مخالفة الإجراءات المبطلة لحكم التحكيم
نصت المادة (53) من قانون التحكيم اليمني على أنه: (مع مراعاة أحكام هذا القانون لا يجوز طلب إبطال حكم التحكيم إلا في الاحوال التالية: -أ- إذا لم يوجد اتفاق تحكيم أو انتهت مدته أو كان باطلا وفقا للقانون. -ب- إذا كان أحد أطراف التحكيم فاقد الأهلية. -ج- إذا كانت الإجراءات غير صحيحة. -د- إذا تجاوزت لجنة التحكيم صلاحياتها. -هـ- إذا تم تشكيل لجنة التحكيم بصورة مخالفة لاتفاق التحكيم. -و- إذا لم يكن حكم التحكيم مسببا. -ز- إذا خالف حكم التحكيم أحكام الشريعة الإسلامية والنظام العام، وفيما عدا هذه الاحوال والأحوال المبينة في هذا القانون فان أحكام التحكيم التي تصدر وفقا لهذا القانون لا يجوز الطعن فيها بأي طريق من طرق الطعن المنصوص عليها في قانون المرافعات المدنية والتجارية).
ومن مطالعة النص القانوني السابق يظهر ان من ضمن حالات بطلان حكم التحكيم الواردة في النص الفقرة (ج): (ج- إذا كانت الإجراءات غير صحيحة)، ومعنى ذلك: ان المحكم اذا خالف اجراءات التحكيم المحددة في الفصل الخامس من قانون التحكيم فقد تحققت في حكمه حالة من حالات البطلان، وكذا اذا خالف المحكم الإجراءات المقررة في قانون المرافعات التي تعتبر من النظام العام فقد تحققت حالة من حالات البطلان.
ومعنى ذلك ان مفهوم عدم صحة الاجراءات كحالة من حالات بطلان حكم التحكيم واسع جدا وغير منضبط يفتح الباب واسعا لدعاوى بطلان احكام التحكيم، ويفقد التحكيم اهميته مما يطيل من اجراءات التقاضي ويعوق تحقيق العدالة الناجزة، لان قانون التحكيم قد الزم المحكم باتباع كافة إجراءات التحكيم المنصوص عليها في قانون التحكيم اضافة الى الإجراءات المقررة في قانون المرافعات، فان خالف المحكم اي اجراء منها فقد تحققت الفقرة (ج) من المادة (٥٣) بشان عدم صحة الإجراءات، حسبما قضى الحكم الصادر عن الدائرة التجارية بالمحكمة العليا في جلستها المنعقدة بتاريخ ١٩-٨-٢٠١٤ م، في الطعن رقم (٥٣٦٩٨)، فقد ورد ضمن أسباب الحكم المشار إليه: (والدائرة لا توافق الطاعن في هذا النعي، لان من حالات بطلان حكم التحكيم اذا كانت الاجراءات غير صحيحة حسبما هو مقرر في المادة (٥٢/ج) اثبات، وهذه الحالة تمتد لتشمل ما يتطلبه قانون التحكيم في الفصل الخامس الخاص بإجراءات التحكيم ومن ذلك المادة (٣٥) تحكيم التي نصت على انه (على الطرف المدعي أن يرسل بيانا مكتوبا إلى كل عضو من أعضاء لجنة التحكيم وذلك خلال المدة الزمنية المتفق عليها او التي تعينها لجنة التحكيم ويجب أن يشمل البيان المكتوب المعلومات التالية:ـ
اسم وعنوان الطرف المدعي، اسم وعنوان الطرف المدعى عليه، شرح كامل لوقائع الدعوى، مع تحديد القضايا محل النزاع وكذا طلباته وكلما اتفق الطرفان على ضرورة ذكره في بيان الدعوى ويحق للطرف المدعى أن يعدل دفاعه او طلباته او يضيف اليها خلال مدة سير إجراءات التحكيم مالم تكن القضية قد حجزت للحكم)،
وكذا المادة (٣٦) تحكيم التي نصت على انه (على الطرف المدعى عليه أن يقدم بيان دفاعه مكتوبا إلى كل عضو من أعضاء لجنة التحكيم وان يشمل رده كل ما ورد في بيان الادعاء وأي بيانات وطلبات ودفوع أخرى يرى أنها ضرورية وله أن يعدل طلباته او دفوعه او أن يضيف اليها خلال سير إجراءات التحكيم مالم تكن القضية قد حجزت للحكم)، بالإضافة الى الاجراءات المحددة في المادة (٣٨) التي نصت على ان (تعقد لجنة التحكيم جلسات للاستماع للمرافعات الشفوية وذلك لتمكين كل من الطرفين من شرح موضوع الدعوى وتقديم الحجج والأدلة وتكون الجلسات سرية ولا يجوز حضور أحد ممن ليس له علاقة بالمنازعة)، وكذا ورد بالنسبة لحكم التحكيم في المادة(٤٨) تحكيم التي نصت على ان (تصدر لجنة التحكيم حكمها كتابة ويوقعه المحكمون جميعهم ماعدا في حالة صدور الحكم بالأغلبية فانه يجوز للمحكم الذي لم يوافق على الحكم عدم التوقيع مع ذكر الاسباب ويجب أن يصدر الحكم مسببا وإلا اعتبر ناقصا إلا إذا اتفق الطرفان على خلاف ذلك ويجب أن يشتمل حكم لجنة التحكيم على البيانات الآتية:ـ
(أسماء أطراف التحكيم وعناوينهم وجنسياتهم وملخص الطلبات ودفوعات الخصوم وأقوالهم ومستنداتهم ومنطوق الحكم وأسبابه وتاريخ ومكان إصداره ويكون حكم التحكيم نهائيا وباتا في حالة اتفاق أطراف التحكيم عليه وكذا في حالة انتهاء التحكيم بالصلح وفي الحالات التي ينص عليها هذا القانون وعلى لجنة التحكيم أن تقوم بإرسال صور من الحكم موقعة من المحكمين إلى أطراف التحكيم)، ولذلك فان اغفال الحكم لهذه الإجراءات يبطله)، وسيكون تعليقنا على هذا الحكم حسبما هو مبين في الاوجه الاتية:
الوجه الاول: المقصود بعد صحة الاجراءات كحالة من حالات بطلان حكم التحكيم
نصت المادة(53) من قانون التحكيم اليمني على انه: (مع مراعاة أحكام هذا القانون لا يجوز طلب إبطال حكم التحكيم إلا في الاحوال التالية:ـ
أـ إذا لم يوجد اتفاق تحكيم أو انتهت مدته أو كان باطلا وفقا للقانون.
ب ـ إذا كان أحد أطراف التحكيم فاقد الأهلية.
ج ـ إذا كانت الإجراءات غير صحيحة.
د ـ إذا تجاوزت لجنة التحكيم صلاحياتها.
هـ ـ إذا تم تشكيل لجنة التحكيم بصورة مخالفة لاتفاق التحكيم.
وـ إذا لم يكن حكم التحكيم مسببا.
زـ إذا خالف حكم التحكيم أحكام الشريعة الإسلامية والنظام العام وفيما عدا هذه الاحوال والأحوال المبينة في هذا القانون فان أحكام التحكيم التي تصدر وفقا لهذا القانون لايجوز الطعن فيها بأي طريق من طرق الطعن المنصوص عليها في قانون المرافعات المدنية والتجارية).
وعند مطالعة النص القانوني السابق يظهر ان من ضمن حالات بطلان حكم التحكيم ما ورد في الفقرة (ج): (ج ـ إذا كانت الإجراءات غير صحيحة)، ومعنى ذلك انه اذا خالف المحكم او هيئة الحكم اجراءات التحكيم المقررة في الفصل الخامس من قانون التحكيم فقد تحققت في حكمه حالة من حالات البطلان، وكذا اذا خالف المحكم الإجراءات المقررة في قانون المرافعات التي تعتبر من النظام العام فقد تحققت حالة من حالات البطلان وفقا للمادة (٣٢) تحكيم التي نصت على انه: (يحق لطرفي التحكيم أن يتفقا على الإجراءات التي يتعين على لجنة التحكيم إتباعها فإذا لم يوجد أي اتفاق فانه يجوز للجنة أن تتبع ما تراه ملائما من الإجراءات مع ضرورة مراعاة أحكام هذا القانون وعدم الاخلال بأحكام قانون المرافعات التي تعتبر من النظام العام).
ومعنى ذلك ان مفهوم عدم صحة الاجراءات كحالة من حالات بطلان حكم التحكيم واسع جدا وغير منضبط، يفتح الباب واسعا لدعاوى بطلان احكام التحكيم، ويفقد التحكيم اهميته مما يطيل من اجراءات التقاضي ويعوق تحقيق العدالة الناجزة،
الوجه الثاني: إجراءات التحكيم التي يترتب على مخالفتها بطلان حكم التحكيم:
نظم قانون التحكيم اليمني اجراءات التحكيم في الفصل الخامس، وذلك في المواد من المادة (٣٢) حتى المادة (٤٤)، وقد اشار الحكم محل تعليقنا الى ان مخالفة المحكم لتلك الإجراءات يجعل إجراءات التحكيم غير صحيحة وعندئذ تتحقق حالة من حالات بطلان حكم التحكيم، مما يبرر لمحكمة الاستئناف قبول دعوى بطلان حكم التحكيم كون الاجراءات غير صحيحة، وقد ذكر الحكم محل تعليقنا ان مخالفة اي اجراء من إجراءات التحكيم المقررة في تلك النصوص تجعل الاجراءات غير صحيحة.
وحتى يكون الامر واضحا فانه من اللازم بيان اجراءات التحكيم كما وردت في قانون التحكيم، وبيان هذه النصوص المتضمنة إجراءات التحكيم الواردة في القانون كما ياتي:
مادة (32) يحق لطرفي التحكيم أن يتفقا على الإجراءات التي يتعين على لجنة التحكيم إتباعها فإذا لم يوجد أي اتفاق فانه يجوز للجنة أن تتبع ما تراه ملائما من الإجراءات مع ضرورة مراعاة أحكام هذا القانون وعدم الاخلال بأحكام قانون المرافعات التي تعتبر من النظام العام.
مادة (33) يتعين على لجنة التحكيم معاملة طرفي التحكيم على قدم المساواة وأن تهيئ لكل منهما فرصا متكافئة لعرض قضيته والدفاع عنها.
مادة (34) تبدأ إجراءات التحكيم من اليوم الذي يتسلم فيه احد الطرفين طلبا من الطرف الآخر بعرض النزاع على التحكيم وفقا لاحكام هذا القانون أو لشروط اتفاق التحكيم.
مادة (35) على الطرف المدعي أن يرسل بيانا مكتوبا إلى كل عضو من أعضاء لجنة التحكيم وذلك خلال المدة الزمنية المتفق عليها او التي تعينها لجنة التحكيم ويجب أن يشمل البيان المكتوب المعلومات التالية:
اسم وعنوان الطرف المدعي، اسم وعنوان الطرف المدعى عليه، شرح كامل لوقائع الدعوى، مع تحديد القضايا محل النزاع وكذا طلباته وكلما اتفق الطرفان على ضرورة ذكره في بيان الدعوى ويحق للطرف المدعى أن يعدل دفاعه او طلباته او يضيف اليها خلال مدة سير إجراءات التحكيم مالم تكن القضية قد حجزت للحكم.
مادة (36) على الطرف المدعى عليه أن يقدم بيان دفاعه مكتوبا إلى كل عضو من أعضاء لجنة التحكيم وان يشمل رده كل ما ورد في بيان الادعاء وأي بيانات وطلبات ودفوع أخرى يرى أنها ضرورية وله أن يعدل طلباته او دفوعه او أن يضيف اليها خلال سير إجراءات التحكيم مالم تكن القضية قد حجزت للحكم.
مادة (37) يتم تقديم المستندات والوثائق من الطرفين إلى لجنة التحكيم وكذا تقارير الخبراء وتقوم اللجنة بعرض ما يلزم عرضه على أي من طرفي النزاع.
مادة (38) تعقد لجنة التحكيم جلسات للاستماع للمرافعات الشفوية وذلك لتمكين كل من الطرفين من شرح موضوع الدعوى وتقديم الحجج والأدلة وتكون الجلسات سرية ولا يجوز حضور أحد ممن ليس له علاقة بالمنازعة.
مادة (39) على لجنة التحكيم اخطار الطرفين بمواعيد جلسات المرافعات الشفوية والاجتماعات قبل عقدها بوقت كاف.
مادة (40) إذا تطلب الأمر الاستعانة بخبراء أو كانت هناك ضرورة لسماع الشهود ففي هذه الحالة لا يكون هناك أي داع لطلب اليمين مالم يخالف ذلك قانون الإثبات الشرعي.
مادة (41) إذا تخلف الطرف المدعي عن تقديم بيان دعواه تنهي لجنة التحكيم كافة إجراءات التحكيم ولها الحق في مطالبته بدفع كافة النفقات المترتبة على بدء الإجراءات وإنهائها وإذا تخلف الطرف المدعي عليه عن تقديم بيان دفاعه تواصل لجنة التحكيم الإجراءات ولا يعتبر تخلف الطرف المدعى عليه قبولا بما ورد في بيان الادعاء وإذا تخلف أحد الطرفين عن حضور جلسة أو اجتماع أو تخلف عن تقديم الأدلة المطلوبة منه فانه يجوز للجنة التحكيم الاستمرار في الإجراءات وإصدار حكمها في المنازعة استنادا إلى الأدلة المطروحة أمامها بحيث لا يخل ذلك بحقوق الطرفين التي تنظمها أحكام هذا القانون.
مادة (42) يجوز للجنة التحكيم أن تعين خبيرا أو أكثر لتقديم تقرير مكتوب أو شفوي بشأن ما تراه من قضايا متعلقة بموضوع النزاع وعلى أطراف النزاع تقديم المساعدة اللازمة لتمكين الخبير او الخبراء من إكمال المهمة على خير وجه وترسل لجنة التحكيم نسخ من التقرير إلى كل من الأطراف وللجنة أن تقرر عقد جلسة لسماع أقوال الخبير واتاحة الفرصة للأطراف لسماعه ومناقشته والرد عليه ويجوز لأي من الطرفين الاستعانة بخبير أو خبراء بصفة شهود في مثل هذه الحالة مالم يوجد اتفاق بخلاف ذلك.
مادة (43) يجوز للجنة التحكيم أو لأي من الطرفين طلب المساعدة من المحكمة المختصة للحصول على أدلة وكذا طلب اتخاذ ما تراه ملائما من الإجراءات التحفظية أو المؤقتة كما يجوز لها أن تطلب من المحكمة المختصة الحكم في المواضيع المتعلقة بالنزاع والتي تخرج عن صلاحياتها دون أن يعني ذلك توقف إجراءات التحكيم.
مادة (44) تنقطع الخصومة أمام لجنة التحكيم لقيام أحد أسباب الانقطاع الواردة في قانون المرافعات المدنية والتجارية ويترتب على ذلك الآثار التي ينص عليها ذات القانون.
ومن مطالعة النصوص القانونية السابقة يظهر انها قد بينت اجراءات التحكيم التي يجب على المحكم اتباعها وعدم مخالفتها، فان خالفها المحكم فقد تحققت حالة من حالات بطلان حكم التحكيم المقررة في المادة (٥٣) وهي الحالة المنصوص عليها في الفقرة (ج): (ج ـ إذا كانت الإجراءات غير صحيحة).
وليس هذا فحسب بل يجب على المحكم ان يلتزم بالإجراءات المقررة في قانون المرافعات التي تعتبر من النظام العام حسبما ورد في المادة (32) من قانون التحكيم اليمني التي نصت على انه: (يحق لطرفي التحكيم أن يتفقا على الإجراءات التي يتعين على لجنة التحكيم إتباعها، فإذا لم يوجد أي اتفاق فانه يجوز للجنة أن تتبع ما تراه ملائما من الإجراءات مع ضرورة مراعاة أحكام هذا القانون وعدم الاخلال بأحكام قانون المرافعات التي تعتبر من النظام العام).
ونخلص من هذا الوحه الى القول بان مفهوم الفقرة (ج): (ج ـ إذا كانت الإجراءات غير صحيحة) مفهوم واسع وهلامي غير منضبط يجعل حالات بطلان حكم التحكيم غير محصورة.
ولذلك فان الفقرة (ج) هي الوليجة السهلة التي يستغلها الخصوم المكايدون لإطالة اجراءات التقاضي.
وقد ذكرنا في تعليق سابق ان نصوص قانون التحكيم لم تكفل للمحكم المرونة الكافية حتى تتحقق الحكمة التي ابتغاها المقنن من التحكيم كوسيلة معاونة للقضاء، والله أعلم. (التعليق على أحكام المحكمة العليا في مسائل التحكيم الجزء الرابع، أ.د. عبد المؤمن شجاع الدين، مكتبة الصادق جولة جامعة صنعاء الجديدة ٢٠٢٦م، صـ١٧٥)، والله اعلم.