رقابة القضاء على حكم التحكيم من خلال دعوى البطلان
التحكيم وسيلة استثنائية للفصل في الخصومات، وذلك استثناء من الولاية العامة للقضاء، بيد ان منح الخصوم المحكم او هيئة التحكيم هذه الولاية الاستثنائية لا يعني غل يد القضاء من الرقابة عل اعمال هيئة التحكيم، بل ان قانون التحكيم ذاته قد اعطى القضاء وسائل كثيرة لتمكينه من بسط رقابته على التحكيم واجراءات التحكيم وحكم التحكيم.
ومن هذه الوسائل استعانة هيئة التحكيم بالمحكمة المختصة في بعض الإجراءات التي يتعذر على هيئة التحكيم القيام بها بنفسها، وكذا نظر القضاء في طلبات عزل المحكم، وايداع حكم التحكيم بعد صدوره لدى محكمة الاستئناف المختصة.
بيد ان اهم وسائل رقابة القضاء على التحكيم هو تمكين الخصوم من رفع دعوى بطلان حكم التحكيم امام محكمة الاستئناف. وكذا اشتراط القانون ان يتم تنفيذ حكم التحكيم من قبل محكمة الاستئناف، حسبما قضى الحكم الصادر عن الدائرة التجارية بالمحكمة العليا في جلستها المنعقدة بتاريخ ٢٥-١٢-٢٠١٣ م، في الطعن رقم (٥٣٦٩٥)، فقد ورد ضمن أسباب الحكم المشار إليه: (وبالرجوع الى الاوراق مشتملات الملف تستهل الدائرة حكمها بالإشارة الى ان قانون التحكيم احتوى على طريقين لرقابة القضاء على احكام المحكمين اولاهما: عن طريق رفع دعوى بطلان الحكم حسب الاحكام المحددة في القانون، وثانيهما: عن طريق طلب تنفيذ حكم التحكيم بواسطة القضاء، وقد حددت المادة (٥٣) تحكيم نطاق رقابة القضاء من خلال دعوى البطلان)، وسيكون تعليقنا على هذا الحكم حسبما هو مبين في الاوجه الاتية:
الوجه الأول: ميعاد تقديم دعوى بطلان حكم التحكيم:
من الخصائص المميزة للتحكيم أن أحكام المحكمين غير قابلة للطعن بطريق الاستئناف، حيث تعتبر أحكام التحكيم في درجة الحكم النهائي النافذ، ولكن هذا لا يعني أن حكم التحكيم يكون بمنأى عن رقابة القضاء، فقد اجازت غالبية قوانين الحكيم العربية للخصوم رفع دعوى لطلب "بطلان حكم التحكيم"، وهذا ما نصت عليه المادة (5٣) من قانون التحكيم اليمني لضمان سرعة تحقيق التحكيم للحماية القضائية وعدم إستنزاف الوقت في الطعن بالإستئناف وإعادة عرض النزاع مرة اخرى على القضاء.
ولذلك يحق للمحكوم عليه بحكم التحكيم ان يرفع امام محكمة الاستئناف دعوى بطلان حكم التحكيم بدلا من الطعن بالاستئناف، فقد نصت المادة (54) تحكيم على أن: ترفع دعوى بطلان حكم التحكيم خلال الميعاد المقرر للاستئناف وهو (60) يوماً من تاريخ إستلام نسخة من الحكم، وقد اجازت هذه المادة قبول دعوى البطلان ولو بعد فوات هذا الميعاد إذا اثبت المدعي بالبطلان ان هناك أسباب قهرية قد حالت دون تقديمه للدعوى في الميعاد المقرر – وهذا يعني ان دعوى البطلان تكون غير مقبولة إذا تم تقديمها بعد مضي الميعاد بدون عذر قهري.
ولذلك فأنه يجب على المدعي بالبطلان ان يثبت تقديمه للدعوى في الميعاد المقرر لذلك المشار إليه سابقاً، ووسيلة إثبات تقديم دعوى البطلان في ميعادها هو تأشيرة رئيس محكمة الإستئناف على أصل الصفحة الأولى من عريضة دعوى البطلان وكذا اصل سند سداد المدعي لرسوم دعوى البطلان، بالاضافة الى سجل قيد دعاوى البطلان في محكمة الاستئناف.
وتبعا لذلك ينبغي على المدعي بالبطلان إذا ما اراد قبول دعواه ان يثبت ذلك حتى تكون دعواه مقبولة.
اما في القانون الجزائري فقد نصت المادة (1059) من قانون الإجراءات المدنية و الإدارية على أنه “يرفع الطعن بالبطلان في حكم التحكيم المنصوص عليه في المادة 1058 أعلاه، أمام المجلس القضائي (محكمة الاستئناف) الذي صدر حكم التحكيم في دائرة اختصاصه، ويقبل الطعن ابتداء من تاريخ النطق بحكم التحكيم، لا يقبل هذا الطعن بعد أجل شهر واحد من تاريخ التبليغ الرسمي للأمر القاضي بالتنفيذ”
و يتضح من نص المادة المذكورة أعلاه، أنه يتعين رفع دعوى بطلان حكم التحكيم خلال أجل شهر واحد من تاريخ التبليغ الرسمي للأمر القاضي بالتنفيذ.و ميعاد رفع دعوى البطلان هو من المواعيد الناقصة التي يتعين اتخاذ الإجراء في خلالها، أي قبل إنقضاء اليوم الأخير منها و إلا سقط الحق في رفع دعوى البطلان، وهو متعلق بالنظام العام فلا يمكن تعديله من قبل الخصوم أو القاضي.
فالقانون الجزائري لم يقبل إلا طريقا وحيدا للطعن في حكم التحكيم الصادر في الجزائر، فإذا تقاعس الطرف المحكوم عليه في الطعن بالبطلان على حكم التحكيم، و مضت مدة شهر من تاريخ التبليغ الرسمي للأمر القاضي بالتنفيذ، فإنه يترتب على ذلك تحصن حكم التحكيم وعدم إمكانية الطعن عليه بأي طريق آخر، إذ أن القانون لم يقرر سوى طريق وحيد للطعن في حكم التحكيم هو الطعن بالبطلان.
الوجه الثاني: المحكمة المختصة بنظر دعوى بطلان حكم التحكيم:
يصرح قانون التحكيم اليمني في المادة (٥٤) بانه اذا كان حكم التحكيم قد صدر في اليمن فان محكمة الاستئناف تختص بنظر دعوى بطلانه.
كذلك الحال في مصر فقد منح القانون المصري القضاء المصري الإختصاص بنظر دعوى بطلان حكم التحكيم إذا كان التحكيم قد جرى في مصر بصدد منازعة دولية أو كان التحكيم جرى في الخارج و اتفق الأطراف على تطبيق القانون المصري.
فبالنسبة للأحكام الخاضعة لدعوى البطلان في مصر، فإن كل حكم تحكيم صدر في مصر، يخضع لدعوى البطلان سواء كان التحكيم قد تم وفق القانون المصري أو قانون أجنبي أو لائحة مركز أجنبي، ولا يجوز للطرف المحكوم ضده أن يرفع دعوى بطلان أمام دولة أجنبية لمجرد أن التحكيم تم وفق قانونها، وبمفهوم المخالفة لا تختص المحاكم المصرية بنظر دعوى بطلان حكم التحكيم الصادر خارج مصر، حتى وإن كان القانون المصري هو القانون المطبق، وهو مبدأ له أصله في إتفاقية نيويورك لتنفيذ الأحكام الأجنبية التي ربطت أحكام التحكيم الأجنبية بالنظام القانوني للدولة التي صدرت فيها، وفق ما قضت به محكمة إستئناف القاهرة في الحكم رقم (7) لسنة 121ق.، ومن المقرر أن الأحكام التمهيدية الصادرة في دعوى التحكيم لا يجوزطلب بطلانها، إلا بعد إنتهاء خصومة التحكيم وصدور الحكم النهائي فيها، واستثنت بعض القوانين كالقانون اليمني الحكم الصادر برفض الدفع بعدم إختصاص هيئة التحكيم، إذ يجوز الطعن عليها إستقلالاً مثال ما نص عليه قانون الأونسيترال النموذجي في المادة رقم (16) بشأن حق إعتراض الخصم على القرار أو الحكم الصادر في الدفع بعدم الإختصاص خلال مدة ثلاثين يوم، ويمكن أيضاً إستثناء الأحكام الوقتية التي تصدر بفرض إجراء تحفظي على أحد الخصوم في الدعوى التحكيمية، إذ أن إقامة دعوى بطلان هذا الحكم الوقتي لا يؤثر على موضوع دعوى التحكيم. وبالنسبة لموضوع دعوى البطلان، فأكد الشهير، أنها دائماً ما تكون موجهة إلى حكم التحكيم بوصفه عمل قانوني، ولا تشمل الرقابة على ما يقع من المحكم من خطأ في التقدير، ولذلك تتصل الأسباب العامة لدعوى بطلان حكم التحكيم بالعيوب الإجرائية، وليس لقاضي البطلان أن يتعرض لموضوع النزاع أو تعييب الحكم التحكيمي الصادر فيه، وفق ما تواتر عليه قضاء محكمة الإستناف في دعوى البطلان رقم (4) لسنة 119ق، والدعوى رقم (57) لسنة 119ق، إذ يمتنع بحق ما قضى به المحكم تحت مبرر مراقبة تسبيب الأحكام.
اما في الجزائر فقد فرق القانون الجزائري بين التحكيم الداخلي و التحكيم الدولي، فالأصل أن أحكام التحكيم الداخلي تقبل الطعن فيها بالاستئناف إلا إذا تضمن اتفاق التحكيم ما يفيد نزول الأطراف عن هذا الحق حسبما هو مقررفي المادة 1033من قانون الإجراءات المدنية والإدارية الجزائري.
ويؤدي الإستئناف إلى إعادة طرح النزاع أمام المجلس القضائي (محكمة الاستئناف)، و يسمح بتصحيح الحكم سواء من ناحية الشكل أو الموضوع، فهو ينظر في الموضوع من جديد على عكس دعوى البطلان التي يسمح بها المشرع الجزائري لأسباب محددة.
أما بالنسبة لأحكام التحكيم الدولي فلا تسري عليها الأحكام المطبقة على التحكيم الداخلي، لذلك لا يجوز إستئناف أحكام التحكيم الصادرة في الخارج، ويكون متاحا فقط طلب البطلان بالنسبة لأحكام التحكيم الدولية الصادرة في الجزائر.أما الأحكام الصادرة في الخارج فلا تخضع للإستئناف أو طلب البطلان، و إنما يمكن استئناف الأمر القاضي بالإعتراف أو التنفيذ وذلك في الحالات التي يمكن فيها طلب بطلان الحكم الصادر في الجزائر في تحكيم دولي.
ويذهب بعض الفقه في الجزائر إلى أن اختلاف التعامل بين حكم التحكيم الدولي الصادر في الجزائر، وذلك الصادر خارج الجزائر، يرجع الى أن الأول يصبح جزءا من النظام القانوني المطبق في الجزائر مما يحتم طلب بطلانه لإستبعاده، أما الحكم الصادر في الخارج فيكفي منع دخوله و تطبيقه في ظل النظام القضائي الجزائري و ذلك بمنع الإعتراف به أو تنفيذه.
فالمشرع الجزائري اتبع نفس نهج المشرع الفرنسي فحظر طرق الطعن ولم يسمح إلا بطلب البطلان أو منع التنفيذ و ذلك في مجال التحكيم الدولي. أما في مجال التحكيم الداخلي فلا يمكن أن تعامل أحكام التحكيم أحسن من أحكام القضاء.
ويذهب جانب من الفقه الجزائري إلى القول بأن الرجوع على حكم التحكيم في دولة مقر التحكيم على الرغم من أنها لا توجد بين الأطراف وهذه الدولة أية صلة يشكل العقبة الكبرى ضد التحكيم الدولي.
فمعاهدة نيويورك الموقعة سنة 1958م بشأن الإعتراف و تنفيذ أحكام التحكيم الأجنبية، تعتبر من بين أسباب رفض تنفيذ حكم التحكيم أن يكون حكم التحكيم قد تم إبطاله في الدولة التي صدر منها، فالمعاهدة تعترف بقيمة دولية للاختلافات القائمة في الأنظمة الوطنية.
وكذلك الحال في فرنسا فقد سلك القانون الجزائري مسلك القانون الفرنسي، إذ
نصت المادة(1504) من قانون الإجراءات المدنية الفرنسي في الفقرة الأولى على أنه “يمكن الطعن بالبطلان على أحكام التحكيم الصادرة في فرنسا بشأن، التحكيم الدولي في الأحوال المنصوص عليها في المادة 1502“.
ومن إستقراء هذا النص يتضح أن بمجرد صدور حكم التحكيم في فرنسا يكفي في حد ذاته لانعقاد الاختصاص للمحاكم الفرنسية بنظر دعوى الطعن بالبطلان المرفوعة ضد هذا الحكم، و ذلك حتى إذا كان الحكم قد صدر في منازعة دولية لا تتصل بالنظام القانوني الفرنسي بأي عامل إلا وجود مقر التحكيم في فرنسا.
و الإتجاه الذي تبناه المشرع الفرنسي اتبعه المشرع الجزائري، كما سبق ذكره في المادة 1058 من قانون الإجراءات المدنية و الإدارية الجزائري، فالنهج الذي أخذ به المشرع الفرنسي يقضي بتوزيع الاختصاص بين الدول المختلفة المعنية بحكم التحكيم، وهو مبدأ متبع في الأنظمة القانونية للعديد من الدول حسب المعاهدات الدولية المتعلقة بالإعتراف و تنفيذ أحكام التحكيم.
وعليه تختص دولة مقر التحكيم بالنظر في دعاوى البطلان ضد حكم التحكيم، ولا يمكن للدول الأخرى المطلوب تنفيذ الحكم التحكيمي فيها أو الإعتراف به إلا قبول أو رفض تنفيذه.
فالمادة 1504 من قانون الإجراءات المدنية الفرنسي تجعل القضاء الفرنسي مختص بنظر دعاوى البطلان فيما يتعلق بأحكام التحكيم الصادرة في فرنسا فقط. و العلة في ذلك هي الرغبة في منح المتعاملين على صعيد التجارة الدولية مكانا للتحكيم يتلاءم مع فرض الرقابة التي يمارسها القضاء الوطني على أحكام التحكيم.
الوجه الثالث: إجراءات تقديم دعوى بطلان حكم التحكيم:
نصت المادة(54) من قانون التحكيم اليمني على ان: (ترفع دعوى البطلان إلى محكمة الاستئناف خلال مدة الاستئناف القانونية ويترتب على رفع الدعوى وقف تنفيذ الحكم إلى أن تقضي المحكمة بالاستمرار فيه بناء على طلب الطرف المعني ويجوز للمحكمة أن تقبل رفع الدعوى بعد انقضاء الميعاد المحدد أن كان التأخير ناتجا عن أسباب قهرية شريطة أن يقدم الطالب برفع الدعوى في أقرب وقت بعد زوال هذه الاسباب(
ولم يحدد قانون التحكيم اليمني طريقة رفع دعوى بطلان حكم المحكم، وبما ان دعوى البطلان يتم رفعها أمام محكمة الاستئناف، ومع ان دعوى البطلان ليست من قبيل الطعن بالاستئناف إلا انه ينبغي اتباع اجراءات رفع الاستئناف المقررة في القانون وذلك عند رفع دعوى البطلان.
وعلى هذا الأساس يتم رفع دعوى بطلان حكم المحكم بعريضة مشتملة على البيانات التي تضمنتها المادة (٢٧٩)من قانون المرافعت المدنية التي نصت على انه: (يرفع الطعن بعريضة تقدم أمام محكمة الطعن أو إلى المحكمة التي أصدرت الحكم المطعون فيه من أصل للمحكمة وصور بعدد الخصوم، ويجب ان يشتمل على البيانات المتعلقة باسمائهم ومهنهم وموطن كل منهم وعلى بيان الحكم المطعون فيه وتاريخه والأسباب التي بني عليها الطعن وطلبات الطاعن وتكليف الخصم بالحضور أمام المحكمة وأن يوقع عليه من الطاعن أو من وكيله وترفق المستندات المؤيدة له وسند توكيل الموكـل).
ويجب إرفاق الحكم المدعى بطلانه وذلك بعريضة دعوى البطلان مع بيان حالات البطلان المحددة في المادة (٥٣) تحكيم.
ويتم رفع دعوى البطلان امام محكمة الاستئناف مباشرة على اعتبار ان حكم المحكم حكما نهائيا حائزا لقوة الشيء المقضي به طبقا لنص المادة (٤٨)من قانون التحكيم.
الوجه الرابع: الحالات التي يجوز فيها رفع دعوى بطلان حكم التحكيم:
نصت المادة (53) من قانون التحكيم اليمني على انه: (مع مراعاة أحكام هذا القانون لا يجوز طلب إبطال حكم التحكيم إلا في الاحوال التالية:
أـ إذا لم يوجد اتفاق تحكيم أو انتهت مدته أو كان باطلا وفقا للقانون.
ب ـ إذا كان أحد أطراف التحكيم فاقد الأهلية.
ج ـ إذا كانت الإجراءات غير صحيحة.
د ـ إذا تجاوزت لجنة التحكيم صلاحياتها.
هـ ـ إذا تم تشكيل لجنة التحكيم بصورة مخالفة لاتفاق التحكيم.
وـ إذا لم يكن حكم التحكيم مسببا.
زـ إذا خالف حكم التحكيم أحكام الشريعة الإسلامية والنظام العام وفيما عدا هذه الاحوال والأحوال المبينة في هذا القانون فان أحكام التحكيم التي تصدر وفقا لهذا القانون لايجوز الطعن فيها بأي طريق من طرق الطعن المنصوص عليها في قانون المرافعات المدنية والتجارية).
وحالات البطلان المذكورة في النص السابق مذكورة على سبيل الحصر كما يبدو من ظاهر نص المادة (53) من قانون التحكيم، بيد ان الفقرة (ج) (ج ـ إذا كانت الإجراءات غير صحيحة)، تجعل هذه الفقرة مفهوم الحصر محل نظر، لان هذه الفقرة تفيد إنه يجوز رفع دعوى البطلان في كل حالة يكون فيها العمل الإجرائي في حكم التحكيم باطلاً.
وتعد حالات البطلان التي يقررها القانون لرقابة مشروعية حكم المحكمين أنها تترجم بشكل سلبي إعتراف النظام القانوني بالتحكيم كسلطة موازية لقضاء الدولة.و الطعن بالبطلان في حكم المحكم يعتبر في أحد معانيه ضربا من ضروب الطعن الغير عادي يشبه الطعن بالنقض في الأحكام القضائية من ناحية تحديد أسباب الطعن على سبيل الحصر.
الوجه الخامس: الطبيعة القانونية لدعوى البطلان:
يتعامل بعض الخصوم مع دعوى البطلان على أنها وسيلة لإعادة طرح موضوع النزاع أمام محكمة الإستئناف، في حين أن دعوى البطلان لا تعتبر طريقاً من طرق الطعن في الأحكام، مع ان دعوى البطلان تختلف عن الطعن في الحكم في عدة مسائل تدل على الطبيعة الخاصة لدعوى البطلان، . واهم هذه الفروق أن دعوى البطلان لا تسري إلا على أحكام التحكيم، ولا تسري على القرارات الأخرى التي تصدرها هيئة التحكيم، فلا يخضع لدعوى البطلان سوى العمل الإجرائي الذي يفصل في النزاع بصورة كلية أو جزئية، والذي يكون ملزماً لكل من طرفي دعوى التحكيم.
فدعوى بطلان حكم المحكم هو الطريق الوحيد لمعالجة المخالفات الواردة في هذا الحكم بعد صدوره أمام قضاء الدولة، ويرفع الطعن بالبطلان عن طريق دعوى البطلان، فحكم التحكيم باعتباره نوع خاص من العدالة لا تناسبه طرق الطعن المقررة في أحكام تلقضاء التي تهدف إلى إعادة طرح النزاع من جديد على محكمة الطعن.
فدعوى البطلان دعوى أصلية لها طبيعتها الخاصة، و ليست طريقة من طرق الطعن في أحكام التحكيم.
فالمحكمة التي تنظر دعوى البطلان هي دائما محكمة الدرجة الثانية، إلا أنها لا تنظر هذه الدعوى باعتبارها درجة ثانية من درجات التقاضي، بل باعتبارها قضية جديدة فصل فيها حكم التحكيم، فمحكمة الإستئناف عند نظرها دعوى البطلان لا تعيد مناقشة النزاع الذي فصل فيه حكم التحكيم، فليس لها أن تناقش ما طرح فيه أمام هيئة التحكيم من أدلة إثبات أو دفاع أو دفوع، أو أن تعطي الخصوم فرصة تقديم أدلة جديدة أو دفوع تتعلق بالموضوع.
ووفقا للمادة (٥٤) تحكيم فانه يترتب على رفع دعوى بطلان حكم التحكيم وقف تنفيذ الحكم
ويكون حكم محكمة الاستئناف ببطلان حكم تلتحكيم قائما على انعدام سلطة هيئة التحكيم في إصدار الحكم و ليس لعدم اختصاصها بإصداره، وهناك من يرى أن دور محكمة الاستئناف عند فصلها في دعوى البطلان يشبه الدور الذي تلعبه محكمة النقض عند فصلها في الطعن بالنقض في الأحكام القضائية.
ومع أنه يمتنع على محكمة الاستئناف التي تنظر دعوى البطلان نظر موضوع الدعوى التي تصدر فيها حكم التحكيم، إلا أنه حتى تتمكن محكمة الإستئناف من التحقق من توافر حالات البطلان التي يدعيها المدعى، مثل صدور حكم التحكيم دون اتفاق تحكيم أو تجاوز المحكم، فإن لمحكمة الاستئناف السلطة كاملة في بحث جميع عناصر النزاع من الوقائع و القانون.
ويحق لمحكمة الاستئناف التي تنظر دعوى البطلان أن تراجع حكم التحكيم من حيث الموضوع. فالخطأ في تفسير نصوص القانون أو التفسير الخاطئ لوقائع الدعوى لا يشكل أسبابا للحكم ببطلان حكم التحكيم.
الوجه السادس: رقابة القضاء على حكم التحكيم عند نظره في دعوى البطلان:
يُعد التحكيم أحد أهم وسائل تسوية المنازعات، سيما في المجال التجاري والاستثماري، لما يتميز به من سرعة نسبية، ومرونة إجرائية، وسرية، وإمكانية اختيار المحكمين ذوي الخبرة الفنية، غير أن التحكيم – رغم استقلاله – لا يعمل في فراغ قانوني، بل يظل مرتبطًا بالنظام القضائي للدولة من خلال ما يُعرف بـ الرقابة القضائية على التحكيم، وتبرز الإشكالية الأساسية في هذا السياق: كيف يمكن تحقيق التوازن بين استقلال التحكيم باعتباره قضاءً اتفاقيًا، وبين سلطة القضاء باعتباره حارسًا للنظام العام وضامنًا لسلامة الإجراءات.
فالرقابة القضائية ليست خصومة ضد التحكيم، بل هي الإطار الذي يمنحه القانون، ويضمن عدم تحول التحكيم إلى وسيلة لتجاوز العدالة أو التحايل على القواعد الآمرة.
فالرقابة القضائية على حكم التحكيمته تهدف الى:
1- احترام قواعد العدالة الإجرائية.
2- التزام المحكمين بحدود ولايتهم.
3- عدم مخالفة الحكم التحكيمي للنظام العام.
فالقضاء لا ينافس التحكيم، بل يضع له إطارًا قانونيًا يحقق التوازن بين الإرادة الخاصة والقانون العام
والأساس القانوني لرقابة القضاء على حكم التحكيم. يرتكز على مبدأين متلازمين:
1) التحكيم قائم على اتفاق الأطراف فالتحكيم يستمد وجوده من الإرادة، لا من السلطة العامة، لذلك لا يجوز للقضاء إهدار اتفاق التحكيم أو التدخل في موضوع النزاع متى كان الاتفاق صحيحًا.
2) القضاء حارس للنظام العام وضامن للعدالة، فالقضاء يملك سلطة الرقابة لمعالجة اي خلل جوهري في حكم التحكيم، لأن التحكيم لا يمكن أن يكون وسيلة لتجاوز الضمانات الأساسية للتقاضي أو مخالفة القواعد الآمرة، ومن هنا فإن الرقابة القضائية هي رقابة "مقيدة" لا "مطلقة"، وتدور في نطاق محدد.
ورقابة القضائية على حكم التحكيم بعد صدور تعد المجال الأبرز للرقابة القضائية، حيث يراقب القضاء حكم التحكيم عن طريق دعوى بطلان حكم التحكيم، فدعوى البطلان هي الأداة القانونية الأساسية لمراجعة حكم التحكيم غير أن هذه الدعوى لا تُعد طريقًا للاستئناف أو إعادة نظر موضوع النزاع، بل هي وسيلة للطعن في الحكم لأسباب محددة غالبًا تتعلق ببطلان اتفاق التحكيم، او كون احد اطراف التحكيم فاقد الاهلية او تجاوز المحكم لاتفاق التحكيم، او مخالفة الحكم للنظام العام، او اذا كانت اجراءات التحكيم غير صحيحة أو وجود خلل جسيم في تشكيل الهيئة أو الإجراءات.
ولذلك يظهر الفرق بين الرقابة القضائية والرقابة الموضوعية؛ فالقاضي عند رقابته على حكم التحكيم لا يعيد تقييم الوقائع، بل يراجع سلامة الأساس القانوني والإجرائي.
ورقابة القضاء على حكم التحكيم رقابة شكلية وليس رقابة موضوعية، فلا تتناول رقابة القضاء إعادة تقييم الأدلة التي ناقشتها هيئة التحكيم، ولاتعيد محكمة الإستئناف تفسير العقد محل النزاع، ولا تقوم بمراجعة تقدير المحكم للتعويضات إلا إذا ارتبط ذلك بمخالفة النظام العام.
فإذا تحولت دعوى البطلان إلى استئناف مقنّع، فقد التحكيم جوهره، وأصبح مجرد مرحلة أولى قبل القضاء.
وعند رقابة القضاء على حكم التحكيم فانه ينبغي المحافظة على التوازن بين القضاء والتحكيم، فالرقابة القضائية ليست عداءً للتحكيم، بل هي ما يمنحه شرعيته النهائية، فالتحكيم لا يهدف إلى استبدال حكم القضاء، بل يهدف إلى تقديم طريق بديل لحسم النزاع يعاون القضاء.
ولذلك فان القضاء يبقى ضامنًا للحد الأدنى من العدالة، ، ومراقبًا لعدم الانحراف، وحارسًا للنظام العام.
و في المقابل يجب احترام استقلال التحكيم لضمان فاعليته، لأن الإفراط في التدخل القضائي في التحكيم يحوله إلى إجراء بطيء لا يختلف عن التقاضي التقليدي.
والرقابة القضائية على التحكيم تمثل أحد أهم مظاهر التوازن القانوني الحديث بين الإرادة الخاصة والعدالة العامة، فهي رقابة ضرورية لضمان سلامة اتفاق التحكيم وإجراءاته، لكنها رقابة محدودة لا يجوز أن تتحول إلى مراجعة لموضوع النزاع أو إعادة تقدير الأدلة.
والخلاصة أن نجاح التحكيم لا يقوم على استقلاله المطلق، ولا على رقابة قضائية مطلقة، بل على توازن دقيق يضمن العدالة دون إهدار خصوصية التحكيم. (الرقابة القضائية على التحكيم، الاستاذ عمر البغدادي، مدونة البغدادي للمحاماة)، (التعليق على أحكام المحكمة العليا في مسائل التحكيم الجزء الرابع، أ.د. عبد المؤمن شجاع الدين، مكتبة الصادق جولة جامعة صنعاء الجديدة ٢٠٢٦م، ص١٦٩)، والله اعلم.