رد ثمن المبيع عند استحقاقه
وفقاً لأحكام الشرع ونصوص القانون المدني اليمني فإن البائع يضمن استحقاق المبيع للغير او يضمن الدرك الشرعي، ومعنى ذلك ان البائع يضمن رد اثمن المبيع الذي سبق للمشتري ان دفعه اليه، إضافة الى ذلك فان البائع ملزم برد كافة مصاريف البيع والشراء التي تكبدها فضلا المشتري اضافة الى فارق سعر العملة الورقية فيما بين تاريخ استلام البائع للثمن وتاريخ رده الثمن الى المشتري، فهذا هو جوهر ضمان الدرك الشرعي او ضمان الاستحقاق الملقى على عاتق البائع، الذي لا يجوز الاتفاق على خلافه، حسبما قضى لحكم الصادر عن الدائرة التجارية بالمحكمة العليا في جلستها المنعقدة بتاريخ ١١/١/٢٠١١م، في الطعن رقم (٤٢٦٣١)، فقد ورد ضمن أسباب الحكم المشار إليه: (اما ما اورده الطاعن بشان مصير المبلغ الذي دفعه، فانه يستطيع ان يطالب باسترداد ما دفعه، لان من تسلم الثمن يكون ضامنا له عملا بحكم المادة (٥٤٤) مدني وفقا لما يراه وفي حدود القانون)، وسيكون تعليقنا على هذا الحكم حسبما هو مبين في الاوجه الاتية:
الوجه الاول: ضمان البائع ضمان الدرك او الاستحقاق:
يسمى ضمان الاستحقاق في الفقه الاسلامي ضمان الدرك الشرعي او ضمان العهدة، ومن الفقهاء من يذهب الى ان ضمان الدرك نوع من ضمان العهدة، ومنهم من قال: أن ضمان الدرك هو ضمان العهدة أي انهما شيء واحد.
وقد اطلق القانون اليمني على هذا النوع من الضمان ضمان الدرك وضمان الرقبة، فقد نصت المادة (545) من القانون المدني اليمني على أنه: (إذا ضمن البائع ضمان الدرك واستحق المبيع للغير فعلى البائع ضمان الرقبة بقيمتها المدفوعة وضمان الغلة وضمان ما غرمه المشتري، ويدخل في ذلك فرق العملة في غير الربويات المنصوص عليها فيما يتعلق بالعملة).
وضمان الدرك الشرعي في الفقه الاسلامي هو: إلتزام البائع عند ابرام عقد البيع وتعهده بصحة المبيع وسلامته، وأنه مالك للمبيع لا ينازعه فيه أحد، وأن المبيع ليس شائعاً مع ملك الغير أو مختلطاً به، وأن المبيع قد توفرت فيه كافة الشروط الشرعية، وبناءً على ذلك فإن البائع يضمن إستحقاق المبيع للغير أي إذا انكشف أن العين المبيعة ملك لغير البائع فان البائع يضمن رد الثمن وملحقاته الى المشتري.
فضمان الدرك عند الفقهاء هو: كفالة صادرة من البائع لمصلحة المشتري، أي أن البائع يتكفل برد ثمن المبيع وملحقاته إلى المشتري إذا ظهر أن المبيع ليس ملكاً للبائع، فكأن البائع يقول للمشتري عند البيع: كفلت أو ضمنت ما يدركك في هذا المبيع، وقد سمى الفقهاء هذا الضمان بضمان الدرك لإلتزام البائع بالضمان إذا ادرك الغير العين المبيعة واستحقها من يد المشتري لظهور أنها ليست ملكاً للبائع.
وقد قرر الفقهاء ضمان الدرك الشرعي، لأن الحاجة قد تدعوا إلى أن يقوم البائع ببيع العين إلى غريب فيخاف الغريب أن يكون المبيع غير مملوكاً للبائع، ولأن هذا الضمان يحقق المقصود الشرعي من البيع وهو نقل ملكية المبيع الى المشتري وإنتفاعه بالعين المبيعة، إضافة إلى ان ضمان الدرك يقلل من النزاعات في عقود البيع فيتحقق الاستقرار والامان في البيوع. (فقه المعاملات المالية وتطبيقاتها المعاصرة، أ. د. عبد المؤمن شجاع الدين، مكتبة الصادق جولة جامعة صنعاء الجديدة 2021م، صـ109).
الوجه الثاني: الغرض من ضمان الدرك الشرعي هو رد ثمن المبيع وملحقاته:
نصت المادة (545) من القانون المدني اليمني على أنه: (إذا ضمن البائع ضمان الدرك واستحق المبيع للغير فعلى البائع ضمان الرقبة بقيمتها المدفوعة وضمان الغلة وضمان ما غرمه المشتري، ويدخل في ذلك فرق العملة في غير الربويات المنصوص عليها فيما يتعلق بالعملة).
ومن خلال إستقراء النص القانوني السابق يظهر أن الغرض من ضمان الدرك الشرعي هو أن البائع يضمن للمشتري إرجاع ثمن المبيع وملحقاته وغلات العين المبيعة من تاريخ البيع وتسليم الثمن حتى تاريخ إرجاع الثمن، بالإضافة إلى فارق سعر العملة التي دفعها المشتري ما بين تاريخ دفع الثمن حتى تاريخ إرجاع الثمن.
وثمن المبيع الذي يلتزم البائع برده الى المشتري عند استحقاق المبيع هو الثمن المتفق عليه والذي قام المشتري بدفعه عند ابرام العقد.
ويشمل ضمان رد الثمن فارق العملة الورقية، والمقصود بفارق سعر صرف العملة هو: الفارق بين صرف العملة الورقية يوم إستلام البائع للثمن بالعملة الورقية وبين سعر صرف العملة الورقية في يوم رد البائع للثمن قياساً بالنقدين الشائعين وهما الذهب والفضة يوم إرجاع البائع للمبلغ إلى المشتري حسبما ورد بالمذكرة الايضاحية للقانون المدني اليمني القديم التي نصت على ان فارق سعر العملة يتم احتسابه على أساس سعر النقدين الشائعين وهما الذهب والفضة خروجا من شبهة الربا، فإذا تغير سعرهما خلال الفترة ما بين استلام الثمن وارجاعه فيلزم عند إرجاع المبلغ دفع الفارق.
واضافة الى الثمن وفارق سعر صرف العملة الورقية على النحو السابق بيانه فان البائع يلتزم بدفع غلة او ايجار العين المبيعة التي ثبت استحقاقها للغير، وذلك خلال الفترة مابين ابرام عقد البيع حتى تاريخ رد الثمن.
وبموجب النص القانوني السابق فان البائع ملتزم ايضا برد كافة ملحقات الثمن مثل اجور كتابة وثيقة عقد البيع ورسوم التوثيق والضريبة واجور السمسرة (السعاية) التي دفعها المشتري عند شرائه، وكذا يلزم البائع ان يدفع المصاريف والرسوم الفضائية التي تكبدها المشتري في مواجهة دعوى الاستحقاق المرفوعة عليه من الغير
الوجه الثالث: عدم جواز اشتراط البائع عدم ضمان الدرك الشرعي:
الغرض والغاية من عقد البيع هو إنتقال العين المبيعة من البائع إلى المشتري صحيحة سليمة لا نزاع فيها، فذلك هو المقصود من عقد البيع، ومن المعلوم أن الفقه الإسلامي قد ذهب إلى عدم جواز الشرط الذي يتنافى مع مقصود العقد، وتبعاً لذلك لا يجوز للبائع أن يشترط عند البيع أنه لا يضمن الدرك الشرعي بحسب المفهوم السابق بيانه في الأوجه السابقة.
وقد أخذ القانون المدني اليمني بما ذهب إليه الفقه الإسلامي بعدم جواز إشتراط البائع عدم ضمان الدرك الشرعي، وفي هذا المعنى نصت المادة (544) مدنى على أنه: (لا يجوز للمتعاقدين أن يتفقا على عدم ضمان البائع لثمن المبيع عند إستحقاق الغير له، ويكون البيع غير صحيح ولو كان المشتري يعلم وقت البيع بسبب الإستحقاق).
كما نصت المادة (460) من القانون المدني اليمني على أنه: (لا يصح البيع بالشرط الباطل وهو ما ليس من مقتضيات العقد ويعارضه ولا جرى به العرف، فيلغوا العقد والشرط معاً في هذه الأحوال).
فالقانون يمنع البائع من الشرط المسبق على اعفائه من ضمان الدرك، لان هذا الشرط يتنافى مع مقتضيات عقد البيع، فضلا عن ان الاعفاء من ضمان الدرك وليجة لأكل اموال الناس بالباطل الذي تحرمه الشريعة، ولذلك فان هذه المسالة من النظام العام التي لا يجوز للأفراد الاتفاق على خلافها. (التعليق على احكام المحكمة العليا في مسائل البيع، ا.د. عبد المؤمن شجاع الدين، مكتبة الصادق جولة جامعة صنعاء الجديدة ٢٠٢٥م، ص٩٣).
الوجه الرابع: لاستعادة ثمن المبيع يلزم وجود حكم يقضي بإستحقاق المبيع للغير:
اذا لم تفلح المساعي الودية في استرداد الثمن وتوابعه، فان المشتري لا يستطيع الزام البائع برد الثمن إلا اذا كان هناك حكم قد سبق صدوره يقضى باستحقاق المبيع للغير، فبموجب هذا الحكم يستطيع المشتري استرداد الثمن.
وحكم الاستحقاق تسبق صدوره دعوى استحقاق يرفعها الغير مدعيا فيها بان العين المبيعة ملكه وليست ملك البائع، ويطلب الغير في دعواه الحكم بان العين حقه وليست حق البائع.
وتتأسس هذه الدعوى على المادة (538) مدني التي نصت على أن: (يضمن البائع استحقاق المبيع لغيره إذا انكشف أن المبيع ملك غير البائع بحكم شرعي عليه وعلى المشتري أن يدخل البائع في دعوى استحقاق المبيع التي ترفع عليه من الغير). ومقتضى هذا النص أن للمشتري لا يستطيع استرداد الثمن وملحقاته إلا بموجب حكم نهائي أو بات يقضي بإستحقاق المبيع للغير
وإذا قام الغير برفع دعوى ملكية على المشتري وادعى في هذه الدعوى ان المبيع ملكه وليس ملك البائع للمشتري المدعى عليه، فانه يجب في هذه الحالة على المشتري المدعى عليه أن يطلب إدخال البائع له في هذه الدعوى، حتى يتمكن البائع من إبداء اوجه دفاعه في مواجهة المدعي، فاذا لم يقم المشتري بإدخال البائع له سقط حق المشتري في الضمان إذا ثبت أن تدخل البائع أو إدخاله في الدعوى كان سيؤدي إلى بطلان استحقاق الغير المدعي ملكية المبيع، فإذا حكم القاضي باستحقاق الغير للمبيع فانه يحكم في الحكم ذاته بضمان الإستحقاق لصالح المشتري.
وفي كل الاحوال يجب ان تنتهي دعوى استحقاق المبيع بحكم بعدم ملكية البائع المبيع الذي سبق له بيعه للمشتري، فإذا صدر الحكم بثبوت ملكية البائع فلا مجال لتطبيق احكام ضمان الاستحقاق، لأن الحكم قد اكد ملكية البائع المبيع، وكذا إذا سقطت دعوى استحقاق المبيع فلامجال لتطبيق أحكام ضمان الاستحقاق. (ضمان الاستحقاق في البيوع، د. هشام طه محمود سليم، دار الكتب القانونية القاهرة ٢٠٢١م ص١٨٠).
والظاهر من النص القانوني السابق أن المشتري لا يستطيع استعادة ثمن المبيع من للبائع، الا اذا كان قد هناك حكم قد قضى باستحقاق المبيع للغير، وفي هذا الشان نصت المادة (542) مدني على أنه: (إذا ثبت الإستحقاق طبقاً لما هو مبين في المادة (538) مدني فللمشتري الرجوع على البائع بالثمن مالم يكن الإستحقاق بإقرار المشتري أو وكيله في الخصومة أو نكول المشتري). (التعليق على أحكام المحكمة العليا في مسائل البيع، أ.د. عبد المؤمن شجاع الدين، مكتبة الصادق جولة جامعة صنعاء الجديدة ٢٠٢٥م، ص١٣٧)، والله أعلم.