حكم اليمين على الشهادة المكتوبة

حكم اليمين على الشهادة المكتوبة

أ.د. عبد المؤمن شجاع الدين

الأستاذ بكلية الشريعة والقانون - جامعة صنعاء

نصت المادة (68) من قانون الإثبات اليمني على أن: (تحلف المحكمة الشاهد قبل أداء الشهادة بان يقول الحق، ويحلف غير المسلم على حسب الاوضاع الخاصة به اذا طلب ذلك).
ومقتضى هذا النص انه ينطبق على الشاهد الحاضر حينما حاضرا في مجلس القضاء او جلسة المحكمة فتأمره المحكمة بان يحلف اليمين على قول الحق، وذلك قبل الادلاء بشهادته امام المحكمة.
 أما اذا قام الشاهد بكتابة الشهادة وارسالها الى القاضي مكتوبة فانه لا يلزم توجيه المحكمة اليمين اليه، لان الحكمة من قبول الشهادة المكتوبة قبول عذر الشاهد الذي تعذر حضوره الى المحكمة للإدلاء بشهادته حضوريا امام المحكمة، حسبما قضى الحكم الصادر عن الدائرة التجارية بالمحكمة العليا في جلستها المنعقدة بتاريخ ٩/٥/٢٠١١م، في الطعن رقم (٤٤٩٨٤)، فقد ورد ضمن أسباب الحكم المشار إليه: (فقد نعي الطاعن بان محكمة الموضوع لم تستجب لطلبه بتوجيه اليمين الى مدير الشركة التي اصدرت المستندات التي استدل بها المطعون ضده، وهذا النعي في غير محله، لان مدير تلك الشركة ليس طرفا في الخصومة ولا صفة له في ذلك)، وسيكون تعليقنا على هذا الحكم حسبما هو مبين في الاوجه الاتية:

الوجه الأول: مفهوم الشهادة المكتوبة إلى القاضي: 

الأصل أن يتم الأدلاء بالشهادة في مجلس القضاء أي أمام المحكمة التي تنظر الواقعة المشهود عليها وفي جلسة المحاكمة، غير أن الفقه الإسلامي وقانون الإثبات اليمني أجازا الشهادة عن طريق الكتابة، وذلك بأن يقوم الشاهد بكتابة شهادته في وثيقة مكتوبة بخطه أو مكتوبة بخط غيره شريطة اشهاد شاهدين على ذلك.
 وقد اجاز الفقه الإسلامي الشهادة المكتوبة حفظاً للحقوق والمصالح من الضياع، لأنه لأسباب عدة قد يتعذر على بعض الشهود المثول أمام المحكمة للأدلاء بشهاداتهم، ولأنه يستوى أن يدلي الشاهد بشهادته كتابة أو شفاهة، فالعبرة بعدالة الشاهد، فقد تضيع بعض الحقوق او تهدر بسبب تعذر حضور الشهود امام القاضي.
 ومن هذا المنطلق فقد اجاز قانون الاثبات اليمني كتابة الشاهد لكتابته، وفي هذا المعنى نصت المادة (39) إثبات على أنه: (يقوم مقام الإرعاء كتابة الشاهد لشهادته بخطه المعروف أو إملائها على آخر خطه معروف مع إشهاد شاهدين على الكتابة أو إذا لم يكن الخط معروفاً صدق عليه من جهة رسمية).

الوجه الثاني: معنى ان الشهادة المكتوبة تقوم مقام الارعاء: 

معنى الإرعاء: أن يتلو الشاهد بشهادته خارج مجلس القضاء (خارج جلسة المحكمة) على مسامع شاهدين عدلين ويطلب من الشاهدين أن يشهدا على شهادته، حسبما هو مقرر في المادة (٣٧) من قانون الإثبات اليمني التي نصت على انه: (يجوز في غير الحدود والقصاص ان يرعي الشاهد عدلين يقول لهما: اشهدا على شهادتي اني اشهد بكذا، فيكون الشاهد اصلا وهما فرعان عنه، ولا يصح الارعاء بشاهد واحد).
وكذا نصت المادة (٣٨) اثبات على ان: (يقبل الارعاء في الاحوال الاتية: -١- عن ميت ارعاهماو في حياته -٢- عن معذور عن الحضور بمرض ونحوه).
وقد صرحت المادة (39) إثبات بأن كتابة الشاهد لشهادته تقوم مقام الإرعاء، فقد نصت المادة (39) إثبات على أنه: (يقوم مقام الإرعاء كتابة الشاهد لشهادته بخطه المعروف أو إملائها على آخر خطه معروف مع إشهاد شاهدين على الكتابة أو إذا لم يكن الخط معروفاً صدق عليه من جهة رسمية). 
ومعنى ان الشهادة المكتوبة تقوم مقام الارعاء معنى ذلك انه تنطبق على الشهادة المكتوبة احكام الارعاء في الشهادة، ولذلك اشترط القانون العذر في الشهادة المكتوبة، وكذا اشترط القانون العذر في الشهادتين، كما اشترط القانون ان يتم الارعاء لشهادين وان يشهد على الشهادة المكتوبة شاهدين ايضا، وحدد القانون نطاق الإرعاء والشهادة المكتوبة وهو في غير مسائل الحدود والقصاص حسبما سبق بيانه.

 الوجه الثالث: الإشهاد على الشهادة بالكتابة: 

نصت المادة (39) إثبات على أنه: (يقوم مقام الإرعاء كتابة الشاهد لشهادته بخطه المعروف أو إملاؤها على آخر خطه معروف مع إشهاد شاهدين على الكتابة أو إذا لم يكن الخط معروفاً صدق عليه من جهة رسمية). 
 ومن خلال استقراء النص القانوني السابق يظهر انه اشترط أن يتم الإشهاد على الشهادة بالكتابة إذا كان خط الشاهد كاتب الشهادة معروفاً للقاضي وكذا اذا قام الشاهد بإملاء الشهادة على شخص اخر خطه معروف للقاضي، ففي هاتين الحالتين يجب الاشهاد على الشهادة المكتوبة لأنها تقوم مقام الارعاء حسبما سبق بيانه.
ومعنى الشهادة على الشهادة المكتوبة ان يكون الشاهدان حاضرين حين كتابة الشاهد لشهادته وان يشاهداه وهو يكتب بنفسه وبخطه شهادته، وكذلك الحال عندما يملي الشاهد شهادته على شخص اخر كي يكتبها هذا الشخص بخطه، فيجب في هذه الحالة ان يسمع الشاهدان الشاهد وهو يتلو او يملي شهادته على غيره ويجب أيضا ان يشاهد الشاهد الكاتب وهو يكتب بخطه شهادة الشاهد. (التعليق على أحكام المحكمة العليا في مسائل الشهادة الجزء الثالث، أ.د. عبد المؤمن شجاع الدين، مكتبة الصادق جولة جامعة صنعاء 2025م، ص١١٨).

الوجه الرابع: مصادقة الجهة الرسمية على الشهادة المكتوبة بخط غير معروف: 

نصت المادة (39) إثبات على أنه (يقوم مقام الإرعاء كتابة الشاهد لشهادته بخطه المعروف أو إملاؤها على آخر خطه معروف مع إشهاد شاهدين على الكتابة، وإذا لم يكن الخط معروفاً صدق عليه من جهة رسمية). 
 ومن خلال استقراء النص القانوني السابق يظهر انه صرح بانه في حالة إذا كان خط الشاهد الذي كتب الشهادة غير معورف او كان خط الكاتب الذي املاه غير معروف، ففي هذه الحالة تتم المصادقة على الشهادة المكتوبة من قبل اية جهة رسمية للتعريف بالخط الوارد في المحرر، ومفاد هذه المصادة ان خط الشاهد أو خط كاتب الشهادة معروف من قبل الجهة الرسمية.
وقد وردت عبارة: (وإذا لم يكن الخط معروفاً صدق عليه من جهة رسمية) وردت جملة جهة رسمية بصيغة مطلقة اي انه يجوز مصادقة اية جهة رسمية على الشهادة المكتوبة، لان هذه المصادقة بمثابة تعريف بخط كاتب الشهادة.

الوجه الخامس: كتابة الشهادة من قبل قلم التوثيق او القنصلية اليمنية في الخارج 

غالبية الاشخاص تكون خطوطهم غير معروفة للقاضي، ولذلك يفضل الافراد الموجودون داخل اليمن بإملاء شهاداتهم على المختص بقلم التوثيق وهو جهة رسمية، اما اليمنيون العاملون خارج اليمن فيقوموا بإملاء الشهادة امام المختص في القنصلية وهي الجهة الرسمية المختصة، وفي هذه الاحوال لا حاجة للمصادقة على هذ الشهادة من قبل جهة رسمية اخرى الا المصادقة من قبل وزارة الخارجية في اليمن على ختم القنصلية اليمنية في الخارج.

الوجه السادس: عدم لزوم توجيه اليمين الى الشاهد بشهادة مكتوبة: 

نصت المادة (٦٨) من قانون الاثبات اليمني على أن: (تحلف المحكمة الشاهد قبل أداء الشهادة بان يقول الحق، ويحلف غير المسلم على حسب الاوضاع الخاصة به اذا طلب ذلك).
ومقتضى هذا النص انه ينطبق على الشاهد الحاضر حينما يكون حاضرا في مجلس القضاء او في جلسة المحكمة فتأمره المحكمة بان يحلف اليمين على قول الحق، وذلك قبل الادلاء بشهادته امام المحكمة.
 ومؤدى ذلك انه اذا قام الشاهد بكتابة شهادته بنفسه وبخطه المعروف واشهد على ذلك شاهدين عدلين او قام بإملاء شهادته على شخص اخر خطه معروف واشهد على ذلك شاهدين عدلين، وكذا اذا قام بالمصادقة والتعريف بالخط الذي كتبت به الشهادة من قبل جهة رسمية.
ففي هذه الاحوال لا يلزم توجيه المحكمة اليمين الى صاحب الشهادة المكتوبة، لان الحكمة من قبول الشهادة المكتوبة قبول عذر الشاهد الذي كتب شهادته لتعذر حضوره الى المحكمة للإدلاء بشهادته امام المحكمة.

الوجه السابع: الشهادات المكتوبة الصادرة من الجهات وليس الاشخاص:

بموجب احكام القوانين الناظمة لاعمال بعض الجهات القانونية المختصة فان هذه الجهات تقوم بإصدار شهادات مختلفة مثل شهادات الميلاد والوفاة واثبات الشخصية، والشهادات الدراسية والجامعية في التخصصات المختلفة، وشهادات الترخيص والتسجيل....الخ.
وهذه يقرر القانون الذي صدرت بمقتضاه انها حجة في الغرض الذي صدرت لأجله، وتبعا لذلك فان هذه الشهادات المكتوبة لا تسري عليها احكام اليمين القضائية المكتوبة السابق بيانها.
كذلك تقوم الجهات المختصة المشار اليها تقوم بإصدار افادات بشان بعض المسائل او الوقائع او التصرفات التي تقع لديها بموجب صلاحيتها القانونية كواقعة تسجيل او شطب، وبناء على اذا كلف القضاء احدى هذه الجهات بالافادة عن تصرف او واقعة معينة فلا تسري احكام الشهادة المكتوبة السابق ذكرها على هذه الافادات التي تعد محررات رسمية.
وكذلك الحكم اذا كلف القضاء احدى الجهات الخاصة كالموسسات والشركات والمحلات بالإفادة عن واقعة او تصرف تم لديها كتوريد بضاعة او بيعها لشخص، فان هذه الافادة تكون محررا عرفيا تسري عليه احكام المحرر العرفي، وكذلك الحال بالنسبة للمستندات الصادرة من الجهات الخاصة بمناسبة تعاملها او معاملاتها مع. الغير، وقد كانت هذه المسالة محل النقاش في الحكم محل تعليقنا.

الوجه الثامن: تحليف المحكمة للشاهد الحاضر في القانون اليمني: 

سبق القول انه لا يلزم تحليف الشاهد في الشهادة المكتوبة على النحو السابق بيانه. 
اما الشاهد الحاضر الذي تكلفه المحكمة بالحضور لأداء شهادته امامها فانه يجب عليها تحلفيه اليمين على قول الحق في شهادته، وفقا للمادة (٦٨) من قانون الاثبات اليمني التي نصت على أن: (تحلف المحكمة الشاهد قبل أداء الشهادة بان يقول الحق، ويحلف غير المسلم على حسب الاوضاع الخاصة به اذا طلب ذلك)، فهذا النص يفيد الوجوب في القضايا الجزائية والمدنية على حد سواء، لان قانون الاثبات اليمني عام تسري احكامه على كافة القضايا.
وقد اخذت كثيرمن القوانين والاقضية العربية بهذا التوجه، فقد قضت محكمة التمييز الاتحادية الاماراتية بان: (المقرر – في قضاء هذه المحكمة. انه لا يقبل من أوجه النعي الا ما تعلق منها بدعامة الحكم المطعون فيه وأسبابه التي أقام عليها قضاءه – اما تلك الأسباب التي قد ترد به ولم تعتمد عليها في قضائه أو استطرد اليها تزيدا لتأييد وجهة نظره, ويستقيم قضاء الحكم بدونها فان النعي عليها أيا كان وجه الرأي فيه غير منتج، لما كان ذلك وكان الحكم المطعون فيه قد أقام قضاءه في هذا الخصوص – على ما أورده بأسبابه من ان (وحيث انه عن النعي الثاني انه شاب حكم التحكيم البطلان لعدم قيام المحتكمين بتحليف الشهود بالمخالفة لنص المادة 211 من قانون الإجراءات المدنية – لسريانه قبل صدور القانون 6 لسنة 2018 انه يجب على المحكمين تحليف الشهود اليمين قبل سماع شهادتهم أمامهم هو نص ورد بصفته الالتزام ضمانا لصحة الأقوال التي تصدر عنهم خاصة بعد ان رتب القانون على الكذب في الشهادة اعتبار الشاهد مرتكبا لجريمة شهادة الزور المنصوص عليها في المادة 252 من قانون العقوبات والتي جعلت المناط في العقاب على جريمة الشهادة الزور ان يكون الشاهد قد حلف اليمين أمام هيئة لها صلاحية الاستماع الى الشهود وبالتالي فلا يحق للمحتكمين التحلل من واجبهم في هذا الخصوص ولو لم يعترض الخصوم أمامهم على مخالفتهم لهذا الاجراء عند سماع أقوال الشهود ويترتب على هذه المخالفة بطلان إجراءات التحكيم الذي أجراه المحكم ولا يمنع من قبول البطلان تنازل الخصم عن حقه فيه قبل صدور حكم المحكمين – إلا أن الثابت من مطالعة حكم التحكيم انه لم يستند في أسبابه الى شهادة الشهود فمن ثم – فانه – أيا ما كان وجه الرأي في الإجراءات التي تتساند اليها المدعية في سماع الشهود المثبتة في حكم التحكيم – فان حكم التحكيم لم يقم قضائه على أي من اقوال الشهود , بل لم يتعرض في أسبابه الى تلك الشهادة أو ما ورد منها من أقوال … فمن ثم فإن ذلك النعي يكون غير مقبول).
وقد نصت معظم القوانين العربية على وجوب تحليف للشاهد اليمين قبل أداء شهادته، ويقصد بحلف الشاهد اليمين قول الشاهد: اقسم بالله العظيم ان اقول الحق في شهادتي.
ولأهمية الشهادة وخطورتها في المسائل الجنائية فقد اشترطت قوانين الاجراءات الجزائية العربية والاجنبية وجوب تحليف الشاهد اليمين الشرعية، فقد نصت المادة (٣٥٣) من قانون الاجراءات الجزائية اليمني على انه بعد ان يسال القاضي الشاهد عن اسمه وقرابته بالمتهم: (يحلفه اليمين الشرعية ثم يؤدي شهادته شفاهة)، وهذه الصيغة قريبة من صيغة تحليف الشاهد اليمين الواردة في قانون الاثبات السابق ذكرها، بيد ان قانون الاجراءات اليمني تناقض حينما ذكر قبل ذلك ان تحليف الشاهد ليس واجبا، وذلك في الم المادة (339) التي نصت على أنه: (لا يحلف الشهود والخبراء اليمين الشرعية أمام القاضي الا اذا رأى القاضي خلاف ذلك) فهذا النص يصرح بان تحليف الشاهد جوازي في حين ان تحليف الشاهد وجوبي في المادة (٣٥٣)، ولدفع هذا التعارض يتم العمل بالنص المتأخر، ونوصي المقنن اليمني بإزالة هذا التعارض.
كذلك نصت المادة (283) من قانون الإجراءات الجنائية المصري على وجوب تحليف الشاهد اليمين القانونية بقولها: (يجب على الشهود الذين بلغت سنهم أربع عشرة سنة أن يحلفوا يمين قبل أداء الشهادة على أنهم يشهدون بالحق ولا يقولون إلا الحق، ويجوز سماع الشهود الذين لم يبلغوا أربع عشرة سنة كاملة بدون حلف يمين على سبيل الاستدلال)، وكذلك سار قانون أصول المحاكمات الجزائية العراقي على نهج قانون الإجراءات الجنائية المصري وجاء بنص مشابه في المادة (60/ ب) ولكن اشترط في الشاهد الذي يحلف اليمين أن يكون قد أتم الخامسة عشر من عمره، أما اذا لم يتم ذلك فتكون شهادته على سبيل الاستدلال.
 وقد نهج القانون الأردني منهجًا مماثلا عندما اشترط في المادة (71) من قانون أصول المحاكمات الجزائية على الشاهد حلف اليمين قبل أداء الشهادة.
 ولعل السبب من إشتراط القوانين تحليف الشاهد اليمين هو تنبيه وإشعار الشاهد بعظم الشهادة وخطورتها والاثار والتبعات المترتبة عليها وإيقاظ ضمير الشاهد بأن يتخذ الله رقيبًا على صدق شهادته وأنه معرض لغضبه وإنتقامه إن كذب فيها، فتحليف الشاهد بمثابة تنبيه له بأن ما سيدلي به من أقوال قد تؤدي إلى إدانة بريء أو إفلات مجرم من الجزاء او ابطال حق، وعندئذ يتحرى الشاهد قول الحق في شهادته.

لان أساس الشهادة هو الثقة بذمة الشاهد وصدقه ودقته، لذلك كان تحليف الشاهد الضمانة الأولى التي يقررها الشرع والقانون للشهادة ه تحليف الشاهد اليمين التنبيه شعوره بالمسؤولية أمام الله وإيقاظ ضميره، وإن تحليفه لليمين القانونية إجراء من إجراءات والتحقيق النهائي يترتب على إغفاله بطلان الشهادة، لأنه إجراء متعلق بالنظام العام فيجب أن تقوم المحكمة به من تلقاء نفسها ولا يزول البطلان بسكوت الخصم أو قبوله.
ولم تكتف التشريعات الجنائية باشتراط اليمين لحمل الشاهد على قول الصدق، وإنما قررت اضافة الى ذلك جزاء على الشاهد الذي يشهد بغير الحقيقة، إذ تقرر قوانين العقوبات في الدول المختلفة عقوبة رادعة على شاهد الزور الذي يكذب في شهادته باعتبار ذلك من قبيل شهادة الزور.

الوجه التاسع: تحليف الشاهد في الفقه الاسلامي: 

 لضمان صدق الشهادة عند الريبة فقد اشترطت الشريعة الاسلامية الغراء أن يحلف الشاهد اليمين بعد الصلاة، فقد قال تعالى ((.... تحبسونهما من بعد الصلاة، فيقسمان بالله إن ارتبتم لا نشتري به ثمنا ولو كان ذي قربي ولا نكتم شهادة الله، إنا إذا لمن الآثمين))، ولم يكتف الشرع الحنيف بتحليف الشاهد اليمين كضمانة لصدق الشهادة، بل أضاف ضمانة أخرى، تمثلت بفرض عقوبة على من يشهد الزور بأن أخرج. الشارع تبارك وتعالى. من يأتي بهذه الشهادة من ذمة الإسلام، حيث جاء في الحديث النبوي الشريف (شاهد الزور كعابد الوثن).

الوجه العاشر: تحليف الشاهد في القضاء الدولي: 

 أوجبت القواعد الإجرائية لمحكمتي يوغسلافيا ورواندا على كل شاهد يقدم شهادته، ان يطلب منه قبل ذلك القسم التالي: (أقسم أني أقول الحقيقة، والحقيقة كلها ولا شيء غير الحقيقة)، وضمانا لحق المتهم في عدم إدلاء الشاهد بشهادة كاذبة فرضت عقابا على من يكذب بشهادته تمثلت بالغرامة المالية أوالسجن لمدة (7) سنوات. 
ونص النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية في المادة 1/69 قبل الإدلاء بالشهادة يتعهد الشاهد، وفقا للقواعد الإجرائية وقواعد الإثبات بالتزام الصدق في تقديم الأدلة للمحكمة)، وبينت القاعدة (66/ 1) أن التعهد يكون بالصيغة التالية (أعلن رسميا أنني سأقول الحق، كل الحق، ولا شيء غير الحق)، وأجازت الفقرة (2) من القاعدة نفسها أداء الشهادة من دون التعهد الرسمي للشخص الذي يقل عمره عن (18) سنة أو الشخص الذي يكون حكمه على الأمور معتلا وترى الدائرة أنه لا يفهم طبيعة التعهد الرسمي بأن يشهد دون أداء هذا التعهد، إذا رأت الدائرة أن ذلك الشخص قادرة على وصف المسائل التي يكون لديه علم بها، وأنه يفهم معنى واجب قول الحق.
وفرض النظام الأساسي للمحكمة في المادة (70 / 3) عقوبة على الشاهد الذي يأتي بشهادة كاذبة تمثلت بالغرامة المالية أو بالسجن لمدة لا تتجاوز خمس سنوات أو بكلتا العقوبتين. (تحليف الشاهد اليمين، د. يحى حمود الوائلي،، ٢٠٢٢ م، ص١١٧).

الوجه الحادي عشر: امتناع الشاهد عن حلف اليمين: 

إذا امتنع الشاهد عن أداء اليمين فلا يحق للمحكمة أن تجبره على حلف اليمين أو أداء الشهادة، وللمحكمة في مصر طبقا لنص المادة 284 من قانون الإجراءات الجنائية أن توقع عليه العقوبة المقررة وهى الغرامة التى لا تزيد على عشرة جنيهات فى مواد المخالفات ولا تزيد عن مائتى جنيه فى مواد الجنايات والجنح، فإذا عدل الشاهد عن امتناعه قبل إقفال باب المرافعة يعفى من بعض أو كل العقوبات المحكوم بها عليه.

الوجه الثاني عشر: وقت تحليف الشاهد اليمين:

نصت المادة (٦٨) من قانون الاثبات اليمني على أن: (تحلف المحكمة الشاهد قبل أداء الشهادة بان يقول الحق، ويحلف غير المسلم على حسب الاوضاع الخاصة به اذا طلب ذلك).
ويتعين طبقا لصريح النص السابق أن يكون تحليف الشاهد اليمين قبل أداء الشهادة، لأن الغرض من التحليف تذكير الشاهد بالله سبحانه وتعالى واتخاذه رقيبا عليه ليكون صادقا في شهادته.
أما ترك الشاهد يدلي بالشهادة ثم يتم تحليفه بعد ذلك او خلال الشهادة على أن ما قاله هو الحق، فإنه يُفقد الاستحلاف قيمته فى استنهاض الوازع الدينى لدى الشاهد ويترك له الحرية ليبدى أقواله وفق هواه أو حسب اتجاهه ومصلحته ثم لا يجد بداً بعد ذلك أو مفراً من تأييد ما أبداه بالقسم حرجا ورهبة، وإن كانت محكمة النقض المصرية قد ذهبت إلى حق محكمة الموضوع فى التعويل على الشهادة التى أدلى بها الشاهد قبل أداء اليمين اذا تداركت ما فاتها وقامت بتحليف الشاهد اليمين على أنه إنما شهد بالحق. (التعليق على أحكام المحكمة العليا في مسائل اليمين الجزء الثاني، أ.د. عبد المؤمن شجاع الدين، مكتبة الصادق جولة جامعة صنعاء 2025م، ص٩٨).

الوجه الثاني عشر: كفاية تحليف الشاهد مرة واحدة:

إذا أدى الشاهد الشهادة بعد تحليفه اليمين ورأت المحكمة إعادة سماع شهادته فليس فى القانون ما يوجب إعادة تحليفه اليمين مرة أخرى
باعتبار أن اليمين الذى أقسمه الشاهد فى المرة الأولى يصح أن يسري على كل ما يشهد به فى الدعوى ذاتها، ذلك أن القانون قد أوجب فقط أن يحلف الشاهد اليمين قبل تأدية شهادته.
وأنه متى حلف الشاهد اليمين فإن كل ما او يشهد به فى الدعوى يكون صادراً تحت سلطان هذا اليمين، وبمعنى أخر فإن اليمين الذى أقسمه الشاهد فى المرة الأولى يصح أن ينسحب إلى كل ما يشهد به فى الدعوى ذاتها.

الوجه الثالث عشر: تحليف الشاهد بحسب ديانته: 

نصت المادة (٦٨) من قانون الاثبات اليمني على أن: (تحلف المحكمة الشاهد قبل أداء الشهادة بان يقول الحق، ويحلف غير المسلم على حسب الاوضاع الخاصة به اذا طلب ذلك).
فقد صرح النص السابق ان غير المسلم يحلف بصيغة اليمين المقررة في ديانته اذا طلب الشاهد ذلك، ومؤدى ذلك انه يحق لغير المسلم ان يحلف بالله العظيم.
 وقد اجاز النص القانوني السابق لغير المسلم ان يحلف اليمين بحسب الصيغة المقررة في ديانته، لان لفظ اليمين فى ذاته يتضمن معنى الدين وأن الغرض من اليمين هو تذكير الشاهد بالله وتحذيره من غضبه وانتقامه إن هو شهد بغير الحق، ومن ثم فإن اليمين تستمد قوتها من عقيدة الشاهد الدينية. 
فإذا طلب الشاهد أن يكون آدائه اليمين وفقا للأوضاع المقررة فى ديانته فيتعين إجابته لذلك طبقا للنص القانوني السابق الذي اجاز تحليف الشاهد غير المسلم حسب الأوضاع الخاصة بديانته إذا طلب ذلك، وقد قضت محكمة النقض المصرية بأنه: (إذا كان الثابت بمحضر الجلسة أن المجنى عليهما شهدا بأنهما رأيا المتهمين بالسرقة منهما وعرفاهم، فطلب المتهمون الحلف على الإنجيل فعرضت المحكمة ذلك عليهما فحلفا بأنهما تأكدا من أنهم هم الذين ارتكبوا الحادث، ولم يعترض الدفاع على ذلك فلا يقبل تخطئة المحكمة فى هذا الإجراء الذى تم بناء على طلبهم، كذلك لا يقبل الاعتراض منهم على صيغة الحلف بمقولة أنها لم ترد على الرؤية والتحقق، بل هى منصرفة إلى مجرد التأكد الذى قد يكون عن طريق السماع أو نحوه وذلك مادام الثابت أن الحلف إنما طُلب لتأكيد ما قرره المجنى عليه من الرؤية فعلا). (التعليق على أحكام المحكمة العليا في مسائل اليمين الجزء الثاني، أ.د. عبد المؤمن شجاع الدين، مكتبة الصادق جولة جامعة صنعاء 2025م، ص312)، والله أعلم.
تعليقات