لا تقبل دعوى البطلان من الحاضر الموقع على إجراءات القسمة

لا تقبل دعوى البطلان من الحاضر الموقع على إجراءات القسمة

تسود في اليمن ثقافة التقاضي الكيدي ونقض المراكز القانونية المستقرة حيث يستغل بعض الخصوم تساهل القانون في مواجهة التقاضي الكيدي حيث لم يفلح قانون الرسوم القضائية في مواجهة ظاهرة التقاضي الكيدي, ومن ابرز مظاهر التقاضي الكيدي قيام الوارث او المقاسم الحاضر في اجراءات القسمة الذي قام بالتوقيع على اجراءاتها بما يفيد رضاه واختياره وعلمه وادراكه لإجراءات القسمة والاثار المترتبة عليها مثل اعداد كشوفات الحصر والتثمين وتحديد الانصبة وفرزها وتعيينها حيث يقوم هذا المقاسم بتقديم دعوى بطلان القسمة مثلما وقع في القضية التي تناولها الحكم محل تعليقنا وهو الحكم الصادر عن الدائرة الشخصية بالمحكمة العليا في جلستها المنعقدة بتاريخ 14/1/2012م في الطعن الشخصي رقم (43835) لسنة 1433هـ وتتلخص وقائع القضية التي قضى فيها الحكم محل تعليقنا ان احد الورثة تقدم امام المحكمة الابتدائية مدعيا ان القسمة الرضائية التي تمت قبل رفعه للدعوى باقل من سنة وقد طلب المدعي في تلك الدعوى بطلان القسمة لأنها لم تكن مبنية على اختيار للقسام كما لم يتم فيها اعداد كشوف حصر وان الفصول التي حررها القسام كانت بطريقة التعسف والاجبار على تلك القسمة وافتعال فصولها حسبما ورد في تلك الدعوى وقد رد المدعي عليهم بقية الورثة بان القسمة تمت بحضور واختيار الجميع بمن فيهم المدعي وانهم قد قاموا بالتوقيع على كشف حصر وتثمين وتحديد الانصبة وارفق المدعى عليهم بردهم كشف الحصر والتثمين وتحديد الانصبة وفي ذيله توقيعات جميع الورثة بمن فيهم المدعي, وقد حكمت المحكمة الابتدائية برفض الدعوى واقرار القسمة الرضائية التي جرت بينهم, فلم يقنع المدعي حيث قام باستئناف الحكم امام محكمة الاستئناف التي حكمت بتأييد الحكم الابتدائي وبعد ذلك بادر المستأنف الى الطعن بالنقض امام المحكمة العليا التي ايدت الحكم الاستئنافي وقد جاء في اسباب حكم المحكمة العليا محل تعليقنا (اما من حيث الموضوع فان الطاعن قد اثار المسائل الموضوعية التي سبق له ان اثارها امام محكمة الموضوع وهي افتعال القسمة والتعسف والاجبار وعدم التراضي وهي من مبطلات القسمة حسبما ورد في عريضة الطعن بالنقض, ومن خلال رجوع الدائرة الى الحكمين الابتدائي والاستئنافي المؤيد له فقد وجدت الدائرة ان محكمة الموضوع قد ناقشت تلك المسائل الموضوعية وبحثتها حيث توصلت الى ان اجراءات القسمة قد تمت بحضور الطاعن وانه قد قام بالتوقيع على الكشف المتضمن حصر المخلف والتثمين ولذلك لا تقبل دعواه وهذا من السلطة التقديرية لمحكمة الموضوع – وبناء على ذلك لم تتحقق في الطعن اية حالة من حالات الطعن بالنقض مما يجعله مرفوضا) وسيكون تعليقنا على هذا الحكم بحسب ما هو مبين في الاوجه الاتية:

الوجه الأول: الوضعية القانونية للقسمة الرضائية ومبطلاتها:

نظم القانون المدني اليمني احكام القسمة الرضائية .ومن خلال استقراء النصوص القانونية الناظمة للقسمة الرضائية نجد ان هذه القسمة عبارة عن عقد رضائي بين الورثة على قسمة تركة مورثهم اما عن طريق قيام الورثة انفسهم بإجراءات الحصر والتثمين وتحديد الانصبة واما عن طريق اختيار الورثة لقسام او قسامين يتولون اجراءات القسمة, وبما ان القسمة عقد فان مبطلاته هي مبطلات العقد ذاته .وتتمثل هذه المبطلات في الاكراه والاضطرار والغلط والجهل والغبن والتدليس, ونشير الى ذلك بإيجاز بالغ على النحو الاتي :
1- الاكراه :فالإكراه عيب من عيوب الارادة في أي عقد ومنها عقد القسمة, ويتحقق الاكراه المادي عن طريق الضرب او الحبس او التهديد للمقاسم لحمله على القبول بالقسمة او حضور اجراءات القسمة او التوقيع على الوثائق المتضمنة اجراءات القسمة, فالإكراه عيب من عيوب الارادة في الشريعة والقانون والنصوص في هذا الباب كثيرة .
2- الاضطرار : وهو عيب من العيوب المؤثرة على الارادة فقد يضطر بعض الورثة او المقاسمين للقبول بإجراءات القسمة الرضائية والتوقيع عليها دفعا لضرورة المت به كمرضه او مرض زوجه او احد ابنائه او حصوله على غذاء او سكن او دواء وغيرها من الضروريات فاذا ثبت المقاسم انه قد قام بالموافقة على اجراءات القسمة او التوقيع عليها وهو مضطر فذلك عيب يبطل القسمة (فمن اضطر غير باغ ولا عاد فلا اثم عليه) .
3- الغلط : الغلط عيب من عيوب الارادة وهو مبطل لأي عقد ومن ضمنها عقد القسمة فمن غلط في حصر او تثمين او تحديد انصبة, بحيث كان هذا الغلط مؤثرا على ارادته فان ذلك مبطل للقسمة .
4- التدليس : وهو عبارة عن افعال او ايحاءات ايجابية صادرة من المدلس بغرض الايقاع بالمقاسم او الوارث للموافقة على القسمة او التوقيع على أي من اجراءاتها – والفرق بين الغلط والتدليس ان الغلط يكون سببه راجع للمقاسم الوارث اما التدليس فيكون امر خارج عن الوارث المقاسم المدلس عليه .
5- الجهل : وهو قريب من الغلط بل ان بعض الفقهاء يلحقوا الجهل بالغلط, والواقع ان الجهل مستقل عن الغلط وان كان مثله في التأثير على الارادة, فالجهل عدم خبره ودراية المتقاسم الوارث ببعض اجراءات القسمة وموجودات التركة وقيمتها وكيفية الاحتساب وطريقته, والجهل وان كان عيبا من عيوب الارادة عند المتقاسمين او الورثة جميعا الا انه يظهر عند النساء عامة لاسيما الاميات والرجال الاميون بالإضافة الى السفهاء .
6- الغبن : وهو في القسمة نقص نصيب المقاسم الوارث عن مثله المساوي له شرعا وقانونا بنسبة 10% في حين ان نسبة الغبن في القانون المصري تقل كثيرا عن القانون المدني اليمني, وقد نص القانون اليمني على ان دعوى ابطال القسمة بسبب الغبن لا تقبل بعد مضي ثلاث سنوات الا اذا كان الغبن قد لحق الغائب او الصبي او المجنون .

الوجه الثاني: دعوى بطلان القسمة:

سبق القول ان القسمة الرضائية بين الورثة هي عقد لازم حسبما قرر القانون المدني وان العقد يبطل اذا تخلف ركن من اركانه او شرط من شروطه وذكرنا ايضا ان عيوب الارادة المبطلة للعقد تبطل ايضا القسمة الرضائية, وذكرنا ايضا ان المدعي في القضية التي تناولها الحكم محل تعليقنا كانت تتعلق بالإكراه والاجبار حسبما ورد في دعوى بطلان القسمة, وسبق ان ذكرنا ان القانون المدني حدد مدة تقادم طلب ابطال القسمة للغبن وهي مدة ثلاث سنوات من تاريخ اجراء القسمة في حين ان نصت المادة(16) اثبات على انه (لا تسمع الدعوى من القاسم او وارثه في قسمة مستوفية شروط صحتها الا من القاصر بعد بلوغه والغائب بعد حضوره وبشرط ان لا تمضي سنة من وقت البلوغ او الحضور) وقد لاحظنا ان المدعي ببطلان القسمة في الحكم محل تعليقنا قد ادعى بانه تعرض للإجبار او الاكراه الا انه عجز عن اثبات الاكراه كما انه قد ذكر في دعواه بان اجراءات القسمة لم تتم بالتراضي حيث تم اعداد الفصول من غير حصر وتثمين وتحديد الانصبة وفرزها الا ان المدعى عليهم قد اثبتوا ان اجراءات القسمة قد تمت صحيحة .

الوجه الثالث: اجراءات القسمة الصحيحة:

تتلخص اجراءات القسمة الصحيحة في الاتي :
1-اعداد كشف حصر التركة من عقار ومنقول ومصادقة الورثة على ان ما ورد فيه هو كل موجودات التركة وانه ليس هناك اية موجودات اخرى لم يرد ذكرها غي كشف الحصر. ويتم التوقيع على الكشف من قبل جميع الورثة .واذا رفض احد. الورثة التوقيع فلا تتم القسمة الرضائية .
2-تثمين موجودات التركة من عقار ومنقول ومصادقة جميع الورثة على صحة التثمين والاحتساب والتوقيع في نهاية كشف التثمين وتصريحهم بانهم يقبلون القسمة للموجودات المذكورة في كشف الحصر بحسب اثمانها المذكورة في كشف التثمين .
3-كشف توزيع الانصبة على الورثة بحسب الفرائض الشرعية, حيث يتم فيه تحديد المبالغ المستحقة لكل وارث قرين اسمه من كل موجودات التركة وبيان اجمالي المبالغ المستحقة لكل وارث .وفي الوقت الحاضر. وحتى تكون الاجراءات سهلة واختصارا للوقت فانه يتم تفريغ بيانات حصر التركة واثمانها وتوزيع تلك الاثمان على الورثة في كشف واحد .
4-التخارج وهو الفرز والتعيين لكل وارث ما يعادل المبالغ المستحقة له من موجودات التركة وهناك اسس للتخارج والقرعة لا يتسع المجال لذكرها في هذا التعليق الموجز, علما بان القضية التي تناولها الحكم محل تعليقنا قد تم اعداد الحصر والتثمين وتوزيع المبالغ والفرز والتعيين في وثيقة واحدة مكونة من ثلاث صفحات .
5-اعداد الفصول : وهي عبارة عن وثائق منفصلة تتضمن الاموال التي الت الى كل وارث بحسب الفرائض والانصبة الشرعية, وقد لاحظنا ان الحكم محل تعليقنا قد رفض دعوى ابطال القسمة لان اجراءاتها كانت صحيحة .

الوجه الرابع: اسباب قيام المقاسمين او الورثة برفع دعاو ابطال القسمة الرضائية:

تتنوع هذه الاسباب ومنها الجهل بإجراءات القسمة الصحيحة حيث لا تدرس هذه الاجراءات في الجامعات والمعاهد لأنه يتم التركيز فقط على علم المواريث في حين ان علم المواريث علم موضوعي وعلم القسمة علم اجرائي ولذلك فان احكام القسمة واردة في القانون المدني وضمن مفرداته وليست ضمن علم المواريث, كما ان من اهم اسباب قيام بعض المقاسمين او الورثة برفع دعاو بطلان القسمة على الورثة الاخرين يرجع الى فشل بعض الورثة في ادارة الاموال التي تؤول اليهم بموجب القسمة ونجاح بعض الورثة الاخرين في ادارة الاموال التي اليهم وتنميتها فيشعر الفاشلون بالظلم فينازعوا الناجحين كما ان من اهم اسباب رفع دعاو بطلان القسمة في اليمن النساء الوارثات حيث ان غالبية القسامين لا يتفهمون الوضعية الشرعية والقانونية والاجتماعية للنساء اللاتي لا يدركن ماهية موجودات التركة ومكوناتها واثمانها الحقيقية نظرا لوضع المرأة في المجتمع اليمني ولذلك فان غالبية دعاوي بطلان القسمة يتم رفعها عن طريق ابناء الوارثات نيابة عن امهاتهم, كما ان حيل وتدليس بعض الورثة على بعضهم من ضمن اسباب رفع دعاو بطلان القسمة, ولا ننسى ان نذكر ان تجنيب بعض موجودات التركة او بعض حصيلة التثمين للموجودات بمبررات عدة ( شقية, سعاية, كبارة, نذر, وصية) يعد هذا من اهم اسباب دعاوى بطلان القسمة في اليمن حسبما هو ظاهر من نوع دعاوي بطلان القسمة المنظورة امام القضاء .

الوجه الخامس: تاثير حضور المقاسم او الوارث اجراءات القسمة الرضائية:

 قرر القانون المدني والحكم محل تعليقنا ان حضور الوارث اجراءات القسمة وعدم اعتراضه عليها دليل على رضاه وموافقته عليها ولذلك لا يحق للوارث او المقاسم الحاضر للقسمة وإجراءاتها الادعاء ببطلان القسمة التي حضر فيها لان حضوره دليل على رضاه بها وموافقته عليها وانه قد شارك في تلك الاجراءات وتمت في مواجهته وحضوره. ولذلك لا يحق له الادعاء ببطلان تلك القسمة بخلاف المقاسم او الوارث الغائب الذي اجاز له القانون الادعاء ببطلان القسمة التي تمت في غيابه .

الوجه السادس: الوضعية القانونية لتوقيع المقاسم او الوارث على وثائق القسمة:

تقدم القول بان الحكم محل تعليقنا قد قضى بان المقاسم او الوارث الذي يقوم بالتوقيع على الوثائق المتضمنة اجراءات القسمة لا يحق له الادعاء ببطلان القسمة التي قام بالتوقيع على اجراءاتها – واساس هذا القضاء : ان التوقيع عبارة عن موافقة ومصادقة من الوارث الذي يضع توقيعه في وثائق اجراءات القسمة حيث ان ذلك يدل. على انه قد طالع تلك الوثائق وفهم مضمونها والاثار المترتبة عليها ومكونات التركة واثمانها ونصيب كل وارث ونصيب المورث الموقع والمبالغ والاشياء التي ستؤول اليه وبعد ان فهم وادرك ذلك قام بالتوقيع بما يفيد قبوله بتلك الاجراءات ومصادقته وموافقته عليها, ولذلك لا يجوز له الادعاء ببطلان تلك الاجراءات التي قبل سبق له ان قبل بها وقام بالتوقيع بما يفيد ذلك. والله اعلم.   
صورة تعبيرية لمستند محضر قسمة موقع مع مطرقة العدالة وكتب قانونية لمدونة الدكتور عبدالمؤمن شجاع الدين
لا تقبل دعوى البطلان من الحاضر الموقع على إجراءات القسمة - مدونة الأستاذ الدكتور عبدالمؤمن شجاع الدين
تعليقات