تطابق أسباب الحكم مع أوراق القضية
يجب أن يكون الحكم مطابقا لوقائع النزاع وأن يكون مطابقاً لمسودته، ويجب أيضاً أن تكون أسباب الحكم مطابقة لما ورد في أوراق القضية المحفوظة في ملف القضية كالمستندات المقدمة من الخصوم والخبراء، فلا يكفي ان يكون لأسباب الحكم اصل في الاوراق، بل يجب ان تكون البيانات والمعلومات والارقام والتواريخ والمساحات والحدود الواردة ضمن اسباب الحكم يجب ان تكون مطابقة للبيانات والمعلومات والمسميات الواردة في ارواق القضية، فاذا كانت البيانات الواردة في اوراق القضية غير صحيحة او غير سليمة فانه يجب على المحكمة ان تشير الى ذلك في اسباب حكمها وانها لذلك لم تاخذ بها لانها غير سليمة او غير صحيحة.
اما اذا كان ما ورد في اسباب الحكم غير مطابق لما ورد في الاوراق، فان اسباب الحكم لا يكون لها اصل في الاوراق، حسبما قضى الحكم الصادر عن الدائرة التجارية بالمحكمة العليا في جلستها المنعقدة بتاريخ ١٩-١-٢٠١١م، في الطعن رقم (٤٢٩١١)، فقد ورد ضمن أسباب الحكم المشار إليه: (وحيث ان هذه المناعي وجيهة فقد وجدت الدائرة ان الحكم الاستئنافي لم يدرك التناقض فيما بين اسباب حكم التحكيم وعقد الشراكة الذي حدد الشركاء الثلاثة في المحل وحدد انصبتهم اثلاثا وان الارباح تكون بينهم كذلك، فما ورد في اسباب الحكم غير مطابق لما ور في عقد الشراكة)، وسيكون تعليقنا على هذا الحكم حسبما هو مبين في الاوجه الاتية:
الوجه الأول: معنى أوراق القضية:
أوراق القضية هي كل ما يتضمنه ملف القضية من مستندات مثل مذكرات الخصوم المتضمنة الدعاوى والطلبات والدفوع والردود والمستندات المقدمة من الخصوم، وكذا محاضر جلسات المحاكمة المتضمنة اثبات الحضور والقرارات والإجراءات التي اتخذتها المحكمة والأقوال الصادرة عن الخصوم أطراف القضية، وكذا أقوال الشهود وتقارير الخبراء العدول وأقوالهم والاستفسارات الموجهة إليهم. وتتضمن أوراق القضية البيانات والمعلومات والقرارات والإجراءات والأقوال والتقارير المدونة في الأوراق التي يشتمل عليها ملف القضية.
الوجه الثاني: مفهوم اسباب الحكم:
سبق لنا التعليق تفصيلا عن اسباب الحكم الواقعية والقانونية، ولذلك سنكتفي في هذا التعليق على الاشارة بإيجاز الى اسباب الحكم حتى يمكن فهم عدم التطابق فيما ورد في اسباب الحكم وبين ما ورد في اوراق القضية.
وعدم التطابق يقع بالنسبة لأسباب الحكم الواقعية التي يستخلصها القاضي من دراسته الدقيقة والعميقة لاوراق القضية، والاسباب الواقعية مع الاسباب القانونية هي المقدمات التي تبرر النتيجة وهو منطوق الحكم.
الوجه الثالث: المقصود بالتطابق بين ما ورد في اوراق القضية وما ورد في أسباب الحكم:
يقصد بذلك ان تكون البيانات والمعلومات والاسماء والارقام والتواريخ والمسافات والمبالغ وحدود الاراضي ومساحاتها واسمائها ... الواردة في اسباب الحكم مطابقة لما ورد في اقوال ومذكرات ومستندات الخصوم والخبراء والشهود التي يتضمنها ملف القضية.
ومقتضى ذلك انه يجب على القاضي عند صياغته لأسباب الحكم ان يتحقق من البيانات التي يقوم بتضمينها في الاسباب حتى تكون مطابقة لما ورد في اوراق القضية.
اضافة الى ذلك فانه يتعين على القاضي ان يذكر المصادر او الاوراق التي استمد منها البيانات التي قام بتضمينها ضمن اسباب الحكم.
الوجه الرابع: عدم تطابق اسباب الحكم مع الاوراق تحريف لاوراق القضية:
قضت محكمة النقض المصرية بان عدم تطابق اسباب الحكم مع الاوراق تحريف لاوراق القضية– إذ قضت هذه المحكمة: (أن أسباب الحكم تعتبر مشوبة بالفساد فى الاستدلال إذا انطوت على عيب يمس سلامة الاستنباط ويتحقق ذلك إذا استندت المحكمة فى اقتناعها إلى أدلة غير صالحة من الناحية الموضوعية للاقتناع بها أو إلى عدم فهم العناصر الواقعية التي تثبت لديها أو وقوع تناقض بين هذه العناصر، كما في حالة عدم اللزوم المنطقي للنتيجة التي انتهت إليها في حكمها بناء على تلك العناصر التي تثبت لديها، ومن المقرر كذلك – أن مخالفة الثابت بالأوراق التي تبطل الحكم هي تحريف محكمة الموضوع للثابت مادياً ببعض المستندات أو ابتناء الحكم على فهم حصلته المحكمة مخالفاً لما هو ثابت بها، كما أنه من المقرر أيضاً – أنه ولئن كان لمحكمة الموضوع السلطة التامة فى تحصيل فهم الواقع فى الدعوى من الأدلة المقدمة فيها وتقديرها وترجيح بعضها على البعض الآخر، إلا أنها تخضع لرقابة محكمة النقض فى تكييف هذا الفهم وفى تطبيق ما ينبغي من أحكام القانون، بحيث لا يجوز لها أن تطرح ما يقدم إليها تقديماً صحيحاً من الأدلة والأوراق والمستندات المؤثرة فى حقوق الخصوم دون أن تدون فى حكمها بأسباب خاصة ما يبرر هذا الإطراح، وإلا كان حكمها قاصراً) – حكم محكمة النقض في الطعن رقم ١٤٠٩٢ لسنة ٧٦ قضائية ـ الدوائر المدنية – جلسة ٢٠٢١/٠٦/٢٠-.
فعدم تطابق البيانات يعني ان البيانات المدونة ضمن اسباب الحكم مختلفة عن تلك الواردة ضمن اوراق القضية، ومؤدى ذلك انه قد تم تحريفها.
الوجه الخامس: عدم تطابق اسباب الحكم مع الاوراق يعنى ان الاسباب ليس لها اصل في أوراق القضية:
من شروط التسبيب الجيد للحكم ان يكون لأسباب الحكم اصل في اوراق القضية اي ان تكون الاسباب مستمدة من اوراق القضية المحفوظة في القضية وهي حصيلة اجراءات المحاكمة التي تمت امام القاضي، والتي قام القاضي بدراستها واحاط بها، ونتيجة ذلك قام بصياغة اسباب الحكم، فلا يجوز ان يبني القاضي عقيدته وقناعته من غير اوراق القضية، وتطبيقا لذلك لا يجوز للقاضي ان يستمد اسباب الحكم من غير اوراق القضية.
وعلى هذا الاساس فان عدم تطابق البيانات الواردة في اسباب الحكم عن تلك الواردة في اوراق القضية يعني ان ما ورد في اسباب الحكم ليس له اصل في الاوراق.
الوجه السادس: عدم تطابق اسباب الحكم مع الاوراق يدل على عدم احاطة القاضي بوقائع النزاع وعدم عنايته عند صياغته للحكم:
من المعلوم ان القاضي بعد ان يتحقق من صلاحية القضية للحكم فيها فانه يقرر قفل باب المرافعة وحجز القضية للحكم فيها، وبعد ذلك يقوم القاضي بدراسة جميع اوراق القضية حتى يحيط بوقائع النزاع احاطة تامة من جميع جوانبها.
وخلال ذلك تتوفر لدى القاضي كافة البيانات والمعلومات، ويقف على الصحيح والسقيم من تلك البيانات والمعلومات، وبعد الاحاطة التامة بوقائع النزاع فان القاضي يقوم بإفراغ إحاطته في مسودة الحكم المشتملة على اسباب الحكم ومنطوقه.
ولذلك فان وجود اخطاء في المسميات او الارقام او التواريخ.... في اسباب الحكم وعدم تطابقها مع ما ورد في اوراق القضية يدل على عدم احاطة القاضي بما ورد في اوراق القضية او انه فهم بعضها على خلاف ما ورد في الاوراق، وهذا كله يدل على ان القاضي لم يحط بأوراق القضية إحاطة تامة، كما ان ذلك يدل على عدم عناية القاضي وعدم اهتمامه عند صياغته لأسباب الحكم.، مما يصم حكمه بالقصور.
وللتدليل على احاطة القاضي التامة بما ورد في اوراق القضية وحتى تكون اسباب حكمه متسقة مع اوراق القضية فانه يستهل أسباب الحكم بملخص النزاع الذي يتم ذكره في مقدمة أسباب الحكم للتدليل على فهم القاضي وإحاطته التامة بما ورد في اوراق القضية وتفاصيلها، ولذلك فان التطابق بين ما ورد في اسباب الحكم وبين ما ورد في اوراق القضية عند تسبيب الحكم ثمرة من ثمار إحاطة القاضي التامة والشاملة بما ورد في أوراق القضية وفهمه الدقيق والعميق لها.
الوجه السابع: عدم تطابق اسباب الحكم مع الاوراق يدل على إغفال بعض اوراق القضية:
في بعض الأحوال يكون سبب عدم التطابق بين البيانات الواردة في اسباب الحكم والبيانات الواردة في اوراق القضية هو أغفال الحكم لبعض الاوراق او بعض ما ورد في الورقة الواحدة، ففي القضية التي تناولها الحكم محل تعليقنا كان سبب عدم التطابق ان الحكم اغفل بعض البيانات الواردة في ورقة عقد الشراكة وهو البند الذي يصرح ان الشركاء في المحل ثلاثة، فقد ورد في اسباب الحكم ان الشركاء اثنان فقط.
وعلى هذا الاساس فان عدم التطابق قد يكون مظهرا من مظاهر اغفال الحكم لبعض اوجه الدفاع مما يبطل الحكم.
الوجه الثامن: عدم تطابق ما ورد في اسباب الحكم مع ما ورد في الاوراق يفتح الباب لكثرة الطعون واطالة اجراءات التقاضي:
من المعلوم ان الخصوم يحفظوا عن ظهر قلب اوراق القضية التي تخصهم وكل البيانات الواردة فيها سواء أكانت جوهرية او غير جوهرية، ولذلك يتمكن الخصوم بسهولة وسرعة من اكتشاف عدم التطابق او اي اختلاف في البيانات بين ما ورد في اوراق القضية وما ورد في اسباب الحكم سواء أكان هذا الاختلاف جوهريا مؤثرا او غير مؤثر.
بل ان الخصوم يستغلوا هذا الاختلاف في التشنيع على الحكم والطعن فيه، وهذا يؤدي بدوره الى كثرة الطعون واطالة اجراءات التقاضي.
الوجه التاسع: أهمية تطابق ما ورد في أسباب الحكم مع ما ورد في أوراق القضية:
من الأعراف القضائية المحمودة أن القاضي يستهل تسبيب حكمه بتلخيص موجز وكاف لما هو ثابت في أوراق القضية للتدليل على أن القاضي قد درس وبحث كل محتويات أوراق القضية كاملة واحاط بكافة تفاصيل النزاع الذي يفصل فيه، وبناءً على ذلك فإن أسباب ومنطوق الحكم تكون متسقة ومتوافقة مع ما ورد في أوراق القضية.
وتأسيساً على ذلك تم تقعيد قاعدة: الحكم عنوان الحقيقة، حسبما ظهرت للقاضي من خلال دراسته لكل أوراق القضية، ولذلك ترد في أسباب الاحكام كلها في اليمن وغيرها عبارة(بعد الرجوع الى أوراق القضية) للتدليل على أن القاضي قد رجع إلى كل صفحة أو ورقة من أوراق القضية وفهم مضمونها والبيانات الواردة فيها،.
ولا ريب أن تسبيب الحكم على هذا الشكل يحقق العدل والانصاف ويحقق الأمان والاطمئنان القضائي قبل ان يحقق إطمئنان الخصوم، ومن خلال مطالعتنا الكثيرة للأحكام نلاحظ أن غالبية حالات بطلان الأحكام ونقضها ترجع إلى تجاهل الحكم للثابت في أوراق القضية أو مخالفته لها.
وقد قضت محكمة النقض المصرية بأنه(إذ كان الحكم المطعون فيه قد قضى بإلغاء الحكم المستأنف فيه وبإلزام الجمعية الطاعنة بتسليم المطعون ضده قطعة الأرض موضـــــوع النـــــــــزاع (ومسطحها ٤٠٠ متر مربع) على سند من أن الجمعية الطاعنة قد عجزت عن إثبات الالتزامات المالية المستحقة على المطعون ضده عن قطعة الأرض موضوع النزاع حال أن الثابت بتقرير الخبير المنتدب في الدعوى أن المطعون ضده لم يسدد سوى مبلغ ألفين جنيه فقط على ثلاث دفعات وقدمت الجمعية – أمام الخبير – محضر اجتماع مجلس إدارتها المؤرخ ٢٩/١٢/١٩٩١ وجاء به أن مجلس الإدارة قرر: سحب عدد ٢٦٠ قطعة أرض من الأعضاء السابق تخصيصها لهم والذين لم يسددوا التزاماتهم المالية رغم إنذارهم، كما قرر المجلس توزيع قطع أراضي مساحتها ٤٠٠ متر مربع للمسددين لمبلغ ٤٥٠٠ جنيه من حساب الأرض حتى ٣١/١٢/١٩٩١ الأمر الذي يتبين منه أن المطعون ضده لم يسدد كامل التزاماته المالية عن قطعة الأرض التي كانت مخصصة له (ومساحتها ٤٠٠ متر مربع)، وإذ تمسك الحاضر عن الجمعية الطاعنة بمحاضر أعمال الخبير بذلك الدفاع، وبأن المطعون ضده لم يسدد كامل التزاماته المالية عن قطعة الأرض موضوع النزاع، فالتفت الحكم المطعون فيه عن ذلك الدفاع إيراداً ورداً، كما لم يلتفت الحكم لما جاء بمحضر اجتماع مجلس إدارة الجمعية المؤرخ ٢٩/١٢/١٩٩١ ـــــ المقدم صورة منه أمام الخبير المنتدب ــــــ أو يتناوله بالرد وقضى بإلزام الجمعية الطاعنة بتسليم المطعون ضده قطعة الأرض محل النزاع رغم عدم سداده لكامل التزامه المالي بشأنها، فإنه يكون معيباً بالقصور في التسبيب ومخالفة الثابت بالأوراق). (الطعن رقم ١٧٨٦١ لسنة ٨٧ قضائية). (التعليق على احكام المحكمة العليا في مسائل الطعن بالنقض الجزء الثاني، مكتبة الصادق جولة الجامعة الجديدة صنعاء، طبعة ٢٠٢٦م، ص١٤٨)، والله اعلم.