرائع والثغرات التي تفضي الى الخلاف الذي يقع في المستقبل ويتحول الى قضايا تتدفق على المحاكم وتثقل كاهل القضاء.

الوجه الثاني: عون المحامين للقضاء عن طريق تقديم الاستشارات القانونية للخصوم: 

سبق القول ان المحامين هم خبراء القانون ورجاله، ولذلك يقصدهم الناس لتبصيرهم وارشادهم خشية الوقوع في مخالفة القانون اي لتحاشي الوقوع في خلاف مع الغير، وعندئذ يسهم المحامي في تجفيف منابع الخلاف بداية، فتقل القضايا المرفوعة امام المحاكم.
اما اذا وقع الخلاف بالفعل فمن المؤكد ان الخصوم يقصدوا اولا المحامي لعرض الخلاف عليه، فيقوم المحامي بدراسة القضية من جوانبها المختلفة القانونية والواقعية، وفي ضوء نتائج الدراسة يقوم المحامي بتقييم الموقف القانوني لطالب المشورة حيث يبين المحامي لطالب المشورة مدى موافقة موقف طالب المشورة للقانون ومدى توفر الادلة المؤيدة لموقفه في القضية ومدى فرص نجاحه في كسب القضية وما اذا كان من مصلحة موكله حسم القضية عن طريق الصلح او التحكيم، فلا يلجا المحامي الا القضاء الا اذا تقطعت به السبل لحسم النزاع خارج القضاء والمحاكمة. 
وخلال دراسة المحامي للقضية فانه يقوم بتبصير وتنوير موكله بما يجب عليه ان يقوم به وفقا للنصوص القانونية ذات الصلة بالنزاع وفي ضوء ذلك يقدم المحامي النصح والمشورة، ولذلك فان المحامي يعالج غالبية القضايا خارج القضاء، فلا يصل الى اروقة القضاء الا القليل منها، وعلى هذا الاساس فان المحامي يعاون القضاء ويخفف من تدفق القضايا على المحاكم.

الوجه الثالث: عون المحامين للقضاء اثناء نظر القضاء للقضية: 

في هذه المرحلة يقوم المحامي بتنظيم وترتيب وتهذيب مرافعات موكله وادلته وحججه، فيقوم المحامي بعرضها بشكل قانوني سهل ومبسط وبشكل واضح، ويبين المحامي مصادرها بوضوح وشفافية، ويجول المحامي ويصول بين كتب ومراجع الفقه والقانون ويقدم المحامي للقاضي اصول ومصادر النصوص القانونية وشروحها والمبادئ والسوابق القضائية لتبصير القاضي، كما يقوم المحامي اثناء نظر المحكمة للخصومة بدراسة اقوال الخصم الاخر وحججه وبيان السقيم منها والادلة الواقعية والقانونية على ذلك، ومن خلال عرض المحامين للوقائع والادلة يستبين القاضي الحق، ويتمكن من معرفة الحقيقة، فيحكم القاضي في القضية بسرعة ويسر وسهولة، فيكون حكم القاضي عنوانا للحقيقة التي تقنع الخصوم، فتقل الطعون في الاحكام.
كما ان المحامي اثناء اجراءات المحاكمة يقوم بمراقبة سلامة الاجراءات فيقوم بالاعتراض والتظلم من اية قرارات او اجراءات مخالفة للقانون، ولذلك فان للمحامي دور محمود ومشهود في تقويم وترشيد وتصحيح اجراءات المحاكمة حتى تكون الاحكام الناتجة عنها صحيحة.
كما ان المحامي اثناء سير المحكمة في اجراءات المحاكمة يقوم دوريا بتقييم الموقف القانوني لموكله في ضوء ما يقدمه الطرف الاخر من ادلة وحجج ومرافعات، وبناء على ذلك يقدم المحامي النصح القانوني لموكله بالصلح مع خصمه، وبناء على هذا النصح يتم حسم القضية بالصلح امام المحكمة، وهذا مظهر اخر من مظاهر العون الذي يقدمه المحامي للقضاء.

الوجه الرابع: عون المحامين للقضاء عند الطعن بالحكم: 

لا ينقطع عطاء المحامي وعونه للقضاء بصدور الحكم، إذ انه ينبري بعد صدور الحكم الى دراسة الحكم في ضوء وقائع القضية ونصوص القانون وشروحها والمبادئ والسوابق القضائية، فاذا وجد المحامي الحكم عادلا موافقا للشرع والقانون فانه ينصح المحكوم عليه بعدم جدوى الطعن ويحاول اقناع طالب الراي والمشورة بالقبول بالحكم او الصلح على تنفيذه، بل ان بعض المحامين يرفض اعداد عريضة الطعن في الحكم العادل، ولاريب ان هذا من مظاهر العون الذي يقدمه المحامي للقضاء.
اما اذا وجد المحامي من خلال الدراسة ان الحكم مخالف للشرع والقانون ووقائع النزاع واوراق القضية فعندئذ يقوم المحامي بالطعن في الحكم مبينا لمحكمة الطعن اوجه المخالفة والقصور في الحكم، ويقدم المحامي الادلة والشواهد الدالة على المخالفات واوجه القصور التي شابت الحكم الطعين، وبدوره يقوم محامي الطرف الاخر بتفنيد الطعن وبيان اوجه عواره ومن خلال السجال بين محامي الطاعن ومحامي المطعون ضده تستبين محكمة الطعن الحقيقة، وهذا ايضا من مظاهر العون الذي يقدمه المحامون للقضاء والعدالة.

الوجه الخامس: المحامي المعاون للقضاء هو القاضي الواقف: 

ذكر امام المحامين النقيب المرحوم رجائي عطية ان معنى القاضي الواقف ليس القاضي الواقف على رجليه امام القاضي الجالس على منصة الحكم (قاضي الحكم) ذكر رجائي ان: معنى القاضي الواقف هو ان المحامي يقف حارسا ورقيبا على سلامة اجراءات المحاكمة وعدم مخالفتها لضمان موافقتها للشرع والقانون، فالمحامي قاض واقف لا يتبع موكله بل يتبع الحق والعدل، مثله في ذلك مثل قاضي الحكم الجالس الذي يتجه حيثما اتجهت بوصلة الحق والعدل. (رسالة المحاماة، الفقيه العلامة المحامي رجائي عطية، دار الشروق القاهرة ٢٠٠٨م، ص٧٦).
وما احوجنا في اليمن لاستحضار رسالة المحاماة وتقديم العون الاساسي للقضاء لتحقيق الهدف المشترك وهو تحقيق العدالة الناجزة.(التعليق على أحكام المحكمة العليا في مسائل المحاماة الجزء الثالث، أ.د. عبد المؤمن شجاع الدين، مكتبة الصادق جولة جامعة صنعاء الجديدة ٢٠٢٦م، ص٨٩)، والله اعلم.
تعليقات