بطلان إجراءات التحكيم كسبب لدعوى البطلان
حددت المادة (53) تحكيم حالات دعوى أو طلب إبطال حكم التحكيم وهي سبع حالات منضبطة الى حد ما عدا الحالة الثالثة وهي (اذا كانت الاجراءات غير صحيحة) فهذه الحالة هلامية ومطاطة وعامة تفتح الباب على مصراعيه في التقاضي الكيدي والالتفاف على حكم التحكيم الذي سبق للخصوم اختيار المحكمين واختيار موضوعه وربما تحديد الاجراءات التي ينبغي على المحكم او الهيئة اتباعها ولذلك ومن اجل ترشيد اجراءات التقاضي ومواجهة التقاضي الكيدي وإطالة اجراءات التقاضي لابد من ضبط هذا السبب من اسباب دعوى بطلان حكم التحكيم ، ولذلك فقد اخترنا التعليق على الحكم الصادر عن الدائرة المدنية بالمحكمة العليا في جلستها المنعقدة بتاريخ 19/3/2017م في الطعن المدني رقم (27454) لسنة 1437هـ الذي تناول هذه الحالة من حالات دعوى بطلان حكم التحكيم وخلاصة هذا الحكم أنه(برجوع الدائرة الى اوراق القضية فقد وجدت الدائرة ان الطاعن بالنقض قد ذكر في طعنه ان الحكم الاستئنافي المطعون فيه قد تجاهل اسباب دعوى بطلان حكم التحكيم ولخصها الطاعن في بطلان وثيقة التحكيم لانعدام صفة احد طرفي التحكيم وهو المدعي وان موضوع التحكيم لم يكن محدداً في وثيقة التحكيم والاهم من ذلك ان اجراءات هيئة التحكيم غير صحيحة لانها خالفت شروط وثيقة التحكيم وان حكم التحكيم لم يكن مسبباً ... الخ ماذكر الطاعن، ومن خلال البحث والدراسة فقد وجدت الدائرة أن الحكم الاستئنافي المطعون فيه قد ناقش ما ذكره الطاعن تفصيلاً حسبما هو ظاهر في اسباب الحكم الاستئنافي فقد ورد ضمن تلك الأسباب أنه تبين اشتمال حكم التحكيم البيانات اللازمة كما تبين صحة الاجراءات التي اتبعتها هيئة التحكيم فقد ورد في حكم التحكيم ما يدل على اتباع الهيئة للاجراءات الصحيحة ومن ذلك ماورد في أسباب حكم التحكيم : انه وبعد الاطلاع على مبررات الطرفين فقد الزمتهم هيئة التحكيم باختيار عدول تروية فوافق الطرفان على اختيار العدول وفي الميعاد تم خروج هيئة التحكيم مع العدول الى (الجربة) موضع النزاع وقامت هيئة التحكيم باطلاع العدول على الوثائق وبعد ذلك حدد العدول المختارون المواضع محل النزاع...الخ) وسيكون تعليقنا على هذا الحكم بحسب الأوجه الآتية:
الوجه الأول: ماهي الإجراءات غير الصحيحة التي تكون حالة من حالات دعوى بطلان حكم التحكيم:
ذكرنا في بداية هذا التعليق ان قانون التحكيم اليمني قد ذكر في المادة (53) الاجراءات غير الصحيحة ضمن حالات دعوى بطلان حكم التحكيم حيث نصت تلك المادة على انه(مع مراعاة احكام هذا القانون لايجوز طلب ابطال حكم التحكيم الا في الاحوال الآتية...ج....اذا كانت الاجراءات غير صحيحة) وذلك يقتض الاشارة بايجاز الى ماهية هذه الاجراءات غير الصحيحة، فالاجراءات غير الصحيحة هي الاجراءات المخالفة للاجراءات المحددة بموجب القانون اي تلك التي تأتي على خلاف الاجراءات القانونية الآمرة او مايسمى بالاجراءات الجوهرية حيث ذكر قانون التحكيم الاجراءات التي يجب على هيئة التحكيم اتباعها كما حدد ذلك القانون اجراءات معينة لصياغة حكم التحكيم واصداره والنطق به وتسليم الخصوم نسخ منه وقد بين قانون التحكيم وتعديلاته تلك الاجراءات الواجب اتباعها في خصومة التحكيم وفي حكم التحكيم ومن الاجراءات التي أشار اليها قانون التحكيم وجوب احترام مبادئ قانون المرافعات مثل مبدأ المواجهة ومبدأ المساواة بين الخصوم ومبدأ حق الدفاع ووجوب تقديم دعوى أمام هيئة التحكيم والرد عليها ووجوب قيام هيئة التحكيم أو المحكم بعقد جلسات لنظر الدعوى والرد عليها وإخطار أطراف الخصومة بمواعيد الجلسات والتزام هيئة التحكيم بالفصل في النزاع استناداً الى القواعد القانونية التي يتفق عليها اطراف الخصومة وقوانين الجمهورية اليمنية، وكتابة حكم التحكيم والتوقيع عليه من هيئة التحكيم ووجوب ان يكون حكم التحكيم مسبباً حسبما اشار الى ذلك الحكم محل تعليقنا وكذا يجب ان يكون حكم التحكيم مشتملاً على اسماء اطراف التحكيم وعناوينهم...الخ، كما يجب ايداع اصل الحكم لدى محكمة الاستئناف، وصفوة القول ان مخالفة أي اجراء من الاجراءات المحددة في قانون التحكيم على سبيل الوجوب يجعل هذه الاجراءات المخالفة غير صحيحة وبناءً على ذلك تتحقق حالة من حالات دعوى بطلان حكم المحكم.
الوجه الثاني: ضابط معرفة اجراءات التحكيم غير الصحيحة:
حدد قانون التحكيم بصفة مجملة اجراءات التحكيم ، ولكن ليست كل مخالفة لتلك الاجراءات يترتب عليها بطلان تلك الاجراءات او التقرير بعدم صحتها ، ولذلك لابد من اللجوء الى ضوابط او معايير لتحديد الاجراءات غير الصحيحة من غيرها، ومن الضوابط التي يمكن استعمالها في هذا الشأن مايأتي:
1- التعريف القانوني للاجراءات الباطلة او غير الصحيحة: حيث بينت المواد 47 و 48 و 49 مرافعات الاجراءات الباطلة او غير الصحيحة حيث نصت المادة (47) على انه (يقع باطلاً كل اجراء نص القانون صراحة على بطلانه) كما نصت المادة (48) على انه (يقع باطلاً كل اجراء مشوب بعيب لم تتحقق منه الغاية المطلوبة) وتبعاً لذلك فإن الاجراءات التي لا تندرج ضمن هذه المواد تعد صحيحة.
2- الاجراءات المخالفة للنصوص الآمرة: فالاجراءات التي يرد ذكرها ضمن نصوص أمرة تكون الاجراءات المخالفة لها غير صحيح ، ومن المعلوم ان هناك صيغ معروفة لمعرفة النصوص الآمرة من غيرها وهي التي تتضمن افعال او عبارات الوجوب الامرة مثل المادة (45) تحكيم (على لجنة التحكيم ان تفصل في النزاع استناداً الى القواعد القانونية) والمادة (48) (تصدر لجنة التحكيم حكمها كتابة) والمادة (50) (على لجنة التحكيم ايداع اصل الحكم) والمادة (25) (على الطرف المدعي ان يرسل بياناً) والمادة (26) (على الطرف المدعي ان يقدم بيان دفاعه) والمادة (38) (تعقد لجنة التحكيم جلسات) فكل هذه الصيغ ظاهر من صياغتها الوجوب ، والله اعلم.