قضاء القاضي بعلمه في القانون اليمني

قضاء القاضي بعلمه في القانون اليمني

أ.د. عبدالمؤمن شجاع الدين، الأستاذ بكلية الشريعة والقانون جامعة صنعاء.
 
عبدالمؤمن شجاع الدين

ينقسم علم القاضي إلى ثلاثة أقسام: القسم الاول: العلم الشرعي والقانوني: الذي حصله القاضي اثناء دراسته وتأهيله وتدريبه وممارسته لعمله القضائي، وهذا يجب على القاضي ان يحكم به ويعمل به، فيجب على لقاضي ان يحكم بعلمه الشرعي والقانوني والا كان اثما وحكمه باطلا، فلايجوز الحكم عن جهل بالشرع والقانون.
اما القسم الثاني فهو: علم القاضي الحدسي: وهو العلم الذي يكون متولداً من الحدس والفطنة والذكاء المفرط والتأمل الدقيق، ومن خلاله يستنتج القاضي معرفته بنزاع ينظره أو سينظره مستقبلاً، والحدس في إطار الفلسفة المادية يقابله في الفقه الاسلامي ما يسمى (الفراسة) فهذا النوع من العلم هو ما يعطيه الله تعالى للشخص فيكون عالماً في أحوال الناس، ويوصف الحدس في الفقه الاسلامي والفلسفة الاسلامية بانه الكشف او العرفان او الكرامات او الاشراق او الاجتباء، وهو علم لدني يهبه الله تعالى لمن يشاءمن عباده قال تعالى: (وكذلك يجتبيك ربك ويعلمك من تأويل الاحاديث) وقال تعالى: (الله يجتبي اليه من يشاء ويهدي اليه من ينيب) وقال تعالى: (فاجتباه ربه فجعله من الصالحين)، اما في الفلسفة المادية الغربية فان الفلاسفة الماديين يصفون العلم الحدسي بأنه: ضرب من الخيال والقرائن المستترة، ويحق للقاضي ان يستعمل علمه الحدسي في استنباط القرائن من اوراق القضية حتى يكون لحدسه اصل في الاوراق.
في حين ان القسم الثالث من اقسام علم القاضي هو: علم القاضي الحسي: و يختلف هذا النوع من العلم عن العلم الحدسي، إذ ان هذا العلم يصل إليه القاضي بصورة مباشرة عن طريق ادراكه بإحدى حواسه، وهذا العلم يكون على نوعين: النوع الأول: ما يحصل عليه القاضي من معلومات عند نظر الدعوى باعتبار وظيفته القضائية (قاضي)، فقد يشاهد القاضي الواقعة محل الخلاف وقت حصولها، أو قد يسبق للقاضي نظر القضية بصفته قاضياً أو محكماً أو خبيراً أو شاهداً او محاميا.
النوع الثاني: ما يصل إلى علم القاضي من معلومات عن القضية المنظورة امامه من خارج نطاق عمله مثل الاطلاع والمتابعة لوسائل النشر والاعلام والتواصل الاجتماعي وما يتداوله الناس عن الواقعة في المجالس والاماكن العامة والخاصة.
والقسم الثالث بنوعيه هو يمتنع على القاضي الحكم به او بناء قناعته القضائية على اساسه، حسبما قضى الحكم الصادر عن الدائرة التجارية بالمحكمة العليا في جلستها المنعقدة بتاريخ 26-5-2014م في الطعن رقم (54195)، فقد ورد ضمن أسباب الحكم المشار إليه: (وتقرر الدائرة ان المذكرة التي استند اليها الملتمس ليست ورقة قاطعة في الدعوى لأنها لا تتعلق بواقعة من وقائع الدعوى وادلتها التي لو تم تقديمها للمحكمة لترتب على ذلك تغيير وجه الراي في الحكم، كما ان فضيلة القاضي رئيس الشعبة لم يبين في تلك المذكرة مصدر علمه بخبر وفاة الخبير الذي كانت الشعبة تعتزم استدعاؤه امامها لمناقشته بشان ما ورد في تقريره امام المحكمة الابتدائية)، وسيكون تعليقنا على هذا الحكم حسبما هو مبين في الاوجه الاتية: 

الوجه الأول: مفهوم علم القاضي ونطاقه: 

يعرف العلم الشخصي للقاضي بأنه جميع ما يصل إلى علم القاضي من المعلومات في إطار وقائع الدعوى وبصدد اثباتها وصحتها وذلك من غير جلسات المحاكمة واوراق القضية، فعلم القاضي الشخصي هو ما يحصل عليه القاضي من معارف وبيانات ومعلومات عن الواقعة المنظورة امامه، وذلك من خارج جلسات المحاكمة وملف القضية، أو في مجلس القضاء.
ولغرض تحقق علم القاضي الشخصي يفترض أن يكون القاضي قد تحصل على العلم بمفرده سواء حصل ذلك أثناء ممارسة العمل الوظيفي أو خارجه، لأنه في حالة إذا كان مع القاضي أشخاص آخرون لكان من اليسير عليه ان يستفيد من هؤلاء الأشخاص وذلك باتخاذهم شهوداً في القضية.
وينقسم علم القاضي الشخصي الى ثلاثة اقسام:
القسم الاول: العلم الشرعي والقانوني: 
وهو الذي يحصله القاضي اثناء دراسته وتأهيله وتدريبه وممارسته لعمله القضائي، وهذا العلم يجب على القاضي ان يحكم به ويعمل به، فيجب على القاضي ان يحكم بعلمه الشرعي والقانوني والا كان اثما وكان حكمه باطلا، فلا يجوز له الحكم عن جهل.
القسم الثاني: علم القاضي الحدسي: 
هو العلم الذي يكون متولداً من الحدس والفطنة والذكاء المفرط والتأمل الدقيق، ومن خلاله يستنتج القاضي معرفته بنزاع ينظره أو سينظره مستقبلاً، والحدس في إطار الفلسفة يقابلها في الفقه الاسلامي ما يسمى (الفراسة) فهذا النوع من العلم هو ما يعطيه الله تعالى للشخص فيكون عالماً في أحوال الناس، ويوصف الحدس في الفقه الاسلامي والفلسفة الاسلامية بانه الكشف او العرفان او الكرامات او الاشراق او الإجتباء، وهو علم لدني يهبه الله تعالى لمن يشاء قال تعالى:(وكذلك يجتبيك ربك ويعلمك من تأويل الاحاديث) وقال تعالى: (الله يجتبي اليه من يشاء ويهدي اليه من ينيب) وقال تعالى: (فاجتباه ربه فجعله من الصالحين) اما في الفلسفة المادية الغربية فان الفلاسفة يصفون العلم الحدسي بأنه: ضرب من الخيال والقرائن المستترة.
القسم الثالث: علم القاضي الحسي: 
و يختلف هذا النوع من العلم عن العلم الحدسي، إذ ان هذا العلم يصل إليه القاضي بصورة مباشرة عن طريق ادراكه بإحدى حواسه، وهذا العلم يكون على نوعين:
 النوع الأول: ما يحصل عليه القاضي من معلومات عند نظر الدعوى باعتبار وظيفته القضائية (قاضي)، فقد يشاهد القاضي الواقعة محل الخلاف وقت حصولها، أو قد يسبق للقاضي نظر القضية بصفته قاضياً أو محكماً أو خبيراً أو شاهداً او محاميا.
النوع الثاني: ما يصل إلى علم القاضي من معلومات عن القضية المنظورة امامه من خارج نطاق عمله القضائي مثل الاطلاع والمتابعة لوسائل النشر والاعلام والتواصل الاجتماعي وما يتداوله الناس عن الواقعة في المجالس والاماكن العامة والخاصة، والقسم الثالث بنوعيه هو الذي يمتنع على القاضي الحكم به او بناء قناعته القضائية على اساسه.
وعلم القاضي الحسي بنوعيه السابقين هو: ما يعرف بالعلم الشخصي للقاضي وهو جميع ما يصل إلى علم القاضي من المعلومات عن وقائع الدعوى وادلة اثباتها وصحتها، وذلك من الطريق المقرر للنظر في القضية، وأيضاً يقصد بعلم القاضي أو الحاكم الشخصي هو ما يحصل عليه القاضي من معرفة الواقعة أو المسألة الحاصلة خارج مجلس القضاء، أو في مجلس القضاء، ولكن في غير الدعوى التي تجري المرافعة فيها.
فيتحتم على القاضي ان لا يقضي بعلمه الشخصي ولا يكون قناعته واعتقاده إلا عن طريق أدلة الاثبات التي بينها القانون وخصصها، والتي تكون جائزة ومقبولة في النزاع المعروض عليه، فيحظر على القضاة أن يحكموا بناءً على علم استفادوه شخصياً، وبناء على مبدأ مشروعية الوسيلة الاثباتية التي يلجأ اليها القاضي، فلا يجوز له أن يبني عقيدته في الدعوى على ما يعلم به شخصياً من ظروف الدعوى دون أن يكون أصل لهذه الظروف في أوراق الدعوى، فان فعل ذلك فيكون فعله باطلاً، وذلك بجمعه بين صفة الشاهد وصفة القاضي.
ومحصلة ما سبق ذكره أن القاضي ليس له أن يبدي حكمه في القضية التي يفصل فيها بناءً على معلومات كان قد توصل إليها من خارج ما هو محدد له في اطار القانون، وبالتالي فقد منع الشرع والقانون على القاضي أن يحكم بعلمه الشخصي وذلك خوفاً من أن يقع في اشكالات قد تؤدي في بعض الأحيان بتنحيه عن القضية أو رده. (مبدإ الاقتناع الذاتي للقاضي، د. زينب سعيد جاسم، ص ٢٥).

الوجه الثاني: قضاء القاضي بعلمه في الفقه الاسلامي: 

لا يَجوزُ للقاضي أن يَحكُمَ بعِلمِه، وهو مَذهَبُ المالِكيَّةِ، والحَنابِلةِ، والمُعتَمَدُ عِندَ المتأخِّرينَ مِنَ الحَنَفيَّةِ، وقَولٌ عِندَ الشَّافِعيَّةِ، وهو قَولُ ابنِ القَيِّمِ، واستدلوا بماياتي: 
١-قَولُه تعالى: وَٱلَّذِينَ يَرۡمُونَ ٱلۡمُحۡصَنَٰتِ ثُمَّ لَمۡ يَأۡتُواْ بِأَرۡبَعَةِ شُهَدَآءَ فَٱجۡلِدُوهُمۡ ثَمَٰنِينَ جَلۡدَةً [النور: 4]، فقد أمَرَ اللهُ تَعالى في هذه الآيةِ بجَلدِ القاذِفِ إذا لم يَأتِ بأربَعةِ شُهَداءَ على الزِّنا، ولَم يُفَرِّقْ بَينَ أن يَكونَ الأمرُ مَعلومًا عِندَ القاضي أو لا.
٢- عَن أُمِّ سَلَمةَ رَضيَ اللهُ عنها، أنَّ رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال: ((إنَّما أنا بَشَرٌ، وإنَّكُم تَختَصِمونَ إليَّ، ولَعَلَّ بَعضَكُم أن يَكونَ ألحَنَ بحُجَّتِه مِن بَعضٍ، فأقضيَ على نَحوِ ما أسمَعُ، فمَن قَضَيتُ له من حَقِّ أخيه شَيئًا فلا يَأخُذْه؛ فإنَّما أقطَعُ له قِطعةً مِنَ النَّارِ))، فقد دَلَّ هذا الحَديثُ على أنَّ القاضيَ إنَّما يَقضي بما يَسمَعُ لا بما يَعلَمُ، فجُعِلَ الحُكمُ مَبنيًّا على الأُمورِ الحِسِّيَّةِ الظَّاهِرةِ.
٣- عَن وائِلِ بنِ حُجْرٍ الحَضرَميِّ رَضيَ اللهُ عنه، قال: ((جاءَ رَجُلٌ مِن حَضْرَمَوتَ ورَجُلٌ مِن كِندةَ إلى رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فقال الحَضرَميُّ: يا رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، إنَّ هذا غَلَبَني على أرضٍ كانَت لأبي، فقال الكِنديُّ: هيَ أرضي في يَدي أزرَعُها ليس له فيها حَقٌّ، قال: فقال النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم للحَضرَميِّ: ألَكَ بَيِّنةٌ؟ قال: لا، قال: فلَكَ يَمينُه، قال: يا رَسولَ اللهِ، إنَّه فاجِرٌ لا يُبالي ما حَلَفَ عليه، ليس يَتَورَّعُ مِن شَيءٍ، فقال النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ليس لَكَ منه إلَّا ذاكَ)) فأنَّ سُؤالَ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم عَنِ البَيِّنةِ وبَيانَ استِحقاقِه ليَمينِ الخَصمِ، يَقتَضي أنَّه لا يَجوزُ الحُكمُ بغَيرِ ذلك.
٤- عَن عائِشةَ رَضيَ اللهُ عنها أنَّ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بَعَثَ أبا جَهمِ بنَ حُذَيفةَ مُصَدِّقًا فلاحّه رَجُلٌ في صَدَقَتِه، فضَرَبَه أبو جَهمٍ فشَجَّه، فأتَوا النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فقالوا: القَوَدَ يا رَسولَ اللهِ، فقال النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ((لَكُم كَذا وكَذا، فلَم يَرضَوا، فقال: لَكُم كَذا وكَذا، فلَم يَرضَوا، فقال: لَكُم كَذا وكَذا، فرَضُوا، فقال النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: إنِّي خاطِبٌ العَشيَّةَ على النَّاسِ ومُخبِرُهم برِضاكُم، فقالوا: نَعَم، فخَطَبَ رَسولُ اللهِ فقال صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: إنَّ هؤلاء اللَّيثيِّينَ أتَوني يُريدونَ القَوَدَ، فعَرَضتُ عليهم كَذا وكَذا فرَضوا، أرَضيتُم؟ قالوا: لا، فهَمَّ المُهاجِرونَ بهِم، فأمَرَهم رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أن يَكُفُّوا عنهم، فكَفُّوا، ثُمَّ دَعاهم فزادَهم، فقال: أرَضيتُم؟ فقالوا: نَعَم، قال: إنِّي خاطِبٌ على النَّاسِ ومُخبِرُهم برِضاكُم، قالوا: نَعَم، فخَطَبَ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فقال: أرَضيتُم؟ قالوا: نَعَم))، فقد دَلَّ هذا الحَديثُ على أنَّ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم لم يَحكُمْ عليهم بعِلمِه لَمَّا جَحَدوا أن يَكونوا رَضوا بما عَرَضَ عليهم عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ.
٥- عَن جابِرِ بنِ عَبدِ اللهِ رَضيَ اللهُ عنهما أنَّ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال لعُمَرَ رَضيَ اللهُ عنه في شَأنِ قَتلِ المُنافِقينَ: ((دَعْه، لا يَتَحَدَّثُ النَّاسُ أنَّ مُحَمَّدًا يَقتُلُ أصحابَه))، فأنَّ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم كانَ يَعلَمُ مِنَ المُنافِقينَ ما يُبيحُ دِماءَهم وأموالَهم، ويَتَحَقَّقُ ذلك، ومَعَ ذلك لا يَحكُمُ فيهم بعِلمِه، مَعَ بَراءَتِه عِندَ اللهِ ومَلائِكَتِه وعِبادِه المُؤمِنينَ مِن كُلِّ تُهمةٍ.
٦-أنَّ تَجويزَ القَضاءِ بعِلمِ القاضي يُفضي إلى تُهمَتِه وحُكمِه بما اشتَهى بحُجَّةِ عِلمِه بالواقِعةِ.
٥- أنَّه لَو فُتِحَ الحُكمُ للقاضي بعِلمِه لَفَسَدَت أحوالُ النَّاسِ؛ لأنَّه ليس كُلُّ إنسانٍ ثِقةً، فسَدُّ البابِ هو الأَولى، لا سيَّما إذا كَثُرَ الفَسادُ في القُضاةِ.
٦- أجمع الفقهاء على أنه لا يحكم القاضي بعلمه في الحدود الخالصة لله كالزنى وشرب الخمر لأنها تدرأ بالشبهات والقضاء بالعلم يورث شبهة للاختلاف فيه، وفي ذلك دَليلٌ لمَن مَنَعَ حُكمَ القاضي بعِلمِه في الحُدودِ الخالِصةِ للَّهِ تَعالى؛ لأنَّ حُقوقَ اللهِ تَعالى مَبنيَّةٌ على التَّخفيفِ والمُسامَحةِ؛ ولذلك تَسقُطُ بالشُّبهةِ.
٧- قول عمر رضي الله عنه لما تداعى عنده اثنان فقال أحدهما أنت شاهدي فقال: إن شئتما شهدت ولم أحكم أو أحكم ولا أشهد، ذكر هذا الاستدلال ابن قدامة في الكافي.
القول الثاني: يجوز للقاضي ان يقضي بعلمه، وهو قول الشافعية وبعض الزيدية وهو قول صاحبي أبي حنيفة، فيجوز للقاضي ان يقضي بعلمه سواء كان علمه قد حصل قبل القضاء أو بعده بشرط أن يكون القاضي مجتهدا وجوبا عند الشافعية مع ورع وتقوى ندبا، وشرطوا قوله قضيت او حكمت عليك بعلمي، وقيد أبو حنيفة القضاء بما حصل له من علم زمن القضاء وفي مكانه.
واستدل المجيزون لقضاء القاضي بعلمه استدلوا بأن العبرة من البينات حصول العلم، وقد حصل للقاضي بأقوى من البينة، وبقضاء رسول الله صلى الله عليه وسلم لزوحة أبي سفيان لما شكت أنه بخيل فقال: خذي ما يكفيك ولولدك بالمعروف. بدون إقرار ولا شهود لعلمه صلى الله عليه وسلم بان ابا سفيان بخيل.

الوجه الثالث: منع القانون اليمني للقاضي من الحكم بعلمه الشخصي عن الواقعة التي ينظرها: 

 منع القانون اليمني القاضي من الحكم في الواقعة التي ينظرها بناء على معلوماته الشخصية التي حصل عليها من اي مصدر او وسيلة خارج جلسات المحاكمة او ملف القضية التي ينظرها، وفي هذا المعنى نصت المادة (10) من قانون المرافعات اليمني على انه: (لا يجوز للقاضي أن يحكم بعلمه إلاَّ ما وصل إليه عن طريق مجلس قضائه، فيجب عليه أن يقضي على أساسه). 
وفي هذا السياق نصت الفقرة (7) من المادة (128) من قانون المرافعات اليمني على إنه: (يكون القاضي أو عضو النيابة ممنوعاً من نظر الدعوى (الخصومة)، ويجب عليه التنحي عن نظرها من تلقاء نفسه ولو لم يطلب الخصوم ذلك في الأحوال الآتية: -7- إذا كان قد افتى في الدعوى أو ترافع فيها عن أحد الخصوم أو كتب فيها ولو كان قبل إشتغاله بالقضاء أو كان قد سبق له نظرها قاضياً وحكم فيها في درجة أدنى أو نظرها خبيراً أو محكماً وابدى رأيه فيها أو أدى شهادة فيها قبل عمله بالقضاء أو كان لديه علم خاص بها).

الوجه الرابع: منع القاضي من القضاء بعلمه في القانون المصري:

 ذهبت محكمة النقض المصرية في تفسيرها للمادة (5/146) من قانون المرافعات المدنية والتجارية رقم (13) لسنة 1968 المعدل، أذ جاء في حكم هذه المحكمة (نص في المادة (5/146) على أنه (يكون القاضي غير صالح لنظر الدعوى ممنوعاً من سماعها ولو لم يرده احد الخصوم في الاحوال الاتية... اذا كان قد افتى أو ترافع عن احد الخصوم في الدعوى، أو كتب فيها ولو كان ذلك قبل اشتغاله بالقضاء أو كان قد سبق له نظرها قاضياً أو خبيراً أو محكماً، أو كان قد ادى شهادة فيها)، وايضاً ما تقضي به المادة (147) من نفس هذا القانون من ان عمل القاضي وقضاءه يبطل في الاحوال المتقدمة يعطي دلالة واضحة على ان ما يجري عليه عمل هذه المحكمة هو الارتياب من ان يلتزم القاضي برأيه الذي سبق وان استنتجه من عمله السابق، فعند نظره لدعوى جديده يشترط في القاضي أن يكون خالي الذهن عن موضوعاتها قادراً على وزن حجج الخصوم وزناً مجرداً).
 وفي حكم حديث لها قضت محكمة النقض المصرية: (انه لا يجوز للقاضي ان يقضي بعلمه الشخصي، اذ ان المبدأ الاساسي الذي يحكم النظرية العامة في الاثبات هو مبدا حياد القاضي، كما لا يجوز له ان يستند الى ادلة اثبات مقدمة من الخصوم في قضية اخرى، ويكون الامر كذلك ولو كانت الدعوى منظورة امامه هي الاخرى وكانت بين الخصوم انفسهم، فمثل هذه لا يصح الاستناد اليها الا اذا ضمت لملف القضية التي يصدر فيها الحكم واصبحت من عناصر الاثبات فيها بحيث يمكن ان يمتد اليها دفاعهم، مع ملاحظة انه ولا ان كان لمحكمة الموضوع السلطة التامة في تحصيل فهم الواقع في الدعوى من الأدلة المقدمة فيها وترجيح بعضها على البعض الاخر الا انها تخضع لرقابة محكمة النقض في تكييف هذا الفهم وفي تطبيق ما ينبغي من احكام القانون بحيث لا يجوز لها ان تطرح ما يقدم اليها تقديما صحيحا من الأدلة والاوراق والمستندات المؤثرة في حقوق الخصوم دون ان تدون في حكمها باسباب خاصة ما يبرر هذا الاطراح والا كان حكمها قاصرا).(الطعن رقم 7047 لسنه 85 قضائيه جلسه 22/5/2021).
 وكذا في حكم حديث قضت محكمة النقض المصرية بانه: (ولئن كان لا يجوز للقاضى أن يحكم بعلمه الخاص إلا أنه غير ممنوع من الحكم بالعِلم العام.، هذا ويعد من قبيل العلم العام الذى لا يحتاج إلى دليل على قيامه، جريان العادة على الاعتداد بالبيانات والأرقام المنشورة على شبكة الإنترنت بالمواقع الرسمية للاتفاقيات الدولية التى تعتمد على تدقيق المعلومات وتحديثها على نحو دائم، ومن بينها اتفاقية الإكسيد The ICSID Convention المبرمة فى واشنطن بتاريخ 18/3/1965 من أجل تسوية المنازعات المتعلقة بالاستثمارات والتى تقوم بين الدول ورعايا الدول الأخرى. (الطعن رقم 10103 لسنة 86 ق محكمة النقض المصرية 23 من إبريل سنة 2019م.) (مبدأ حياد القاضي المدني - دراسة مقارنة - د. فارس علي عمر الجرجري، دار الكتب القانونية، القاهرة، 2012، ص١٠٧).

الوجه الخامس: منع القاضي من القضاء بعلمه في القانون العراقي:

 نص قانون الاثبات العراقي النافذ في المادة (8) منه على أنه: (ليس للقاضي أن يحكم بعلمه الشخصي الذي حصل عليه خارج المحكمة، ومع ذلك فله ان يأخذ بما يحصل عليه من العلم بالشؤون العامة المفروض المام الكافة بها)، ويستشف من هذا النص أن القاضي لا يكفي أن يكون محايداً ولا يتحيز لأحد الخصمين المتنازعين، بل يجب عليه أن لا يبني أحكامه أو يستعين فيها على معلوماته الشخصية أو تحرياته الخاصة، فحينما يشير الحكم في حيثياته وأسبابه إلى دليل من الأدلة قدمت إلى المحكمة دون أن يكون للخصوم علم بها كان حكمه باطلاً، فلا يجوز للقاضي أن يستند في تكوين عقيدته واصدار حكمه على واقعة من الوقائع كان لعلمه الشخصي اتصال بها من غير طريق الخصوم، وخرق نطاق دائرة التحقيق في القضية والأدلة المقدمة فيها، أما المعلومات بالشؤون العامة التي يفترض المام الكافة بها، فان القاضي واحد منهم وله أن يأخذ بتلك الشؤون العامة والتي لا تعد من قبيل المعلومات الشخصية الممنوعة على القاضي أن يبني حكمه عليها، كما أن للقاضي أن يحكم بعلمه الخاص لما هو يعتبر من البديهيات دون أن يقال إنّه حكم بعلمه الشخصي، والواضح إن القانون العراقي يشاطر ما ذهبت اليه القوانين الاخرى، فقد منع القانون العراقي القاضي من القضاء بعلمه الشخصي، وهذا خير مسار يعمل على حفظ هيبة القضاء، واحقاق العدل بين المتخاصمين.
 كما نص على ذلك قانون أصول المحاكمات الجزائية النافذ في المادة (212) على انه(...ليس للقاضي أن يحكم في الدعوى بناء على علمه الشخصي)، ويتضح من نص هذه المادة إنَّ القاضي ليس حراً في أن يستند الى أي دليل عند تكوين قناعته بل عليه أن يتقيد بما يطرح في القضية من أدلة، إذ ليس من حق القاضي أن يستند إلى معلومات حصل عليها خارج مجلس القضاء. (حكم الحاكم بعلمه في الشريعة والقانون، د. حسين المؤمن، بحث منشور في مجلة القضاء الصادرة عن نقابة المحامين في العراق، العراق، العدد الثالث، 1976، ص113.)

الوجه السادس: منع القاضي من القضاء بعلمه في القانون الفرنسي:

منع القانون الفرنسي القاضي من القضاء بعلمه فقد نصت المادة (1/7) من قانون الاجراءات المدنية الفرنسي على أنه: (لا يمكن للقاضي ان يبني حكمه على وقائع ليست مطروحة في النقاش)، وايضاً اشارت المادة نفسها في الفقرة الثانية (من بين عناصر المناقشة، قد يأخذ القاضي في الاعتبار الحقائق التي لم يتذرع بها الاطراف على وجه التحديد لدعم ادعاءاتهم)، كذلك نصت المادة (179/1) من نفس القانون على أنه (لا يجوز للقاضي في سبيل التحقق منها بنفسه ان يأخذ في أي مسألة معرفه شخصية بالوقائع المتنازع عليها سواء الحاضرين أو المدعوين). 
فمن مجموع هذه النصوص يتبين أن القانون الفرنسي قد منع على القاضي ان يحكم في النزاع بناءً على علمه الشخصي، الا أنه مع ذلك اعطى له الحق في أن يتحرى بنفسه للوقائع من اجل التأكد من الحقائق. (التعليق على احكام المحكمة العليا في مسائل القضاة الجزء الثاني، أ.د. عبد المؤمن شجاع الدين، مكتبة الصادق جولة جامعة صنعاء الجديدة ٢٠٢٦م، ص١١٢)، والله اعلم.
تعليقات