تحول العقد في الفقه والقانون اليمني

تحول العقد في الفقه والقانون اليمني

من المؤكد أن ظهور الفقه الإسلامي تزامن مع نزول القرآن الكريم على قلب المصطفى صلى الله عليه واله وسلم، فقد كان من ضمن التكليف الرباني للنبي صلى الله عليه واله وسلم ان يشرح آيات القران ويفقه امته بالدين، قال تعالى: (وانزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم ولعلهم يتفكرون) (النحل الآية ٤٤).
فكان النبي صلى الله عليه واله وسلم هو اول فقيه يستنبط الاحكام التفصلية من القران الكريم، بل قام النبي صلى الله عليه واله وسلم بتعليم الصحابة مناهج الفقه وطرائقه، وكان فقه النبي صلى الله عليه واله وسلم وحيا من الله سبحانه وتعالى، لذلك كان فقه النبي صلى الله عليه واله وسلم معجزة وهو النبي الامي، فمدحه الامام البوصيري بقوله: كفاك بالعلم من الامي معجزة # في الجاهلية والتأديب في اليتم.(الفقه المقارن، أ.د. عبد المؤمن شجاع الدين، مكتبة الصادق جولة جامعة صنعاء الجديدة ٢٠١٥م، ص٦٨).
وبعد عصر النبي صلى الله عليه واله وسلم ظل الفقه الاسلامي يؤدي رسالته حتى يومنا هذا، ومن ضمن اهتمامات الفقه الاسلامي البحث عن الارادة الحقيقية للمتعاقدين وتكييفها في ضوء المسميات الشرعية ومن ثم تطبيق الاحكام الشرعية عليها .
 فاذا ظهر من خلال الدراسة والبحث تخلف بعض الشروط في العقد التي تجعل بعض العقد باطل فان البعض الصحيح من العقد يتحول الى عقد صحيح حتى لا تهدر ارادة المتعاقدين بالنسبة للبعض الصحيح من العقد، فالفقه الاسلامي يبحث عن ارادة المتعاقدين الحقيقية ويحترمها، والدليل على ذلك ان الفقه الاسلامي لم يكتف بإرادة المتعاقدين وقت ابرام العقد بل انه يحترم ارادة المتعاقدين حتى بعد ابرام العقد، حيث وضع الفقه الاسلامي نظرية الخيارات حتى يلجا اليها المتعاقد بعد ابرام العقد اذا تعيبت ارادته او رضاه، واوصل بعض الفقهاء هذه الخيارات الى ٢٧ خيارا مثل خيار المجلس وخيار الشرط وخيار العيب وخيار الرؤية وخيار الوصف وخيار الغبن ...الخ .
وعلى هذا الاساس فقد كان فضل السبق للفقه الاسلامي في وضع نظرية تحول العقد ونظرية الخيارات ونظرية تحول الارادة العقدية، ومن معين الفقه الاسلامي اخذ القانون الالماني نظرية تحول العقد وغيرها من النظريات .
ولاختلاف احكام نظرية تحول العقد عن احكام تحول الارادة العقدية، فانه ينبغي على محكمة الموضوع ان تستجوب المتعاقدين لمعرفة الوجهة التي اتجهت اليها إرداتهما الحقيقية، حسبما قضى الحكم الصادر عن الدائرة التجارية بالمحكمة العليا في جلستها المنعقدة بتاريخ ١٥-١٢-٢٠١٣م، في الطعن رقم (٥٣٤٨٤)، فقد ورد ضمن أسباب الحكم المشار إليه: (فالدائرة تجد ان نعي الطاعن في هذا السبب في محله، إذ كان يجب على الشعبة باعتبارها محكمة موضوع ان تستجوب الطرفين بشان حقيقة العلاقة العقدية بينهما، والعلاقة الجديدة بين الطرفين)، وسيكون تعليقنا على هذا الحكم حسبما هو مبين في الاوجه الاتية:

الوجه الاول: سلطان الارادة في انشاء العقود ووضع الشروط العقدية في الفقه الاسلامي:

تركت الشريعة الاسلامية للمتعاقدين الحرية في انشاء العقود والشروط المختلفة عندما وضع الفقه الاسلامي قاعدة الاصل في الاشياء الاباحة، فطالما ان محل العقد وشروطه لا تخالف حكما قطعيا في الشريعة فأن العقد وشروطه تكون جائزة او مباحة، وتطبيقا لذلك فقد تركت الشريعة الاسلامية للأفراد ان يتعاقدوا بعقود غير مسماه لم تتعرض لتسميتها واحكامها كتب الفقه الاسلامي طالما ان محل العقد وشروطه مباحة في الشريعة الاسلامية.
ومن جهة ثانية وتحقيقا لمبدأ سلطان الارادة فقد اهتم الفقه الاسلامي اهتماما بالغا بالبحث عن الارادة الحقيقية للمتعاقدين وتكييفها في ضوء المسميات الشرعية ومن ثم تطبيق الاحكام الشرعية عليها، فالفقه الاسلامي يبحث عن ارادة المتعاقدين الحقيقية ويحترمها، والدليل على ذلك ان الفقه الاسلامي لم يكتف بإرادة المتعاقدين وقت ابرام العقد بل انه يحترم ارادة المتعاقدين حتى بعد ابرام العقد، حيث وضع الفقه الاسلامي نظرية الخيارات حتى يلجا اليها المتعاقد بعد ابرام العقد اذا تعيبت ارادته او رضاه، واوصل بعض الفقهاء هذه الخيارات الى ٢٧ خيارا مثل خيار المجلس وخيار الشرط وخيار العيب وخيار الرؤية وخيار الوصف وخيار الغبن ...الخ .
وفي هذا الاتجاه فان الفقه الاسلامي لا يهدر ارادة المتعاقدين الا اذا تخلفت جميع اركان العقد وشروطه اما اذا كان بعض العقد باطل وبعضه الاخر صحيح فان الفقه الاسلامي يحول البعض الصحيح الى عقد اخر صحيح، واذا تضمن العقد شرط مخالف فان الفقه الاسلامي يبطل الشرط فقط ويبقي العقد.
وتندرج نظرية تحول العقد ضمن تطبيقات القاعدة الفقهية الفقهية القائلة ” ما لا يُدرَكُ كُلُّه، لا يُترَكُ جُلُّه " على اعتبار أن العقد الأصلي الباطل الذي وقع تحويله إلى عقد جديد غير العقد الذي توجهت إرادتي الأطراف إلى إحداثه فيه من النقص والخلل في الأركان والشروط ما يَهدمُ كيانه، ويجعلُه باطلا كأن لم يكن، أي أن العقد المراد تكوينه لا يُدرك في ذاته، وذاتية العقد هنا تعبير عن الكلية المُتوخاة من طرف أطراف العقد، كون أن إرادتهما قد وُجدت لأجل العقد الأصلي الذي وقع إبطاله، وهو الكُل الذي لم يُدرك، وفي هذا تطبيق للشق الأول من القاعدة الفقهية ” ما لا يُدرَكُ كُلُّه “ في حين ان العقد المتحول الى صحيح تطبيق للشق الثاني من القاعدة الفقهية ” لا يُترَكُ جُلُّه"
 وقد اهتدى الفقه القانوني بهدي الفقه الشرعي في صياغته نظرية تحول العقد ونظرية سلطان الارادة وغيرها من النظريات (فقه المعاملات المالية وتطبيقاتها المعاصرة، أ. د. عبد المؤمن شجاع الدين، مكتبة الصادق جولة جامعة صنعاء الجديدة ٢٠٢١م، ص١٥٨).

الوجه الثاني: مفهوم نظرية تحول العقد: 

 تحول العقد هو: الدراسة والبحث في عقد قائم باطل لمعرفة الشروط الباطلة والشروط الصحيحة والوقوف على الارادة الحقيقية للمتعاقدين، وبعد معرفة الارادة يتم تغيير الوصف القانوني للعقد إلى وصف أخر، فيترتب على الوصف الجديد أثار قانونية صحيحة لم تكن تترتب في حالته الأصلية كونه باطل؛ ولكنه بعد تحوله الى عقد اخر يصير منتجا لجميع أثاره القانونية، وهو ما يجعله غير العقد الذي تم ابرامه، ومن ثم تسري عليه جميع القواعد القانونية المنظمة لهذا العقد الجديد، فالعقد الاصلي اذا كان باطلا أو قابلا للإبطال إلا أنه قد توفرت فيه شروط عقد اخر فإنه يتعين الإبقاء على هذا العقد في مفهومه الجديد بالرغم بطلان العقد الأصلي أو قابليته للإبطال.
وقد شرح العلامة الدكتور عبد الرازق السنهوري نظرية تحول فقال ان التصرف وإن وقع باطلاً فانه قد ينطوي على عناصر تصرف أخر غير التصرف الذي رغبا المتعاقدان فيه ورمي قصدهما إليه وقاما بتحريره بالفعل، الأمر الذي يجعله يتحول إلى ذلك التصرف الجديد وينتج أثاراً قانونية صحيحة كونه أصبح تصرفا صحيحا بينما يكون هذا الأثر ليس أثراً أصلياً وإنما لا يخرج عن كونه أثراً عرضياً.
فالمقصود بنظرية تحول العقد أن العقد الاصلي إذا كان باطلا أو قابلا للإبطال إلا أنه توفرت فيه شروط عقد اخر فإنه يتعين الإبقاء على هذا العقد في منظوره الجديد بالرغم بطلان العقد الأصلي أو قابليته للإبطال.
 فنظرية تحول العقد مرتبطة أساسا، بمسألة الإبقاء على العقد، وبالتالي على العلاقة التعاقدية، لكن هذا الإبقاء لا يبقي العلاقة في قالبها الأصلي الذي أُريد لها أن تكون فيه منذ البداية، بل في قالب أخر تم تحُويل العقد إليه لحصول خلل معين في العقد الأصلي، أدى إلى بطلانه.
 وحتى لا تنتفي العلاقة التعاقدية فانه يتم تحويل العقد من قالبه الأصلي إلى قااب أخر، بسبب اختلال شروط العقد الأصلي.
 وقد عرف العلامة الدكتور السنهوري نظرية تحول العقد بانها: ” نظرية تتلخص في أن العقد الباطل قد يتضمن رغم بطلانه عناصر عقد اخر، فيتحول العقد الذي قصد إليه المتعاقدان وهو العقد الباطل، إلى العقد الذي توافرت عناصره وهو العقد الصحيح، وبذلك يكون العقد الباطل قد أنتج أثاره قانونيا وهذه الأثار ليست تلك التي سينتجها العقد الجديد بعد أن أًصبح مكتمل البناء، لأنها تعتبر اثارا للعقد الجديد الذي حل محل العقد الأصلي عن طريق إعمال نظرية تحول العقد، ولا يمكن في أي حال من الأحوال نسبها إلى العقد الباطل، فالأثار القانونية للعقد الباطل هنا، تتجلى في العقد الجديد الذي وُلد من رحم العقد الأصلي الباطل، لتشكل نظرية تحول العقد استثناء على القواعد العامة المقررة للبطلان، وهي كذلك بحكم الفقه والقانون، على اعتبار أن العقد الباطل هو والعدم سواء، إلا أنه في هذه الحالة أنتج العقد الباطل أثار رغم بطلانه، وتمثلت هذه الأثار في بروز عقد جديد من أحشاء العقد الباطل أو الأصلي، بعدما عجز عن تشكيل ذاته بشكل سوي، وكما هو منصوص عليه في القانون، بيد أن في العقد الأصلي الباطل، من الأركان والشروط، ما يُشكل به عقد أخر ـ له ذاتية اخرى تختلف عن العقد الاصلي، ويتم ذلك عن طريق إعمال نظرية تحول العقد. (الوسيط في شرح القانون المدني الجديد، ج4، البيع والمقايضة، الطبعة الثالثة، العلامة الدكتور المرحوم عبد الرزاق السنهوري منشورات الحلبي الحقوقية بيروت 2011، ص 38).
 والتعريفات السابقة لنظرية تحول العقد تتفق على انه انبعاث العقد الجديد من أحشاء العقد الأصلي الباطل، عن طريق تفعيل نظرية تحول العقد، حيث أن العقد الأصلي الذي اتجهت إرادتي الطرفين إلى إحداثه، لم يستطيع تقويم نفسه بالشكل الذي يُعلن عن وجوده كاملا لا ناقصا ولا مُعوجا، فانتفت ذاته، عن طريق انتفاء ما يُحقق قيامه، وتوفر فيه ما يُحقق قيام عقد أخر، وبموجب نظرية تحويل العقد، فان العقد الاصلي الباطل في هذه الحالة ذات العقد الأصلي الباطل يتحول الى عقد أخر، توفرت سبل قيامه.
 وقد نصت القوانين المقارنة على نظرية تحول العقد، كاستثناء من القواعد المُقررة للبطلان، فأنيطت بالنظرية مهمة تحويل العقد من مساره المحكوم بالبطلان، إلى مسار أخر يُؤسس لعقد جديد، نابع في أركانه وشروطه من العقد الأصلي الذي وقع بطلانه.(نظرية تحول العقد في التشريع المدني المغربي والمقارن.، محمد البوسقساقي، مجلة القانون والأعمال الدولية، جامعة الحسن الثاني، المغرب ٢٠٢٠م، ص١٢١).
ويرجع مصدر نظرية تحول العقد في القوانين المقارنة إلى القرن التاسع عشر حيث قام رجال القانون الألماني بصياغة تلك النظرية وبالفعل تم العمل بها كقاعدة قانونية وتم تقننينها بموجب المادة (140) من القانون الالماني التي نصت على انه: (إذا كان العمل القانوني الباطل يفي بشروط عمل آخر فهذا العمل الأخير هو الذي يؤخذ به إذا فرض أن المتعاقدين كانا يريدانه لو كانا يعلمان بالبطلان). 
وقد نصت المادة (٢٠٤) من القانون المدني اليمني على انه: (اذا كان العقد غير صحيح في بعض متميز منه فهذا البعض وحده هو الذي يبطل الا اذا تبين ان العقد ما كان ليتم بغير البعض الذي ثبت عدم صحته فيبطل كله).
كما نص الفصل 309 من قانون الالتزامات والعقود المغربي على انه: (إذ بطل الالتزام باعتبار ذاته وكان به من الشروط ما يصح به التزام اخر جرت عليه القواعد المقررة لهذا الالتزام الأخير) ويعتبر هذا النص بمثابة الأساس القانوني لنظرية تحول العقد في التشريع المغربي، وكذلك نصت المادة 144 من القانون المدني المصري على انه: (إذا كان العقد باطلا أو قابلا للإبطال وتوافرت فيه أركان عقد أخر، فإن العقد يكون صحيحا باعتباره العقد الذي توافرت أركانه، إذا كانت نية المتعاقدين تنصرف إلى إبرام هذا العقد)،وكذلك نصت على تحول العقد القوانين العربية الاخرى كالقانون الكويتي والمغربي والسوداني وغيرها .

الوجه الثالث: شروط تطبيق نظرية تحول العقد: 

 من خلال استعراض مفهوم نظرية تحول العقد على النحو السابق بيانه يظهر ان هناك شروط لتطبيق هذه النظرية، ومن هذ الشروط ما يا تي: 
الشرط الاول: ان يكون العقد الاصلى باطلا: 
فييشترط لتطبيق نظرية تحول العقد ان يكون العقد الاصلي باطلا اي ان يكون مخالفا للنصوص الشرعية والقانونية، فإذا لم يكن هناك عقد أصلي شابه البطلان فلا يكون هناك مجال لتطبيق نظرية تحول العقد إلى عقد آخر ينتج أثار قانونية عرضية ومن هنا وجب وجود العقد الأصلي الباطل الذي توفرت فيه شروط البطلان فيكون العقد الاصلي باطلاً أو قابلا للابطال .
 فالعقد إذا لم يكن باطلا فانه لا يجوز تحوله إلى عقد آخر حتى ولو كان المتعاقدان يفضلان العقد الجديد فلا مجال لتحوله لأنه عقد صحيح لا يجوز تطبيق نظرية تحول العقد عليه، وكذلك لا يجوز تحول العقد الموقوف إلا إذا تم إبطاله وكذلك التصرفات الصورية وتصرفات فاقد الأهلية إلا إذا تم الحكم ببطلان هذه التصرفات بشكل قطعي.
اما إذا كان هناك تصرف قانوني صحيح في شق وباطلاً في الشق الآخر وكان هذا التصرف يقبل الإنقسام، فيتم إنقاص التصرف حيث ينتقص ويزول الجزء الباطل منه أو قد يكون هناك مجال لأن يتم تحوله إلى تصرف آخر في حين أنه يبقى الجزء الصحيح من التصرف منتج لأثاره القانونية.
أما في حالة أن التصرف القانوني المنعقد الذي لايقبل الانقسام فلا محاله من إبطاله كاملاً وهو الأمر الذي يمكن معه وجود محل لتطبيق نظرية تحول العقد أو التصرف القانوني الباطل إلى تصرف قانوني آخر.
الشرط الثاني: أن يكون التصرف الأصلي يحمل في طياته عناصر التصرف الآخر الذي يتحول إليه:
لكي يتم التحول إلى التصرف الجديد فانه ينبغي أن تتوفر عناصر ذلك التصرف في العقد الأصلي الذي يشوبه البطلان، بحيث يشمل التصرف الأصلي التصرف الذي يمكن أن تطبق عليه نظرية التحول داخل طياته، فإذا لم يشتمل على تصرف آخر في مجموعه فلا محل هنا إلى إعمال النظرية ويقع التصرف باطلاً غير قابل للتحول.
الشرط الثالث: جواز انصراف إرادة المتعاقدين إلى التصرف الجديد:
وتعد هذه الإرادة إرادة ضمنية يتم استخلاصها عن طريق القاضي من واقع التصرف الأصلي وكذلك الظروف والملابسات المحيطة به، بحيث أن الإرادة الحقيقية تبتغي غاية معينة من التصرف وهي غاية عملية فعندما يتحول التصرف فإنه يقوم بتحقيق جزء من هذه الغاية أو تحقيقها كاملة، وهو الأمر الذي يفترض معه القانون أن تنصرف إرادتهما إلى التصرف الجديد الذي يحقق تلك الغاية أو جزء منها على الأقل وهو الغرض الأساسي الذي وضعت من أجله نظرية تحول العقد.(تحول العقد، الاستاذة زينة الشريف، الموقع الالكتروني الاردني.حماة الحق).

الوجه الرابع: الفرق بين تحول العقد وغيره: 

هناك مفاهيم مشابهة لتحول العقد ولذلك ينبغي الاشارة الى الفروق ما بين تحول العقد وتلك المفاهيم، وذلك على النحو الاتي: 
اولا: الفرق بين تحول العقد وتعديل تكييف العقد الصحيح: 
 تعديل تكييف العقد الصحيح من تصرف الى غيره مع صحة التصرف الأصلي والبقاء عليه لا يعد تحولا للعقد، بل يعد مجرد تكييفا صحيحا لهذا التصرف، فعلى سبيل المثال في حالة تكييف وصية خاطئة على أنها بيع وليست وصية فالتصرف الأصلي يظل باقيا مع تعديل التكييف إلى التكييف الصحيح.
ولا يشترط أن يكون التصرف الأصلي متضمناً بشكل فعلي على عناصر التصرف الآخر، بل يكفي أن تكون هناك رابطة من شأنها أن تجعل التصرف الأصلي في مجمله مشتملاً على عناصر التصرف الآخر.
 مع العلم أنه لا يجوز إضافة عنصر جديد إلى التصرف الآخر لم يكن مشتملاً عليه التصرف الأصلي، حيث إنه في حالة إضافة عنصر جديد لا يتم التحول، بل تبقى عناصر التصرف الأصلي مع إضافة عنصر جديد فيقع عقد جديد مغاير إلى العقد القديم مختلفاً عنه وله تكييف قانوني مختلف ولم يكن عقد محولا.
 ثانيا: الفرق بين تحول العقد وتصحيح العقد: 
سبق القول ان تحول العقد بمثابة استبدال عقد جديد بعقد قديم وذلك دون أن يتم إدخال عناصر جديدة على العقد الأصلي، وهو الأمر الذي من شأنه أن يكون عامل التمييز الذي يميز تحول العقد عن تصحيح العقد .
اما تصحيح العقد فهو عبارة عن إدخال عنصر جديد بقوة القانون يجعل العقد صحيحا، ويشترط في التصحيح أن العقد كان قد نشأ معيباً منذ البداية ولا يكون التصحيح من اختصاص القاضي، بل يكون التصحيح بموجب احكام القانون المنظم لذلك التصرف.
ثالثا: الفرق بين تحول العقد ومراجعة العقد: 
سبق القول ان تحول العقد بمثابة استبدال عقد جديد بعقد قديم وذلك دون أن يتم إدخال عناصر جديدة على العقد الأصلي، ولذلك فان تحول العقد يختلف عن مراجعة العقد .
فمراجعة العقد تكون لعقد نشأ صحيحاً وهو الحال في استكمال بنود لم يتفق عليها طرفي التعاقد في حين كونها بنود جوهرية، وقد تأتي مراجعة العقد على عقد نشأ معيباً منذ البداية مثل نقص الالتزام في عقود الإذعان أو عقود الإستغلال، وتعد المراجعة هنا من صميم عمل القاضي ويقوم بها ولم تكن بحكم القانون كما هو الحال في التصحيح.
رابعا: الفرق بين تحول العقد وتحول العلاقة العقدية: 
ذكرنا فيما سبق مفهوم تحول العقد، وهو يختلف عن مفهوم تحول العلاقة العقدية الذي يعني حلول عقد جديد بين المتعاقدين انفسهم يحل محل العقد السابق ابرامه بينهما، وامثلة تحول العلاقة العقدية ان يكون هناك عقد شراكة بين طرفين فيتفق الطرفان على تصفية الشراكة فيقوم احدهما بتاجير معداته الى شريكه السابق فيحل عقد الايجار محل عقد الشراكة، او ان يقوم المؤجر ببيع العقار الى المستاجر فيحل عقد البيع محل عقد الإيجار السابق (الوسيط في شرح القانون المدني الجديد، ج4، البيع والمقايضة، الطبعة الثالثة، العلامة الدكتور المرحوم عبد الرزاق السنهوري منشورات الحلبي الحقوقية بيروت 2011، ص٤٣).

الوجه الخامس: الأثار المترتبة على تحول العقد:

اذا توفرت شروط تحول العقد السابق ذكرها فإن التحول يتحقق ويقع بالفعل، الأمر الذي يؤدي إلى تحول التصرف الأصلي الذي شابه البطلان إلى تصرف جديد من شأنه أن ينتج أثاره القانونية، وهنا يتم تطبيق نظرية تحول العقد بقوة القانون ولا يتم التحول بسلطة القاضي بينما يقتصر دور القاضي على التقرير بوجود شروط التحول وأنها متوفرة وقد لا يحتاج القاضي حتى أن يحكم بوقوع التحول بناءً على طلب الخصوم، بل يجوز أن يحكم به من تلقاء نفسه ويكون الحكم مقرر للتحول بقوة القانون . (تحول العقد في القانون المدني الجزائري، ناريمان خمار، عبد الرازق بوبندير،رسالة ماجيستير، جامعة الاخوة منتوري، ص51(
وقد اختلفت الآراء الفقهية حول آثار العقد كونها وسيلة لإشباع إرادة طرفي التعاقد وتكون هي الأساس الذي ترتكز عليه نظرية تحول العقد دون التقييد بالظروف الاقتصادية من حوله أو النظام العام، بينما ذهب الفقة الحديث إلى أن العقد لا يجوز أن يتحول في حالة أن يضر هذا التحول بالاقتصاد الوطني، وكذلك في حالة أن يكون وسيلة لاستغلال الآخر وهو الأمر الذي يجعل إرادة المتعاقدين غير مؤثرة في هذه الحالة بينما يكون القانون هو العامل المرتب للأثار الناتجة عن العقد وإلا خرج العقد من نطاق الحماية القانوينة كون العقد يقوم بدور اقتصادي هام من حيث تبادل الخدمات وتداول الأموال). تحول العقد وإعادة تكييفه وأثر العوارض الطارئة في ذلك، دراسة مقارنة، د. عبد الحميد محمود البعلي، ص197).

الوجه السادس الأثر الرجعي لتحول العقد:

إن العقد الجديد الذي يكتسب وجوده من العناصر الصحيحة المتوفرة في العقد الباطل يعد صحيحا بقوة القانون، وليس للإرادة التي اتجهت الى العقد الباطل أي تأثير في ذلك ويقع على القاضي في هذه الحال عبء التحقق من توافر شروط التحول ومدى كفايتها لبناء عقد جديد، ومتى ثبت له ذلك فإن واجبه القانوني يفرض عليه ترتيب أثر التحول فسلطة القاضي آزاء ذلك ليست سلطة منشئة للعقد الجديد وإنما هي سلطة مقيدة بنص القانون، الذي لا يمكنه معها إنشاء عقد جديد متى ما كانت عناصر تكوينه غير متوفرة في العقد الباطل، فإذا تطلب الأمر مثلا إدخال عناصر أضافية خارج نطاق العقد الباطل استحال عندها على القاضي أنشاء العقد، لأمتناع التحول أصلا، بفقدانه شروط إيقاعه، وإذا كان الأمر يحتاج الى تدخل قضائي لأجراء التحول، فهو ليس الا للفصل في تحقق شروطه فقط، لأن أثره لا ينسب الى القضاء، فليس هناك ما يسمى بتحول قضائي. إذ أنه مقيد بنص القانون. ومن ثم فهو يكتسب صحته مباشرة من نص القانون وليس من الحكم الفضائي، وما حكم القضاء سوى حكم يقرر أن التحول قد تم، ولكل من المتعاقدين عندها التصرف وفقا للعقد الجديد وتنفيذ آثاره ولا يمكن لأحدهما التحلل من أحكامه لكون العقد الجديد أصبح نافذا بحكم القانون. ولكن متى يعد العقد الجديد نافذا ومرتبا لآثاره ؟ إن المبدأ الذي تقرره القواعد العامة في التحول، يفرض انسحاب التحول بأثر رجعي الى تاريخ إبرام العقد الباطل، ذلك أن العقد الجديد يحمل تاريخ العقد الأصلي، فهو يحل محله بالتحول، لأكتسابه عناصر وجوده منه، ولهذا فإن التحول ينتج أثره بصفة عامة بأثر رجعي، ما لم تكن هناك صعوبات عملية تقف عائقا في سبيل أنسحاب هذا الأثر الى الوراء، كما هو الحال بالنسبة لعقود المدة، والتي يكون الزمن فيها عنصرا جوهريا، مما يستحيل معه رد الألتزامات التي تم الوفاء بها الى تاريخ إبرام العقد الباطل، مما يشكل أستثناء على هذا المبدأ ولا يمكن عندها تطبيق الأثر الرجعي.
إن تطبيق مبدأ الأثر الرجعي للتحول، لم يكن الا لاعتبارات وجد فيها المقنن تحقق المصلحة العامة، وتخفيف الضرر الذي قد يلحقها نتيجة لبطلان العقود، ومن هنا فإن الضرورة العملية فرضت تطبيق هذا المبدأ، لتحقيق ما ينشده المقنن بصورة عامة فإذا كان العقد باطلا أنتج أثره بألغاء كل ما رتبه بالنسبة لطرفيه وبالنسبة للغير، لكن عند أعمال التحول وبأثر رجعي أمكن تحقيق الحماية القانونية للحقوق والمصالح وعدم أهدارها وفقا لما يفرضه منطق البطلان. (تحويل العقد الباطل الى صحيح، د. مصطفى سالم كاظم جبر، ود. محمد علي عبده،مجلة العلوم الانسانية والطبيعية، مجلد (٦) العدد (١))، (التعليق على أحكام المحكمة العليا في مسائل العقد، أ.د. عبد المؤمن شجاع الدين، مكتبة الصادق جولة جامعة صنعاء الجديدة ٢٠٢٤م، ص١٤٢)، والله اعلم.
صورة تعبيرية لمطرقة العدالة وميزان القانون تمثل مقال تحول العقد في الفقه والقانون اليمني للأستاذ الدكتور عبدالمؤمن شجاع الدين
دراسة قانونية وفقهية: تحول العقد في الفقه والقانون اليمني
تعليقات