عدم التوقيع على المسودة يبطل الحكم
مسودة الحكم عبارة عن تدوين وكتابة فهم القاضي للقضية وبيان صاحب الحق فيها واسباب ذلك وبيان خلاصة الحكم المتمثلة في منطوقه , فالمسودة هي التعبير المكتوب عن الحكم الذي كان في ذهن القاضي فأخرجه الى المسودة. في حين ان النطق بالحكم هو عباره عن اشهار الحكم الذي ق سبق للقاضي اخراجه عن طريق صياغة المسودة, ولذلك فان وجود المسودة دليل على وجود الحكم فاذا لم تكن المسودة موجودة فليس هناك وجود حقيقي للحكم (الوسيط في قانون القضاء المدني, د. فتحي والي , ص370) ومثل ذلك وجود مسودة لم يقم القاضي بالتوقيع عليها اذ ان المسودة في هذه الحالة؛ ورقة مجردة من التوقيع. فعدم التوقيع عليها يدل على انها ليست مسودة فلو كانت كذلك لقام القاضي الكاتب لها بالتوقيع في ذيلها بما يدل على انه قد قام بالتوقيع عليها باعتبارها مسودة , ولأهمية المسودة والتوقيع عليها ولتصويب بعض الاخطاء التي قد تقع في بعض احكام الموضوع فقد صدرت عن المحكمة العليا عدة احكام منها الحكم الصادر عن الدائرة المدنية في جلستها المنعقدة بتاريخ 21\11\2011م في الطعن المدني رقم (44299) لسنة 1432هـ وخلاصة اسباب هذا الحكم انه (بعد رجوع الدائرة الى الاوراق مشتملات الملف وجدت ان ما ينعي به الطاعن من عدم توقيع رئيس الشعبة على مسودة الحكم الاستئنافي المطعون فيه. وقد وجدت الدائرة ان هذا النعي في.محله لان المادة (225) مرافعات فقرة(1) نصت على انه – بعد تمام المداولة وقبل النطق بالحكم يجب ان تعد المحكمة مسودة الحكم مشتملة على الاسباب التي بني عليها الحكم ثم المنطوق ويجب ان يوقع القضاة المشتركون في الحكم على هذه المسودة والا كان الحكم باطلا) وبالرجوع الى ملف القضية فقد تبين ان مسودة الحكم ليست موقعة من قبل رئيس الشعبة وهذا يعد مخالفة لنص المادة المشار اليها التي اوجبت ان يوقع قضاة الشعبة على مسودة الحكم والا كان الحكم باطلا. وفي ذلك ما يغني عن مناقشة بقية اسباب الطعن بالنقض فذلك يستوجب نقض الحكم) وسيكون تعليقنا على هذا الحكم بحسب الاوجه الاتية:
الوجه الأول: السند القانوني للقضاء ببطلان الحكم الذي لم يتم التوقيع على مسودته:
استند الحكم محل تعليقنا على الفقرة (1) من المادة (225) مرافعات التي نصت على انه (بعد تمام المداولة وقبل النطق بالحكم يجب ان تعد المحكمة مسودة الحكم مشتملة على الاسباب التي بني عليها الحكم ثم المنطوق وان يوقع القضاة المشتركون في الحكم على هذه المسودة والا كان الحكم باطلا) ومن خلال استقراء هذا النص نجد انه قد اوجب صياغة مسودة الحكم وفي الوقت ذاته اوجب توقيع القاضي على المسودة وقرر بطلان الحكم جزاء على عدم توقيع القاضي على المسودة .
الوجه الثاني: اهمية التوقيع على المسودة:
توقيع القاضي على المسودة مرتبط ارتباطا جدليا بإعداد المسودة ذاتها حسبما ورد في الفقرة (1) من المادة (225) مرافعات التي قرنت اعداد المسودة بالتوقيع عليها بل انها حينما نصت على التوقيع قررت البطلان للمسودة وللحكم ذاته اذا لم يتم التوقيع على المسودة, وهذه اشارات يفهم منها اهمية التوقيع على المسودة ودلالته القانونية, مع ان المسودة مكتوبة بخط احد القضاة والخط اكثر دلالة من التوقيع من حيث التدليل على نسبة الخط للقاضي الذي كتب المسودة وهذا يقتضي منا البحث عن العلة التي ابتغاه القانون من تقرير البطلان كجزاء على عدم توقيع القاضي على المسودة, ولا ريب ان العلة من ذلك بالنسبة للقاضي الفرد هي التفرقة بين خواطر القاضي الفرد المكتوبة او استخلاصاته من قراءته لملف القضية, فالقاضي حينما يقوم بمطالعة ملف القضية يقوم بتدوين خواطره واستنتاجاته وملاحظاته. فهذه الخواطر والملاحظات والاستنتاجات عبارة عن خواطر شخصية ليست مسودة الحكم فلو كان ذلك مسودة الحكم لقام القاضي بالتوقيع عليها, ومن خلال ذلك يظهر ان العلة من توقيع القاضي على المسودة بالنسبة للقاضي الفرد التفرقة بين خواطر القاضي وملاحظاته المجردة من التوقيع وبين مسودة الحكم التي يتوجب على القاضي التوقيع عليها – وقد يقول قائل انه بالإمكان التفرقة بين ملاحظات القاضي الفرد وخواطره وبين مسودة الحكم من غير التوقيع حيث ان القانون قد حدد مشتملات المسودة وهي اسباب الحكم ومنطوقه فالوثيقة التي تكون بخط القاضي المتضمنة اسباب الحكم ومنطوقه هي مسودة الحكم حتى ولو لم يقم القاضي الفرد بالتوقيع عليها طالما وانها مكتوبة بخط القاضي ونسبتها الى القاضي صحيحة من غير توقيع, وهذا التخريج غير موافق للنص القانوني الصريح السابق ذكره . لان العلة ليست منحصرة في التعرف على نسبة المسودة الى القاضي حيث ان التوقيع على المسودة يعني ان القاضي قد انتهى من اعداد المسودة وانه بتوقيعه عليها مصر على انه قد استفرغ جهده في اعدادها وانتهى من ذلك وانه قد افصح من وقت توقيعه عليها على انها مسودة الحكم في حين انها قبل التوقيع كانت مجرد استنتاجات او ملاحظات او خواطر دونها القاضي لغاية اعداد المسودة, ولذلك فان المسودة التي لم يتم التوقيع عليها لا تكون مسودة بالمفهوم القانوني وانما هي مجرد نتائج او ملاحظات او استخلاصات دونها القاضي بخطه, فعدم التوقيع عليها يبطلها كمسودة ويبطل الحكم القضائي الصادر بموجبها لان المسودة التي لم يتم التوقيع عليها غير موجودة من وجهة نظر القانون اما بالنسبة لعدم التوقيع على المسودة من بعض اعضاء هيئة الحكم فانه يترتب عليه ايضا بطلان المسودة ومن ثم بطلان الحكم لان القانون قد اوجب علي جميع القضاة المشتركين في الحكم لان القانون قد اوجب عليهم ذلك فضلا عن ان عدم توقيع بعض القضاة المشتركين في الحكم على مسودة الحكم دليل على عدم موافقتهم على المسودة. وفي ذلك خلل كبير يمس بولاية الهيئة القضائية التي اصبغها القانون على الهيئة كاملة اي رئيس واعضاء الشعبة جميعهم فاذا تخلف احدهم عن التوقيع فان يقدح في الولاية القضائية لهيئة الحكم.
الوجه الثالث: تشدد القانون بالنسبة لإعداد المسودة والتوقيع عليها:
من خلال استقراء النص السابق. وهو الفقرة (1) من المادة (225) مرافعات نجد ان القانون قد تشدد فيما يتعلق بإعداد القاضي للمسودة وتوقيعه عليها, وقد قرر الحكم محل تعليقنا ذلك حينما ابطل الحكم الاستئنافي الذي قام رئيس واعضاء الشعبة جميعهم بالتوقيع على نسخة الحكم الا ان رئيس الشعبةوحده لم يقم بالتوقيع على مسودة الحكم, كما ان القانون قد تشدد في اشتراط التوقيع على المسودة ولذلك التشدد مايبرره حسبما سبق عرضه في حين ان لم يتشدد عند النطق بالحكم او عند اصدار الحكم فقد اجاز تخلف بعض اعضاء الهيئة عن جلسة الحكم طالما وقد سبق لهم التوقيع على مسودة الحكم في حالة موت القاضي او مرضه فذلك لا يؤثر على وجود الحكم وصحته طالما وقد سبق له التوقيع على مسودة الحكم ., فهذا يدل على ان مسودة الحكم هي الحكم الذي تم التعبير عنه بكتابته بخط القاضي وان النطق بالحكم ما هو الا اشهار لحكم قد سبق وجوده وهذا يفسر تشدد القانون في اشتراط التوقيع على مسودة الحكم.
الوجه الرابع: عدم توقيع رئيس الشعبة على المسودة يبطل الحكم:
كانت مسودة الحكم الاستئنافي المنقوض بحكم المحكمة العليا محل تعليقنا كانت تلك المسودة موقعة من قبل عضوي الشعبة الا ان رئيس الشعبة لم يقم بالتوقيع عليها وقد كان ذلك سببا في نقض الحكم الاستئنافي والتقرير ببطلانه حيث قرر الحكم محل تعليقنا انه يتوجب على جميع القضاة المشتركين في المداولة التوقيع على مسودة الحكم لان النص القانوني السابق ذكره قد ورد عاما بتلك الصيغة العامة ولا استثناء عليه او مخصص له اضافة الى ان عدم توقيع اي من اعضاء هيئة الحكم يخل بالولاية القضائيةالمخولة قانونا لهيئة الحكم مجتمعة كما سبق ايضاحه, والله اعلم.