تفسير المحرر من قبل كاتبه
الغالب أن كاتب المحرر لا يقوم بكتابة المحرر إلا بعد أن يستمع ويفهم جيداً شروط أطراف المحرر والتفاهمات والمفاوضات السابقة لتحرير المحرر، فالكاتب لا يكتب المحرر إلا بعد أن يفهم ما يريد أطراف المحرر أن يكتبه بينهم.
ومن المعلوم ان كل ما يناقشه اطراف المحرر قبل تحريره لا يتم كتابته كله في المحرر، فصياغة المستند او كتابته عبارة عن تلخيص لما يريده اطراف المحرر، والمفروض على من يشتغل في صياغة المحررات ان يكون عارفا بخطوات وقواعد الصياغة الجيدة للعقود والتصرفات، حتى يستوعب كل ما يريده اطراف المحرر بعبارات موجزة تبين مراد ومقصود اطراف المحرر. (مهارات الصياغة القانونية، أ. د. عبد المؤمن شجاع الدين، مكتبة الصادق جولة جامعة صنعاء الجديدة ٢٠١٦م، ص٣٩).
وبناءً على ذلك فان كاتب المحرر يكون الاكثر احاطة ومعرفة بالأعمال التحضيرية السابقة لكتابة المحرر، وعلى هذا الاساس فان كاتب المحرر يصلح ان يكون شاهدا على التصرف المذكور في المحرر، كما انه يصلح ان يكون مصدرا لتفسير الاجمال والغموض والنقص في المحرر الذي كتبه، فضلا عن ان الكاتب يصلح ان يكون معرفا بخطه عند الخلاف، حسبما قضى الحكم الصادر عن الدائرة التجارية بالمحكمة العليا في جلستها المنعقدة بتاريخ ٣٠-١-٢٠١١م، في الطعن رقم (٤١٩٥٤)، فقد ورد ضمن أسباب الحكم المشار إليه: (وحيث ان كاتب المستند المشار اليه قد اكد بشهادته ان مبلغ السند هو مبلغ الشراكة بين الطرفين، ولمضي الطاعن في اليمين بعدم سبق سحبه مبلغ الربح)، وسيكون تعليقنا على هذا الحكم حسبما هو مبين في الاوجه الاتية:
الوجه الأول: شهادة كاتب المحرر:
من المألوف في اليمن ان ترد في نهاية المحرر عبارة: (كتب وشهد على هذا المحرر فلان) للدلالة على ان اطراف المحرر قد قبلوا منذ البداية بشهادة الكاتب، ولذلك فلا يجوز لأ طراف المحرر الجرح بعد ذلك في شهادة الكاتب او عدم قبولها.
وموضوع شهادة الكاتب هو وقوع التصرف المكتوب في المحرر كما هو مكتوب في المحرر برضاء الاطراف، ولا تقبل شهادة الكاتب المناقضة لما هو مكتوب في المحرر، وشهادة الكاتب شهادة قوية تكون مقدمة على غيرها من الشهادات عند الترجيح.
الوجه الثاني: تفسير الكاتب لما ورد في المحرر:
الغالب ان الكاتب لا يقوم بكتابة المحرر الا بعد الاستماع والاصغاء لمفاوضات ومناقشات وطلبات وشروط اطراف المحرر وفهم واستيعاب ما يريده كل طرف.
ولذلك فان كاتب المحرر من اهم المراجع والمصادر المعتمدة لتفسير الاجمال والاغفال والغموض الذي قد يعتري المحرر، لان الكاتب قد على علم وفهم بكل او بعض الاعمال التحضيرية للمحرر التي سبقت صياغته المحرر او كتابته على النحو الوارد فيه.
الوجه الثالث: التكييف القانوني لشهادة الكاتب وتفسيره:
شهادة الكاتب او تفسيره لما ورد في المحرر بحسب المفهوم السابق، تكون في كل الاحوال من قبيل الشهادة على التصرف المكتوب في المحرر او الشهادة على الاتفاقات التي اتفق عليها الاطراف ولم تتم كتابتها في المحرر، وكذا الشهادة على ان مقصود الاطراف من الغامض او الناقص او المجمل في المحرر هو كذا بحسب ما سمع الكاتب من الاطراف قبل الكتابة للمحرر او في اثنائها.
وبناء على ذلك تسري على شهادة الكاتب وتفسيره احكام الشهادة المقررة في قانون الاثبات.
ولذلك لاحظنا ان الحكم محل تعليقنا قد اعتد بشهادة الكاتب واعتبرها من قبيل شهادة الواحد التي تكون معتبرة عند تكميلها بيمين المدعي. (التعليق على أحكام المحكمة العليا في مسائل المحررات الجزء الثاني، أ. د. عبد المؤمن شجاع الدين، مكتبة الصادق جولة جامعة صنعاء الجديدة ٢٠٢٦م، ص١٧١).
الوجه الرابع: شهادة الكاتب لا تكون شهادة على فعل الكاتب:
يصرح قانون الاثبات اليمني بعدم قبول شهادة الشخص على فعل نفسه، بيد ان شهادة كاتب المحرر لا تكون من قبيل شهادة الشخص على فعل نفسه، لان شهادة الكاتب هي شهادة على التصرف المكتوب في المحرر او الاقوال التي شاهد وسمع صدورها من اطراف المحرر، فالكاتب لا يشهد على فعل نفسه بل يشهد على قول وفعل اطراف المحرر الذي كتبه.
الوجه الخامس: تعريف الكاتب بخطه وشهادته على ما ورد في المحرر:
سبق ان ذكرنا ان شهادة الكاتب على ما ورد في المحرر الذي كتبه هي شهادة محلها الواقعة التي يشهد عليها الكاتب وهي واقعة التصرف المكتوب واقوال اطراف المحرر عند تحرير المحرر.
اما تعريف الكاتب بخطه الذي كتب به المحرر، فهو ايضا من قبيل الشهادة بان ذلك خطه، بيد انه لا يكون من قبيل الاقرار، لان التعريف بالخط يكون شهادة للغير وليس شهادة على النفس.
وبناء على ذلك فان التعريف بالخط وان كان شهادة إلا ان محله هو مجرد التعريف بالخط دون الشهادة بصحة التصرف المكتوب في المحرر الا اذا امتد التعريف الى الشهادة بوقوع التصرف المكتوب. (التعليق على أحكام المحكمة العليا في مسائل الشهادة الجزء الثالث، أ. د. عبد المؤمن شجاع الدين، مكتبة الصادق جولة جامعة صنعاء الجديدة ٢٠٢٦م، ص٥٨)، والله اعلم.