أخذ اليمين من الخصوم على قول الحق

أخذ اليمين من الخصوم على قول الحق

واظب قضاة اليمن وحافظوا على الموروث الشرعي القضائي في افتتاح جلسات المحاكمة بالوعظ والتذكير العام الموجه للحاضرين جلسات المحاكمة من الخصوم والشهود والخبراء ومعاوني القاضي كالكتبة ومرافقي القاضي وغيرهم، وكانت هذه المواعظ مقدمة او مفتتح لجلسة المحاكمة كان القاضي يحث فيها الحاضرين على تقوى الله خشية عذابه في الدنيا والاخرة، ويحث القاضي في هذه المقدمة الافتتاحية للجلسة يحث الحاضرين على قول الحق ولو على النفس، وعدم التجريح لبعضهم اثناء التقاضي، وكان القاضي يذكر بان الاقوال في مجلس القضاة معتبرة وان القاضي يستند اليها في حكمه فيقضي بموجبها، وان الكذب في مجلس القضاء من عظائم الذنوب، وكان القاضي في موعظته الافتتاحية يردد حديث النبي صلى الله عليه واله وسلم: (إنَّما أنا بَشَرٌ، وإنَّكُم تَختَصِمونَ إليَّ، ولَعَلَّ بَعضَكُم أن يَكونَ ألحَنَ بحُجَّتِه مِن بَعضٍ، فأقضيَ على نَحوِ ما أسمَعُ، فمَن قَضَيتُ له مِن حَقِّ أخيه شيئًا فلا يَأخُذْه؛ فإنَّما أقطَعُ له قِطعةً م مِنَ النَّارِ)، وكان القاضي يوجه حديثه لجميع الحاضرين في جلسة المحاكمة ولم يكن يقصد شخصا بعينه، واستمر هذا التقليد الحسن حتى بداية ١٩٨٠م وبعدها تراجع هذا التقليد تدريجيا حتى تلاشى تماما، مع ان هذا التقليد هو الذي جعل القاضي يحمل لقب (العلامة) اي العالم بامور الدين والدنيا، بيد انه لا يصح عند بعض الفقهاء للقاضي او المحكم ان يأخذ يمين الخصوم على قول الحق في بداية المحاكمة اوقبل جلسة المحاكمة، حسبما قضى الحكم الصادر عن الدائرة التجارية بالمحكمة العليا في جلستها المنعقدة بتاريخ ٨-١-٢٠١٤م، في الطعن رقم (٥٣٦٩٦)، فقد ورد ضمن أسباب الحكم المشار إليه: (فنعي الطاعن على الحكم الاستئنافي في غير محله، لان الشعبة قد عللت حكمها بان المحكم قد اخذ في بداية اجراءات التحكيم اخذ اليمين من المحتكمين على قول الحق عند تقديم الدعاوي والردود، مخالفا بذلك اتفاق التحكيم الذي حدد مهمة المحكم في الرجوع الى الدفاتر والحسابات)، وسيكون تعليقنا على هذا الحكم حسبما هو مبين في الاوجه الاتية:

الوجه الاول: الواجب على الخصوم قول الحق من غير يمين: 

للأسف الشديد تسود بين الخصوم في اليمن ثقافة التذاكي اي اتخاذ المغالطة وعدم قول الحق كمظهر من مظاهر الذكاء والشطارة والرجولة سيما عند وقوع النزاعات، فيتعمد غالبية الخصوم اخفاء الحقائق وعدم الصدق في ترافعهم امام القاضي او المحكم.

ولذلك يقوم بعض المحكمين سيما شيوخ القبائل باخذ اليمين من الخصوم المحتكمين على قول الحق عند تداعبهم امام الشيخ المحكم مثلما حصل في القضية التي تناولها الحكم محل تعليقنا. 
علما بان ثقافة التذاكي وتعمد الكذب اثناء الترافع والتداعي وعدم تقديم الادلة في وقتها من اهم اسباب اطالة اجراءات التقاضي.

الوجه الثاني: اسباب منع توجيه القاضي او المحكم اليمين للخصم على قول الحق قبل التداعي: 

اذا كان من الجائز للقاضي او المحكم ان يوجه اليمين المتممة للخصم اثناء التداعي او يمين الاستظهار او اليمين الحاسمة بناء طلب الخصم الاخر، بيد انه عند بعض الفقهاء لا يجوز للقاضي او المحكم ان يوجه اليمين الى الخصوم او احدهم قبل إجراءات المحاكمة او التحكيم، وذلك لعدة أسباب من اهمها ماياتي: 
اولا: في بعض الاحوال لا يكون الحق ظاهر للخصوم والا لما اختلفوا ورفعوا النزاع الى القاضي او المحكم حتى يحكم بالحق الذي لم يظهر لهم، ومن الشروط الشرعية لليمين ان تكون على واقعة محددة ومعلومة للحالف، وهذا الامر لا يكون ميسورا قبل مباشرة اجراءات المحاكمة، اضافة الى ان الخصم لا يعلم مسبقا ماهي الوقائع او الاقوال التي سيذكرها في المستقبل اثناء سير إجراءات التحكيم او المحاكمة.
ثانيا: اخذ اليمين على قول الحق مقرر في قانون الاثبات بالنسبة للشاهد والخبير، فاخذ اليمين من الخصوم لم ياذن به القانون.
ثالثا: اخذ اليمين من الخصوم بداية ليس له موجب شرعي او قانوني.
رابعا: اخذ اليمين من الخصوم على قول الحق قبل بدء إجراءات المحاكمة او التحكيم تشكيك من القاضي او المحكم في صدق اقوال الخصوم، وهذا التشكيك المسبق يخل بحياد القاضي او المحكم.
خامسا: يمنع القانون تحليف المتهم في القضايا الجنائية.

الوجه الثالث: جواز اتفاق الخصوم المحتكمين على اخذ اليمين على قول الحق في كل ما يقدموه امام المحكم: 

قضى الحكم محل تعليقنا ببطلان حكم المحكم الذي اخذ اليمين من الخصوم مقدما قبل بداية الدخول في اجراءات التحكيم، لان المحكم بأخذه اليمين قد تجاوز ولايته المحددة في اتفاق التحكيم الذي حدد ولاية المحكم في مراجعة حسابات ودفاتر الطرفين لمعرفة وتحديد المحق والمبطل منهما.
ومعنى ذلك انه لو كان الخصوم المحتكمين قد اتفقوا في اتفاق التحكيم على ان يحلفوا اليمين على قول الحق في كل ما يرفعوه او يقولوه او يقدموه امام المحكم لما قضي الحكم بالبطلان.
سيما ان الشريعة الاسلامية لا تحرم اخذ اليمين من الخصوم على قول الحق اثناء التداعي، فالمحظور في الشريعة حلف اليمين بقصد الامتناع عن قول الحق او فعل الحق حسبما هو ظاهر في قوله تعالى: (ولاتجعلوا الله عرضة لأيمانكم ان تبروا وتتقوا وتصلحوا بين الناس والله سميع عليم) -الاية ٢٢٤-البقرة.
ومفهوم المخالفة يدل على جواز اخذ اليمين من الخصم على قول الحق، وهذا هو الدليل القوي الذي يتمسك به شيوخ القبائل في اليمن، ومنهجهم شرعي باذن الله، مع مراعاة ان القانون يمنع تحليف المتهم في القضايا الجنائية. (التعليق على أحكام المحكمة العليا في مسائل الطعن اليمين الجزء الثاني، أ.د. عبد المؤمن شجاع الدين، مكتبة الصادق جولة جامعة صنعاء الجديدة ٢٠٢٦م، ص٨٢)، والله اعلم.
كتاب قانوني مفتوح على طاولة قاضٍ به مطرقة خشبية وميزان عدالة، يحمل عنوان 'أخذ اليمين من الخصوم على قول الحق' للأستاذ الدكتور عبدالمؤمن شجاع الدين
صورة تعبيرية لمقال أخذ اليمين من الخصوم لقول الحق
تعليقات