الطبيعة القانونية لمفاوضات ما قبل العقد
أ.د/ عبد المؤمن شجاع الدين
الأستاذ بكلية الشريعة والقانون – جامعة صنعاء.
كل العقود تقريباً تسبقها مفاوضات واتفاقات قد تتكلل بإبرام العقد وقد لا تؤدي هذه المفاوضات إلى إبرام العقد، فالمفاوضات هي مرحلة تمهيدية سابقة على ابرام العقد، فهي عبارة عن تبادل وجهات نظر اطراف العقد وعرض الشروط التي يريد كل واحد منهم تضمينها في العقد ومناقشتها حتى الوصول الى الشروط العادلة المرضية للمتعاقدين، وبعد الاتفاق على ذلك يتم التعاقد عن طريق الايجاب والقبول المعتبرين شرعا لابرام العقد، فلا يتم ابرام العقد الا بعد ان يعلم المتعاقدون مضمون العقد وبنوده وشروطه واجراءاته، فيكون العقد وشروطه معلوما علما نافيا للجهالة.
ومن هذا المنطلق يفرق الفقهاء بين الاتفاق وبين العقد وبين فترة المفاوضات وفترة مجلس العقد ولحظة انعقاد العقد، فالمفاوضات تكون سابقة للاتفاق وبعد الاتفاق تاتي فترة مجلس العقد وهي الفترة الفاصلة بين الايجاب والقبول، وبعد ذلك ينعقد العقد بوصول علم القبول الى سمع الموجب.
فالاتفاق يكون سابقا على مجلس العقد، إذ يتفق المتعاقدون بعد المفاوضات وقبل ابرام العقد على شروط واجراءات التعاقد الذي يتم لاحقا، اما ابرام العقد، فالعقد يتم ابرامه عن طريق تبادل الايجاب والقبول بين اطراف العقد ووصول علم القبول الى الموجب، فالاتفاق ثمرة ثمرة المفاوضات، والعقد ثمرة الاتفاق، فمثلا عقد البيع تسبقه مساومات ومفاوضات بين البائع والمشتري على ثمن المبيع ومقداره وطريقة دفعه وكذا اجراءات استلام المبيع والضمانات اللازمة وغيرها من الشروط التي يتم الاتفاق على تضمنيها لاحقا في عقد البيع الذي يتم عن طريق الايجاب والقبول، فما يقع قبل الايجاب والقبول يكون من قبيل المفاوضات، كذلك الحال قبل ابرام عقد الزواج إذ تسبق ذلك مفاوضات بين الزوج وولي المرأة بشان شروط الزواج كاستقلال الزوجة في المسكن وعدم السفر بالمرأة ...وغير ذلك من الشروط التي يتم الاتفاق بشانها مسبقا قبل ابرام عقد الزواج عن طريق الايجاب والقبول، ومهما كانت نتائج المفاوضات السابقة على ابرام العقد فأنها لا تكون ملزمة قضاء اي في ميزان القضاء بخلاف العقد الذي يكون ملزما لأطرافه، حسبما قضى الحكم الصادر عن الدائرة التجارية بالمحكمة العليا في جلستها المنعقدة بتاريخ ١٩/٢/٢٠١١م في الطعن رقم (٤٤٦٤٧)، فقد ورد ضمن أسباب الحكم المشار إليه: (فنعي الطاعن عبارة مجادلة في مسالة موضوعية سبق إثارتها امام محكمتي الموضوع وتمت مناقشتها والفصل فيها من قبل محكمتي الموضوع، ولما كان الثابت عدم وجود عقد بيع مبرم بين الطرفين كاشفا عن ارادتهما وتلاقيهما على البيع واتفاقهما على طريقة تحديد الثمن، لذلك فان ما انتهى اليه الحكم المطعون فيه المؤيد للحكم الابتدائي من ان الطرفين كانا في حالة تفاوض وهي مرحلة سابقة على ابرام عقد البيع، فذلك استخلاص سليم لما له من اصل ثابت في اوراق القضية، وهو موافق للقانون)، وسيكون تعليقنا على هذا الحكم حسبما هو مبين في الاوجه الاتية:
الوجه الاول: مفهوم المفاوضات السابقة للعقد:
المفاوضة في اللغة: تبادل الرأي بين ذوي الشأن، وفاوضه في أمره أي جاراه، وتفاوض القوم في الأمر، أي فاوض بعضهم بعضا فيه بغية الوصول إلى تسوية واتفاق، وفاوضه في الأمر بادله الرأي فيه بغية الوصول إلى تسوية واتفاق.
ويقال فاوضه في الحديث بادله القول فيه، وتفاوضا: فاوض كل منهم صاحبه.
فالمفاوضات عبارة عن تبادل وجهات نظر اطراف العقد وعرض شروطهم التي يريدوا تضمينها في العقد المزمع ابرامه، إذ يقوم كل طرف بمناقشة شروط الطرف الاخر محاولا إقناع الطرف الاخر بالشروط التي يريد تضمينها فاذا تم الاتفاق بشانها قام الطرفان بإبرام العقد عن طريق تبادل الايجاب والقبول.
ويعرف الفقه القانوني المفاوضات بأنها: ” المرحلة التي يتم فيها اتصال مباشر أو غير مباشر بين طرفين أو أكثر بمقتضى اتفاق يتم بينهم يتم خلاله تبادل العروض والمقترحات وبذل الجهود المشتركة بهدف التوصل إلى اتفاق بشأن عقد معين تمهيدا لإبرامه في المستقبل". (التفاوض على العقد دراسة مقارنة، رسالة دكتوراه، كلية الحقوق جامعة القاهرة، د. رجب كريم، ص٦٤(
وهناك من يعرف المفاوضات بأنها "عبارة عن تبادل في وجهات النظر بشان موضوع العقد وشروطه، ومناقشتها وتعبير اطراف المفاوضة عن مواقفهم من العروض المقابلة التي يتخذها المتفاوضون، وهناك من يعرفها بأنها "تبادل الاقتراحات والمساومات والمكاتبات والتقارير والدراسات الفنية بل والاستشارات القانونية التي يتبادلها أطراف التفاوض ليكون كل منهما على بينة من أفضل الأشكال القانونية التي تحقق مصلحة الأطراف، للتعرف عما سيتم تضمينه في العقد من حقوق والتزامات لطرفيه. فليس ثمة إيجاب نهائي في مرحلة المفاوضات يصلح لأن يقترن به قبول يتم به العقد، وإنما هناك مجرد عروض وعروض مضادة.
وقد يتسع مفهوم المفاوضة ليشمل المقترحات الأولية التي يبديها أحد الطرفين كإعلان الرغبة في التعاقد، التي لا تصل إلى حد الإيجاب الكامل، والمقترحات المضادة التي قد يتقدم بها الطرف الآخر، والمناقشات التي تتم بينهما شفهية أو كتابية مباشرة أو غير مباشرة.
وتُعرف فترة المفاوضات في الفقه الإسلامي بفترة المساومة أو المساومات، كما إن مفهوم المفاوضات في الفقه الإسلامي بمذاهبه المختلفة لا يختلف عن مفهومها في الفقه القانوني، فكلاهما يقصدان بالمفاوضات بذل المحاولات للوصول إلى تفاهم متبادل بين الطرفين ليقف كل منهما على مدى استعداد كل طرف لقبول شروط الطرف الآخر، وحتى يتسنى الوصول إلى تسوية واتفاق يتم صبه في قالب أيجاب يتم توجيهه إلى الطرف الآخر.
فالمفاوضات تهدف الى التوصل إلى اتفاق بشأن شروط العقد الذي سيتم ابرامه لاحقا، فيسعى الطرفان من خلال المفاوضات للحصول على شروط مناسبة وعادلة لهما، وتقليل المخاطر المحتملة للعقد سواء أكانت قانونية أو تشغيلية أو مالية. ومثال ذلك أن يطلب البائع من المشتري تأجيل الدفع، أو تقسيط الثمن، فالمفاوضات لا يوجد بها خيار صحيح وخيار خاطئ بقدر ما هو البحث عن الخيار العادل والمناسب من وجهة نظر كل طرف. (مهارات الصياغة القانونية، أ.د. عبد المؤمن شجاع الدين، مكتبة الصادق جولة جامعة صنعاء الجديدة ٢٠١٥م ص ٤٢).
الوجه الثاني: طريقة وإجراءات المفاوضات السابقة للعقد:
في العقود الكبيرة والمركبة تبدأ فترة المفاوضات باعلان او دعوة تسمى بالدعوة إلى التعاقد، وهي دعوة أحد الأشخاص للآخر للدخول معه في مفاوضة بشأن عقد معين. وهذا ما يحصل عادة في العقود المهمة أو التي تمثل قيمة اقتصادية كبيرة، وقد توجه هذه الدعوة إلى الجمهور في بعض الأحيان. كما أن هذه الدعوة قد يوجهها أحد المتعاقدين أو من ينوب عنه إلى المتعاقد الآخر أو من ينوب عنه سواء كان المتعاقد الآخر شخصاً واحداً أم عدداً من الجمهور بشأن صفقة معينة دون أن تنطوي على تحديد كامل لعناصر التعاقد، فلا تشكل هذه الدعوة ايجابا بالمفهوم الشرعي للإيجاب، وإنما تكون الغاية منها التحاور وتبادل الآراء والتفاوض قبل الأقدام على التعاقد.
لان المفاوضات السابقة على العقد تفتح السبيل أمام التفكير بحدود التعاقد من الناحيتين القانونية والاقتصادية قبل تحمل ما ينشأ عن التعاقد من أثار شرعية وقانونية.
ولا يتقيد المتفاوضون بطريقة معينة للتفاوض فقد تكون المفاوضة بالألفاظ كما هو الحال عن طريق التفاوض المباشر، فقد تكون المفاوضات عن طريق مكاتبات أو إرسال خطابات أو مستندات بين الأطراف، كما أن للمفاوض أن يستعمل أية صيغة سواء صيغة الماضي أم المضارع أم الأمر أم الاستفهام. (فقه المعاملات المالية وتطبيقاتها المعاصرة،، أ.د. عبد المؤمن شجاع الدين، مكتبة الصادق جولة جامعة صنعاء الجديدة ٢٠٢١م ص٩٦).
الوجه الثالث: التنظيم القانوني لمفاوضات ما قبل العقد:
لم يتعرض القانون اليمني لتنظيم مفاوضات ما قبل العقد، ف على الرغم من الدور الذي تؤديه المفاوضات في مجال العقود فإنه من النادر وجود قوانين تنظم هذه المرحلة، ومن هذه القوانين النادرة القانون الإيطالي والقانون اليوناني، فلم ينص القانون المدني اليمني ولا القوانين المقارنة على الأحكام التي تترتب على فترة المفاوضات.
ولم تنظم القوانين المدنية العربية مفاوضات لانها غير لازمة، لأنه من الممكن الاستغناء عن فترة المفاوضات وأن تكون المرحلة السابقة على التعاقد مقتصرة على فترة مجلس العقد، فـ "تقديم المساومة على البيع ليس بشرط لصحته بل لو لقي رجلاً في طريقه فقال بعتك هذا بألف فقال قبلت، أو اشتريت صح البيع بلا خلاف، لأن اللفظ صريح في حكمه فلا يتوقف على قرينة ولا سابقة. (فقه المعاملات المالية وتطبيقاتها المعاصرة،، أ.د. عبد المؤمن شجاع الدين، مكتبة الصادق جولة جامعة صنعاء الجديدة ٢٠٢١م ص٩٦).
الوجه الرابع: اهمية المفاوضات السابقة للعقد:
تظهر أهمية هذه المفاوضات لان المفاوض من خلال المفاوضة يعرف شروط المتعاقد الاخر، وما اذا مصر ومتمسك بشروطه والى اي حد يصل تمسكه بتلك الشروط، كما تظهر أهمية المفاوضات بشكل خاص في الكثير من العقود التي لا تتم إلا بعد مفاوضات طويلة قد تسفر في النهاية عن أيجاب وقبول، يساهم الطرفان في إعدادهما وشروطهما، ومن ثم فأن الإيجاب في هذه الحالة هو تعبير عن الإرادة المشتركة للطرفين التي توصلا اليها اثناء المفاوضات، وهو ما يسمى بالإيجاب المشترك، أي أن الإيجاب في هذه العقود لا يصدر إلا نتيجة ما توصل اليه الطرفان اثناء المفاوضات، ومن دونها ما كان للمتعاقدين ان يتوصلوا إلى صياغة الإيجاب المشترك الذي سبق لهم الاتفاق على صيغته.
ويلجأ الأطراف إلى صياغة الإيجاب المشترك عادة في المعاملات المالية ذات القيمة المالية الكبيرة التي تستوجب التفاوض.وبطبيعة الحال فإن عملية المفاوضات التمهيدية التي تسبق العقود تكتسب أهمية بالغة نظرا لأنها المرحلة التي يعلن فيها اطراف التعاقد عن وجهة نظرهم وشروطهم وهي المرحلة التي يلتزم فيها أطراف التعاقد بتوضيح وبيان محل التعاقد وشروطه توضيحا نافيا لأي جهالة تدل على عدم وجود عيوب خفية، فضلا عن الالتزام بعدم إفشاء سرية المفاوضات والالتزام بعدم وجود مفاوضات مماثلة أو موازية إعمالا لمبدأ حسن النية في التعاقد.
إضافة الى الأهمية التي تحتلها مرحلة المفاوضات التعاقدية لانها تتضمن العرض المبدئي من أي من طرفي التعاقد والتي قد ترتقي إلى حد الإيجاب المعتبر شرعا المتعارف عليه قانونا، بالإضافة إلى ان المقترحات المبدئية بين طرفي التعاقد اثناء المفاوضات قد تتضمن شروطا للتعاقد يتم إفراغها في الصيغة النهائية للعقد.
وكذا تظهر اهمية المفاوضات في انها تحمي الرضاء من عيوب الإرادة، فالمفاوضات وسيلة الى تبصير وتنوير المتعاقدين بكافة أركان العقد وشروطه فيكون الرضا بالعقد متولد عن ارادة مستنيرة وقناعة تامة، فعن طريق المفاوضات السابقة يكون طرفا التعاقد على علم بكافة أركان العقد وموضوعه، فبعد ذلك يصدر الإيجاب الذي تنتهي به المفاوضات التمهيدية عن علم وارادة مستنيرة، فالتعاقد الناتج عن غفلة من أحد طرفي التعاقد بشروط العقد او ركنه يجعل العقد باطلا.
وأخيراً فإن المفاوضات السابقة للعقد تكون جزءاً لا يتجزأ من العقد إذا ما ألحقت بالعقد أو تم الإشارة إلى الاستعانة بها في تكملة العقد، ففي هذه الحالة تكون المفاوضات ملزمة للمحكمة للأخذ بها، فالمحكمة في هذه الحالة ملزمة بأن تأخذ بما جاء في المفاوضات التمهيدية السابقة للعقد وفقاً للقانون، إذا تستمد هذه المفاوضات قوتها الملزمة من اتفاق الأطراف أنفسهم والذي يتمثل عادة بإلحاقها بالعقد نفسه أو بالإشارة إليها في نص العقد. (مجلس العقد، د. محمد صديق عبد الله، ص ٢٩).
الوجه الخامس: الفرق بين مفاوضات ما قبل العقد وغيرها:
يتلخص الفرق الجوهري بين مفاوضات ما قبل العقد ومفاوضات بعد العقد في ان مفاوضات ما قبل العقد تهدف الى الوصول الى الشروط العادلة والمرضية للمتعاقدين كي يتم التعاقد لاحقا على اساسها، بينما تهدف مفاوضات مابعد العقد الى تنفيذ العقد الذي سبق ابرامه او تعديله او فسخه.
كذلك هناك فرق يميز مفاوضات ما قبل العقد عن فترة مجلس العقد الفاصلة بين الايجاب والقبول وكذا هناك فرق بين المفاوضات السابقة وبين تمام العقد وابرام عن طريق وصول علم القبول الى مسامع الموجب.
وقد نصت المادة (138) من القانون المدني اليمني على ان: (العقد ايجاب من احد المتعاقدين يتعلق به قبول من الاخر او ما يدل عليهما على وجه يترتب اثره في المعقود عليه (المحل) ويترتب على العقد التزام كل من المتعاقدين بما وجب به للاخر ولا يشترط التقيد بصيغة معينة بل المعتبر ما يدل على التراضي)، فالعقد وفقا لهذا النص يتم بالايجاب ثم بالقبول الموافق له، وذلك يدل على ان هناك فترة فاصلة قصيرة او طويلة مابين الايجاب والقبول، وهي ما يسمى بمجلس العقد، فمجلس العقد ياتي لاحقا للمفاوضات، وفي السياق ذاته نصت المادة(150) من القانون المدني اليمني على ان: (ينتج التعبير عن الارادة اثره في الوقت الذي يتصل فيه بعلم من وجه اليه ويعتبر وصول التعبير قرينة على العلم به ما لم يقم الدليل على العكس)، وهذا النص يدل ايضا على ان هناك فترة سابقة قبل وصول العلم بالارادة وهي فترة مجلس العقد، وهذه الفترة او المرحلة مختلفة تتميزعن مرحلة المفاوضات التي تسبقها.
وكذلك جاءت المواد (82) من القانون المدني العراقي و (94) من القانون المدني المصري و (96) من القانون المدني الأردني لتوضح الوضع القانوني للمتعاقدين بعد صدور الإيجاب وقبل اقترانه بالقبول، وهذا دليل صريح على اعتراف المقنن العراقي والمصري والأردني بخصوصية هذه الفترة.
والرأي الغالب في الفقه المدني أن مجلس العقد هو الفترة الزمنية التي تفصل ما بين صدور الإيجاب واقترانه بالقبول، وبذلك تتبين خصوصية هذه المرحلة التي تميزها عن مرحلة المفاوضات التي تسبقها.
والأطراف في فترة المفاوضات لا يتقيدون من حيث المكان والزمان أو السلوك والانشغال بنفس القيود التي يتقيد بها المتعاقدان في فترة مجلس العقد، فالمفاوض في مجال المكان ليس ملزماً بمكان معين فله أن يساوم الطرف الآخر ماشياً أو راكباً أو قاعداً وهو في مجال السلوك ليس مقيداً بالأحجام عن أعمال معينة يعد القيام بها أعراضاً عن التفاوض.
واذا كان من الممكن تصور إبرام عقود عدة من دون الحاجة إلى فترة المفاوضات، بحسب ظروف التعاقد وأهميته ومدى الحاجة إلى فترة المفاوضات، إلا أنه لا يجوز بأي حال من الأحوال أن تخلو مرحلة ما قبل التعاقد من فترة مجلس العقد، ولا يمكن الانتقال من مرحلة ما قبل التعاقد إلى مرحلة ما بعد التعاقد إلا بالمرور بهذه الفترة، فالعقد لا يمكن أن يبرم دون صدور إيجاب من الموجب يتبعه قبول وبينهما فترة تطول او تقصر.
فالإيجاب يعتبر العنصر الأساسي لتمييز فترة المفاوضات من فترة مجلس العقد سواء في الفقه الإسلامي أو في القانون والفقه المدني، ذلك أن الإيجاب يتضمن العناصر الجوهرية المزمع إبرام العقد على اساسها، ومن ثم فأن صدوره يعني أن الثقة المتولدة عن المفاوضات تكون في أعلى درجاتها. فيمثل مجلس العقد انتقال الفكر من مرحلة المفاوضة والمذاكرة إلى مرحلة العزم والتصميم.
ولكن القول بأن أساس التفرقة ما بين فترة المفاوضات وفترة مجلس العقد هو صدور الإيجاب قد لا يحل المشكلة في بعض الأحيان، فقد يصعب التمييز بين التعبير الذي يدخل في فترة المفاوضات والتعبير الذي يعد إيجاباً فيدخل في فترة مجلس العقد. فالتمييز بينهما ليس بالأمر اليسير دائماً(37). وبالرغم من أن التمييز بين ما يعد إيجاباً وما يعد مفاوضة له أهمية واضحة في التعاقد. ذلك لأن قبول الإيجاب خطوة مباشرة يتم بها العقد، سيما إذا كان هذا الإيجاب ملزماً، أما المفاوضات فهي خطوة إلى هذا الإيجاب.
" فأن الفقه والقضاء لم يتوصلا إلى وضع معيار حاسم لهذا التمييز، لأن هذا التمييز يستند إلى وجود النية القاطعة في إحداث الأثر القانوني أو عدمه، فأن وجدت هذه النية فأنها تعد إيجاباً وإلا فأنها تعد في مجال التفاوض.
أن الكشف عن هذه النية في القانون اليمني والعراقي والمصري والأردني هي مسألة واقع يمكن أن تستخلص من سلوك الأطراف، وهذا هو المبدأ المتبع طبقاً للقانون الفرنسي والقانون الإنكليزي.
أما القانون المدني الكويتي فقد وضع في المادة (39) معياراً سليماً للتفرقة في هذا المجال، وقوام هذا المعيار أمران جوهريان، الأول: العزم النهائي من العاقد على إبرام العقد فلا يكفي مجرد الرغبة فيه إذا لم تصل إلى حد البت، والثاني: أن يحصل العرض المتضمن العزم النهائي على إبرام العقد على صورة بحيث إن مجرد صدور قبول من الطرف الآخر يكون من شأنه أن يؤدي إلى قيام العقد على أساسه، وهذا الأمر وذاك يتطلبان في العرض لكي يرتقي إلى مرتبة الإيجاب أن يتضمن في الأقل طبيعة العقد المراد إبرامه وشروطه الأساسية. فكل ما سبق العزم النهائي على إبرام العقد، ويهدف إلى مجرد التحضير أو التمهيد له لا يعد من قبيل الإيجاب بل هو من قبيل المفاوضات بشأنه أو من قبيل الدعوة إليه.
وبذلك يتحدد الإيجاب بصورة واضحة، وقد وردت في القانون المدني اليمني نصوص مشابهة للنص الكويتي الوارد في القانون الكويتي الذي يوضح الإيجاب والوقت الذي يصدر فيه بصورة متكاملة وإنما اكتفى القانون المدني اليمني وغيره بتعريف الايجاب وكيفية اتصال القبول به فقد نصت المادة (138) من القانون اليمني على ان: (العقد ايجاب من احد المتعاقدين يتعلق به قبول من الاخر او ما يدل عليهما على وجه يترتب اثره في المعقود عليه (المحل) ويترتب على العقد التزام كل من المتعاقدين بما وجب به للاخر ولا يشترط التقيد بصيغة معينة بل المعتبر ما يدل على التراضي) وفي هذا السياق نصت المادة(149)ويمني على ان: (ما يصدر عن احد العاقدين للتعبير عن ارادته اولا ايجاب منه وما يصدر من العاقد الاخر للتعبير عن ارادته قبول منه وتلاقي الارادتين هو الرضاء بين طرفي العقد فيما يتعاقدان عليه والصيغة بشروطها قرينة على حصول الرضاء)، وكذا نصت المادة(150) يمني على ان: (ينتج التعبير عن الارادة اثره في الوقت الذي يتصل فيه بعلم من وجه اليه ويعتبر وصول التعبير قرينة على العلم به ما لم يقم الدليل على العكس).
اما في القوانين المدنية المقارنة الاخرى فلم يرد فيها نص مماثل للنص الكويتي، فمثلا اكتفى القانون المدني العراقي على تعريف الايجاب وذلك في المادة (77) فقرة (1) بقوله: "1- الإيجاب والقبول كل لفظين مستعملين عرفاً لإنشاء العقد، وأي لفظ صدر أولاً فهو إيجاب والثاني قبول". كما لم تعالجه المجلة وإنما اكتفت بتعريفه في المادة (101) منها بقولها: "الإيجاب أول كلام يصدر من أحد العاقدين لإنشاء التصرف، وبه يوجب ويثبت التصرف". فكل من هذين النصين لا يحققان الغاية التي حققها المشرع الكويتي، وهي تحديد ما يعتبر إيجاباً وتمييزه مما قد يصاحبه من مفاوضات. من هنا يتبين لنا أن المشرع العراقي قد عد الكشف عن هذه النية أمراً يتصل بالواقع ويختلف باختلاف الظروف والملابسات ويستقل بتقديره قاضي الموضوع في ضوء ما يتبين له من ظروف الدعوى ووقائعها، ويجب على القاضي أن يبحث في كل حالة ليتخذ القرار المناسب في مدى وصول التعبير إلى مستوى الإيجاب أم وقوفه في حدود الدعوة إلى التفاوض. ففي الوقت الذي يعد إرسال رسالة عن طريق التلكس مثلاً بأسعار البضاعة دعوة إلى التفاوض في ظروف معينة فأنه يعد إيجاباً في ظروف أخرى. إذاً فالتعبير بوصفه إيجاباً أم مجرد عرض في فترة المفاوضات في القانون العراقي والقوانين المقارنة هي مسألة موضوعية يحسمها قاضي الموضوع في ضوء عناصر القضية المعروضة أمامه ولا معقب على حكمه، على العكس من موقف المشرع الكويتي بحسب المادة (39) منه إذ تعد المسألة من مسائل القانون وليس الواقع. (مجلس العقد، د.محمد صديق عبد الله، ص٣٢).
الوجه السادس: الحجية القانونية للمفاوضات السابقة على العقد:
تتجه أغلب الآراء الفقهية تتجه إلى عدم إسباغ الحجية القانونية على المفاوضات السابقة على انعقاد العقد، فالمفاوضات التمهيدية السابقة على إبرام العقد لا قيمة قانونية لها، ولا يمكن أن تصبح مصدرا لالتزام بين أي من طرفي التعاقد، إلا أن هناك حالات يمكن أن تنشئ التزاما على أحد طرفي التفاوض ويمكن أيضا أن تكون حجة قانونية كما لو كنا بصدد اتفاق على تفاوض في أي من العقود المركبة أو العقود الكبيرة كالمناقصات الكبرى التي تتطلب بحث ودراسات ميدانية وانتقالات بتكاليف باهظة، وكذا عقود التجارة والتوريد الدولية والعقود الخاصة بالنقل التكنولوجي، ففي هذه الحالات يتم معالجة هذه التكاليف عن طريق تحرير عقد مبدأي بتحديد الشروط الخاصة بمرحلة المفاوضات والالتزامات الناشئة عنها بل يمكن أن يتضمن هذا التعاقد إيجاب صريح من أي من طرفي التعاقد بحاجة إلى قبول حتى ينتقل العقد من مرحلة التفاوض إلي مرحلة الإبرام.
بالإضافة إلى أنه يمكن اللجوء إلى البنود المتفق عليها والمناقشات والمراسلات التي تمت أثناء مرحلة التفاوض على العقد لتفسير أي من بنود العقد حال كون تلك المفاوضات تعتبر قرينة على إرادة طرفي التعاقد قبل إبرام العقد، فإن كان هناك ألفاظ تحتمل أن يتم تفسيرها وفقا لأكثر من معنى فيمكن اللجوء إلي المفاوضات التمهيدية لتحديد مساعي وأهداف كلا طرفي التعاقد قبل إبرام العقد، وفي هذا الصدد قضت محكمة النقض المصرية بأن: ” لمحكمة الموضوع السلطة في تعريف حقيقة العقد المتنازع عليه واستظهار مدلوله مما تضمنته عباراته على ضوء الظروف التي أحاطت بتحريره وما يكون قد سبقه أو عاصره من اتفاقات عن موضوع التعاقد ذاته".
الوجه السابع: الالتزامات التي قد تنشأ أثناء مرحلة المفاوضات على العقد:
مع ان الاصل ان المفاوضات قبل العقد غير ملزمة حسبما سبق بيانه إلا انه قد تنشاء عنها في العقود الكبيرة والعقود المركبة والمعقدة التزامات خاصة بها، ومن ذلك الالتزامات الاتية:
اولا: الالتزام بالحضور في جلسات المفاوضات:
وهنا ينصب الالتزام على طرفي التفاوض فإذا ما اقترح أي من طرفي التفاوض أن يتم التفاوض بشان تعاقد ما ووافق الطرف الأخر فيجب أن يلتزم كلا الطرفين بالحضور أثناء جلسات التفاوض، وفي تلك الجلسات يتم تقديم العروض والمقترحات أو حتى دراسات الجدوى للعقود محل التفاوض، وقد ينصب هذا الالتزام على احد طرفي التفاوض فقط، وتظهر أهمية الالتزام بالحضور في جلسات التفاوض في أن أي من طرفي التفاوض قد يعلق تعاقده مع الغير لحين الانتهاء من التفاوض مما قد يكبده خسائر مادية دون جدوى، هذا فضلا عن الخسائر المادية التي قد تنتج عن تأخر التعاقدات.
ثانيا: الالتزام باستمرارية أعمال المفاوضات:
ذكرنا فيما سبق أن عدم الحضور في جلسات التفاوض قد يتسبب في خسائر مادية لأي من طرفي التفاوض، وهو ما يتأكد في حالة عدم استمرار أي من طرفي التفاوض في أعمال التفاوض دون سبب معلوم وهو ما قد يكون ذريعة في تحريك أحكام المسؤولية العقدية تجاه الطرف الأخر.
وهذا الالتزام يترتب عليه التزام أخر مضمونه الالتزام بعدم قطع المفاوضات بشكل تعسفي لتكبيد الطرف الأخر خسائر أو أن يكون الهدف من المفاوضات في الأصل هو الدعاية أو استطلاع الأسواق، وفي حالة وصول المفاوضات إلى مراحلها النهائية يلتزم أطراف التفاوض بعدم إيقاف المفاوضات أو قطعها بشكل تعسفي.
وهذا الالتزام باستمرارية أعمال التفاوض يجد مناطه في عدم الأضرار بأي من طرفي التفاوض، ومن الممكن أن يتم تفريغ كافة بنود التفاوض في عقد تفاوض كما أسلفنا يتم التفاهم بشأنه على غرم مالي قد يتحمله الطرف الذي يخل بالاستمرار في أعمال التفاوض دون سبب معلوم.
ثالثا: الالتزام بمبدأ حسن النية في التفاوض:
مبدأ حسن النية في القانون من المبادئ التي لم يستقر الفقه القانوني على تعريف معين لها، إلا أنه يمكن القول بكونه مبدأ مناطه عدم الأضرار بالطرف الثاني والتعامل معه وفقا للنية الصالحة والمشروعة المقترنة بعدم وجود ثمة أمور يتم إخفاؤها إضرارا به، وهذا الالتزام تتولد عنه عدة التزامات، منها ما يلي:
أ- الالتزام بعدم إفشاء سرية المفاوضات:
وهذا الالتزام يقصد به أن تكون المفاوضات مشمولة بقدر كبير من السرية حفظا على الأمور محل التعاقد، فقد يكون في اطلاع الغير على أن هناك مفاوضات بشأن أمر ما سببا لإحجام الكافة عن هذا التعاقد إذا ما انتهت المفاوضات بشكل سلبي، هذا فضلا عن أن هناك من من الأحوال إفشاء سريتها، ومن أهمها المفاوضات الخاصة بالعقود الصناعية والعقود التكنولوجية والعقود التجارية والتي قد يتسبب إفشائها في ضرر كبير على طرفي التفاوض.
ب – الالتزام بعدم الإخفاء:
وهذا الالتزام مناطة عدم المساس بالرضاء المستنير الذي ينتج عنه الإيجاب المنشئ للتعاقد، فيجب أن يكون الإيجاب وليد علم كامل ومستنير بموضوع التعاقد، فإذا ما أخفى أي من طرفي التعاقد معلومات هامة أو جدية عن الأمر المتعاقد عليه فقد يتسبب ذلك في فسخ التعاقد لاحقا، والالتزام بعدم إخفاء أسرار التعاقد هو التزام عقدي ببذل عناية وليس التزاما بتحقيق نتيجة معينة، والمقصود بكونه التزام ببذل عناية هو أن الطرف الواقع عليه الالتزام ملتزم بعدم إخفاء أي من الأمور التي يعلمها متى استطاع أن يوضحها للطرف الثاني ولكنه لا يلتزم بأن يجعل الطرف الأخر على دراية بكافة التفاصيل الدقيقة التي قد لا يكون عليما بها وهو ما ينقل على الطرف الثاني التزاما ببحث موضوع التعاقد ومعاينته معاينة جدية قبل إبرام العقد.
ج- الالتزام بعدم التفاوض مع الغير في الوقت ذاته:
وهذا الالتزام يقصد به أن يلتزم كلا الطرفين باطلاع بعضهم البعض بوجود مفاوضات مع الغير من عدمه حتى لا يتسبب هذا التفاوض مع الغير في الإضرار بهم، وهذا التفاوض مع الغير قد لا يكون ذو أثر في العقود البسيطة، إلا أنه أمر له بالغ الأثر على العقود التجارية والعقود التي يتم إبرامها مع الأشخاص العامة والعقود المركبة والمعقدة.)المفاوضات العقدية، الاستاذ حسين سمير، منشور في موقع حماة الحق الالكتروني).
الوجه الثامن: نهاية مرحلة المفاوضات السابقة على العقد:
مرحلة المفاوضات على العقد لا يمكن أن تنتهي إلا بنهايتين إما إبرام العقد أو أن يتم التوصل إلى عدم الاتفاق، والتساؤل هنا في حالة الاتفاق على إبرام العقد متي تنتهي مرحلة المفاوضات السابقة على العقد لنصبح بصدد عقد حقيقي منشئ لالتزامات عقدية؟
والإجابة على هذا التساؤل تكمن في صدور الإيجاب الذي يعد أحد ركائز التعاقد، فكما أسلفنا أنه يمكن أن تتضمن مرحلة المفاوضات على العقد إيجابا ولكن بهذا الإيجاب تنقضي تلك المرحلة ونبدأ في مرحلة جديدة وهي مرحلة إبرام العقد، حيث أنه إذا ما صدر الإيجاب من أحد طرفي التعاقد فهذا يعني تسليمه بكافة بنود التعاقد وموافقته على موضوع التعاقد بالحالة التي هو عليها وقت صدور الإيجاب وهو ما يدحض إمكانية العودة للتفاوض مرة أخرى مادام أن الإيجاب قد صدر صحيحا وليد إرادة حرة أي أنه بمجرد صدور القبول من الطرف الأخر ينعقد العقد وتنقضي معه مرحلة إبرام التعاقد). الوسيط في شرح القانون المدني، الجزء الثاني العلامة الاستاذ الدكتور المرحوم عبد الرزاق السنهوري، ص118).
الوجه التاسع: اللحظة التي ينعقد فيها العقد بعد المفاوضات:
وبيان ذلك كما ياتي:
أولاً:- وقت انعقاد العقد في الفقه الإسلامي:
اهتم الفقه الإسلامي بمذاهبه المختلفة بمجلس العقد لأ نه ثمرة المفاوضات والمساومات وبه يتحدد مصير العقد الذي يتم ابرامه في هذا المجلس اذا صدر القبول ووصل الى علم، الموجب قبل ان ينفض مجلس العقد.
ولذلك فقد حدد الفقه الاسلامي بداية فترة مجلس العقد وخصه بالتنظيم، ولم يرتب على المفاوضات التي تعقد في الفترة التي تسبق المجلس أي أثار شرعية. لذا يمكن القول بأن الفقه الإسلامي قد عد صدور الإيجاب، هو الحد الفاصل ما بين فترة المفاوضات وما بين فترة مجلس العقد، اللتين تكونان المرحلة السابقة على إبرام العقد لأنه عادةً ما تسبق فترة المفاوضات فترة مجلس العقد، لأن ما يصدر فيها لا يكون إيجاباً ولا قبولاً، ويمكن الاستدلال على ذلك بما ذكره بعض الفقهاء الذين قالوا انه "إذا أوجب أحد المتعاقدين البيع فالآخر بالخيار، إن شاء قبل في المجلس وإن شاء رده". كما أورد جانب أخر من الفقه أنه "إذا أوجب أحد المتعاقدين البيع فالآخر بالخيار إن شاء قبل في المجلس وإن شاء رده". كما ذهب أحد الفقهاء.
وكذا قول بعض الفقهاء بأنه "لو قال أبيعك سلعتي بعشرة إن شئت، فلم يقل أخذتها حتى أنفض المجلس لم يكن له شيء اتفاقاً". يتبين لنا من هذه النصوص أن الفقه الإسلامي قد أعتبر بأن الآثار التي تترتب على مجلس العقد تترتب بعد صدور الإيجاب، إما قبل ذلك فأن المتفاوض لا يتقيد بالطرائق التي يجب اتخاذها في مجلس العقد من قيود سلوكية أو مكانية قد تقيد المتعاقد في فترة مجلس العقد ولا تقيد المتفاوض في فترة المفاوضات التي تسبقه.
فالفقه الإسلامي يؤكد على تميز فترة المفاوضات من فترة مجلس العقد بصدور الإيجاب، ولا تأثير لفترة المفاوضات في فترة مجلس العقد، ومع ذلك فأن فترة المفاوضات لا تخلو أحياناً بوصفها وقائع مادية من فائدة في تفسير بعض الأوضاع الغامضة المرافقة لصيغة العقد في مجلس العقد، فالمفاوضات هي التي تحدد الموجب له في مجلس العقد، إذا ما أتت صيغة الإيجاب في هذا المجلس خالية من الخطاب. كما لو قال الموجب " بعت هذه السيارة بألف " ولم يقل" منك " أو " من فلان ". فمسألة تحديد الموجب له في الإيجاب هو أمر جوهري فيه، ينعدم الإيجاب بتخلفه، فـ "لو قال لآخر بعدما جرى بينهما مقدمات البيع نظير هذا بألف، ولم يقل منك، فقال الآخر اشتريت صح ولزم.(فقه المعاملات المالية وتطبيقاتها المعاصرة، ا.د. عبد المؤمن شجاع الدين، مكتبة الصادق جولة جامعة صنعاء الجديدة ٢٠٢١م، ص١٠٣).
ثانياً: وقت انعقاد العقد في الفقه القانوني:
لم تتضمن القوانين المدنية المقارنة تنظيماً قانونياً لفترة المفاوضات، بل أشارت إلى فترة مجلس العقد باسثناء القانون المدني المستمد من الفقه الاسلامي، مما أدى إلى اختلاف آراء فقهاء القانون المدني في تحديد اللحظة التي تفصل بين الفترتين، فقد أحتدم خلاف فقهي في ذلك وظهرت اربعة آراء في هذا الشان بيانها كما ياتي:
الرأي الأول: ذهب إلى القول أن فترة المفاوضات تمتد إلى لحظة إبرام العقد، فصدور الإيجاب وأن كان تعبيراً باتاً بالتعاقد إلا أنه لا يعني نهاية لفترة المفاوضات، ذلك أن المفاوضات تنصب على تحديد شروط التعاقد وطبيعة العقد المزمع إبرامه وصولاً إلى إبرامه. ومن ثم فإن الإيجاب يكون عنصراً في المفاوضات، ولا يعني صدوره انتهاء لفترة المفاوضات، بمعنى أن هذا الرأي لا يعطي خصوصية معينة للفترة التي تفصل ما بين صدور الإيجاب واقترانه بالقبول أو تفرق المتعاقدين قبل الانعقاد. وهذا ما يتناقض مع فكرة مجلس العقد، التي لا يمكن تجاهلها مما يترتب عليها من أحكام مختلفة من خيار للرجوع أو خيار للقبول، أو غيرها من الأحكام. (الجوانب القانونية للمرحلة السابقة على التعاقد، د. محمد عبد الظاهر حسين، بحث منشور في مجلة الحقوق، العدد الثاني، السنة الثانية والعشرون، 1998م، ص727).
الرأي الثاني: ذهب جانب من الفقه إلى أن فترة المفاوضات تنتهي بالإيجاب الذي يتصل به القبول. فالإيجاب التام على حد رأي هؤلاء إذا لم يتصل به قبول، أي تم الإعراض عنه فأنه يؤلف مجلس عقد ناقص، ولئن أطلق عليه الفقهاء تسمية " مجلس العقد " فأن هذا الإطلاق يكون من باب المجاز لا الحقيقة اعتباراً بما سيكون عليه هذا العقد لو توافرت له شرائط تمامه، أي لو لم يسقط بالإعراض. ولكن لنا أن نتساءل في هذا المجال. ما الفائدة من إطلاق مصطلح مجلس العقد على الفترة التي تسبق الانعقاد بعد انعقاد العقد؟ هل الغاية منها هو تسمية مجردة؟ فإذا كان الحال كذلك فإن مجلس العقد سيفقد قيمته بوصفه يحدد الفترة التي يبقى فيها الإيجاب صالحاً لاقترانه بالقبول.
الرأي الثالث: يذهب جانب من الفقه إلى أن المفاوضات تنتهي بصدور الإيجاب، إذ يؤشر صدور الإيجاب الدخول في مرحلة أخرى هي مرحلة تكون العقد. وحجتهم في هذا الرأي، أنه لو تمت المقارنة بين العقد الذي تسبقه مفاوضات وبين العقد الذي لا تسبقه مفاوضات، نرى أن الأخير يبدأ بصدور الإيجاب من أحد الطرفين، ولا يفعل الموجه إليه الإيجاب شيئاً أخر غير الانضمام إلى هذا الإيجاب، وعند ذاك تنشأ الرابطة العقدية، ومن هنا يقولون أن المركز العقدي يتبلور بصدور الإيجاب. وأنتقد بعض الشراح هذا الرأي بالقول ما المقصود من القول بأنه بصدور الإيجاب يبدأ المركز العقدي؟ هل يعني الدخول في نطاق العقد؟ فإذا كان هذا، فأن رجوع الموجب عن أيجابه، إن أمكن عده خطأ، سيؤدي إلى تطبيق أحكام المسؤولية العقدية وهذا لا يمكن التسليم به، لأن الأخيرة لا تنهض إلا إذا كنا بصدد إخلال بالتزام ناشئ عن العقد الصحيح.
الرأي الرابع: يذهب جانب من الفقه إلى أن فترة المفاوضات تنتهي بصدور الإيجاب البات، إذ يعد صدور الإيجاب بداية لمرحلة أخرى هي مرحلة مجلس العقد. فتكون فترة مجلس العقد فترة تالية لفترة المفاوضات ومكملة للفترة التي تدعى الفترة السابقة على إبرام العقد التي تنتهي إما بإبرام العقد أو بانفضاض المجلس دون انعقاد للعقد، ولا يعني الدخول في مرحلة تكون العقد. فالمفاوضات على وفق هذا الرأي ما هي إلا مرحلة تبادل وجهات النظر بما يؤدي إلى صدور الإيجاب، وهذا الراي هو المختار. (التعليق على احكام المحكمة العليا في مسائل البيع، أ.د. عبد المؤمن شجاع الدين، مكتبة الصادق جولة جامعة صنعاء الجديدة ٢٠٢٥م، ص١٣٥)، والله أعلم.