الحكم بنقض الحكم الاستئنافي وتأييد الحكم الابتدائي

الحكم بنقض الحكم الاستئنافي وتأييد الحكم الابتدائي

أ.د/ عبدالمؤمن شجاع الدين
الأستاذ بكلية الشريعة والقانون - جامعة صنعاء
في بعض الأحوال تقرر المحكمة العليا بعد نظرها للطعن بالنقض تقرر نقض الحكم الاستئنافي المطعون فيه، وفي الوقت ذاته تقرر اقرار الحكم الابتدائي مع انه غير مطعون فيه بالنقض أمام المحكمة العليا مثلما قضى الحكم الصادر عن الدائرة التجارية بالمحكمة العليا في جلستها المنعقدة بتاريخ ١٦-١-٢٠١٤ م، في الطعن رقم (٥٣٦٨٨)، فقد ورد ضمن أسباب الحكم المشار إليه: (مما يتعين معه قبول الطعن ونقض حكم الشعبة المطعون فيه المؤرخ ... وتأييد حكم محكمة اول درجة فيما توصلت اليه في الفقرة الاولى من حكمها بتاريخ ...)، وسيكون تعليقنا على هذا الحكم حسبما هو مبين في الاوجه الاتية:

الوجه الاول: نطاق الطعن بالنقض: 

حدد قانون المرافعات اليمني نطاق بالطعن بالنقض في الحكم المطعون فيه، وذلك في المادة (292) التي نصت على انه: (يجـوز للخصوم أن يطعنوا أمام المحكمة العليا في الأحكــام الصـادرة من محاكم الاستئناف ومن المحاكم الابتدائية التي لا تقبل الطعن بالاستئناف في الأحوال الآتية: 
1- إذا كان الحكم المطعون فيه مبنياً على مخالفة الشرع والقانون أو خطأ في تطبيق أيٍ منهما أو تأويله أو لم يبين الأساس الذي بُنيَ عليه.
2- إذا وقع بطلان في الحكم أو بطلان في الإجراءات أثَّر في الحكم أو كان منطوق الحكم مناقضاً بعضه لبعض.
3- إذا حُكم بشيء لم يطلبه الخصوم أو بأكثر مما طلبوه.
4- إذا تعارض حكمان نهائيان في دعويين اتحد فيهما الخصوم والموضوع والسبب).
وبما ان القانون قد حدد نطاق الطعن بالنقض في الحالات المذكورة في النص السابق فانه يجب على الطاعن ان يتقيد بهذا النطاق، فلا يثير في عريضة طعنه غير الأحوال المذكورة في النص السابق، فيجب على الطاعن ان يبين في عريضة الطعن حالة او حالات الطعن التي تحققت في الحكم المطعون فيه، ويجب عليه ايضا ان يبين موضع تحقق هذه الحالة في الحكم المطعون فيه، ويجب على الطاعن ايضا ان يشرح في عريضة الطعن كيفية تطبيق حالة الطعن بالنقض في الحكم المطعون فيه، وكذا يجب عليه ان يبين الاساس القانوني اي النص القانوني الذي استند عليه في طعنه.
 ومن جانب اخر فان محكمة النقض متقيدة بنطاق الطعن بالنقض المحدد في النص القانوني السابق، فلا تنظر محكمة النقض إلا احوال الطعن بالنقض المحددة في ذلك النص، فالمحكمة العليا غير ملزمة بمناقشة المسائل الموضوعية التي يثيرها الطاعن في عريضة طعنه، وفي هذا الشان نصت المادة (299) مرافعات على ان: (تصدر الدائرة المختصة حكمها في موضوع الطعن بغير مرافعة بعد تلاوة تقرير بتلخيص أسباب الطعن والرد عليها وحصر نقاط الخلاف المتنازع فيها يعده أحد أعضاء الدائرة دون إبداء رأي منه في النزاع وللدائرة إذا رأت ضرورة للمرافعة الشفوية أن تسمع مرافعة الخصوم والنيابة العامة ولها أن ترخص لهما بإيداع مذكرات تكميلية في مواعيد تحددها أن لم تر ما يغني عنها، ولا يجوز التمسك بغير الأسباب التي اشتملت عليها عريضة الطعن إلا إذا كانت متعلقة بالنظام العام فتأخذ بها المحكمة من تلقاء نفسها وعليها في هذه الحالة تنبيه الخصوم إن رأت موجباً لاستعمال حقهم في الدفاع).

الوجه الثاني: الطعن بالنقض موجه الى الحكم الاستئنافي وليس الحكم الابتدائي:

وفقا لأحكام الطعن بالنقض المقررة في القانون فان الطعن بالنقض يتجه الى الحكم الاستئنافي وليس الحكم الابتدائي إذ يطلب الطاعن منها نقض الحكم او نقض الحكم واقرار قضاء الحكم الابتدائي.
فالطاعن بالنقض بستعرض في عريضة طعنه في الحكم الاستئنافي حالات الطعن بالنقض المقررة في المادة (٢٩٢) مرافعات السابق ذكرها ويبين موضع تحقق تلك الحالات في الحكم الاستئنافي المطعون فيه، ويشرح الطاعن في عريضة الطعن كيف تنطبق حالة الطعن بالنقض في الحكم الاستئنافي المطعون فيه.
فلا يحق للطاعن بالنقض ان يتعرض في عريضة الطعن بالنقض في الحكم الاستئنافي لا يحق له ان يتعرض لما ورد في الحكم الابتدائي الا اذا كانت قد تحققت فيه حالات الطعن بالنقض السابق ذكرها، وتجاهلها الحكم الاستئنافي، فقضى الحكم الاستئنافي بتأييد الحكم الابتدائي المتضمن حالات الطعن بالنقض او المخالفات التي تنطبق عليها حالات الطعن بالنقض.

الوجه الثالث: المحكمة العليا محكمة قانون تراقب التزام احكام محاكم الموضوع بالقانون:

محكمة النقض او المحكمة العليا محكمة قانون تراقب احكام محاكم الموضوع من جهة التزامها بنصوص القانون، ومؤدى ذلك انها تراقب سلامة احكام محاكم الموضوع التي تتصل بها عن طريق الطعن بها امام المحكمة العليا، ومعنى ذلك ان المحكمة العليا تراقب سلامة تطبيق الحكم الابتدائي للقانون ولو كان الطعن المرفوع امامها موجه الى الحكم الاستئنافي وليس للحكم الابتدائي.

الوجه الرابع: رقابة المحكمة العليا لاحترام النظام العام: 

نصت المادة (299) مرافعات على ان: (تصدر الدائرة المختصة حكمها في موضوع الطعن بغير مرافعة بعد تلاوة تقرير بتلخيص أسباب الطعن والرد عليها وحصر نقاط الخلاف المتنازع فيها يعده أحد أعضاء الدائرة دون إبداء رأي منه في النزاع وللدائرة إذا رأت ضرورة للمرافعة الشفوية أن تسمع مرافعة الخصوم والنيابة العامة ولها أن ترخص لهما بإيداع مذكرات تكميلية في مواعيد تحددها أن لم تر ما يغني عنها، ولا يجوز التمسك بغير الأسباب التي اشتملت عليها عريضة الطعن إلا إذا كانت متعلقة بالنظام العام فتأخذ بها المحكمة من تلقاء نفسها وعليها في هذه الحالة تنبيه الخصوم إن رأت موجباً لاستعمال حقهم في الدفاع).
فهذا النص يصرح بان المحكمة العليا تراقب احترام النظام العام وانها عندئذ تكون طليقة غير متقيدة بنطاق الطعن بالنقض، ومعنى ذلك ان رقابتها على النظام العام تمتد لتشمل الحكم الابتدائي اذا خالف النظام العام.

الوجه الخامس: الفرق بين الطعن بالنقض والطعن بالاستئناف: 

الاستئناف هو طريق قانوني يُمكّن المحكوم عليه من طلب إعادة طرح موضوع القضية أمام محكمة أعلى درجة وهي محكمة الاستئناف، وذلك في حال شابت الحكم أخطاء في الواقع او القانون، ويخلص المستأنف من استئنافه الى طلب الغاء الحكم الابتدائي فيرد عليه خصمه طالبا تاييد الحكم، وتنتهي اجراءات محكمة الاستئناف بالحكم بتأييد الحكم الابتدائي او الغائه.
أما الطعن بالنقض، فيتم أمام محكمة النقض أو المحكمة العليا، حيث يركز هذا الطعن على مخالفات الحكم للقانون دون التعرض للوقائع او المسائل الموضوعية، ويهدف الطاعن بالنقض من طعنه تصحيح أية مخالفة للقانون، ويطلب الطاعنمن محكمة النقض نقض الحكم.

ويتفق الطعن بالنقض والطعن بالاستئناف انهما من طرق الطعن في الأحكام القضائية وانه يجب ان تتحقق في الطاعن الصفة والمصلحة وان ميعاد رفعهما واحد في قانون المرافعات وان الطعن فيهما لا يكون الا بالنسبة للحكم المنهي للخصومة.
بيد ان الطعن بالنقض يختلف عن الطعن بالاستئناف في الغرض والمنظور القانوني، فالغرض من الطعن بالاستئناف هو إعادة طرح النزاع الذي كان منظورا امام محكمة اول درجة اعادة طرحه امام محكمة الاستئناف وهي محكمة موضوع اعلى درجة ومشكلة من قضاة اكثر عددا وخبرة، إذ يتم اعادة طرح النزاع أمام محكمة الإستئناف في حدود ما فصل فيه الحكم الابتدائي وفي حدود اسباب الاستئناف الواردة في عريضة الاستئناف.
اما الطعن بالنقض فهو ذو طابع قانوني، لانه يتم تقديمه أمام محكمة القانون مشتملا على حالات الطعن المحددة في القانون على سبيل الحصر، ولا يتم إلتعرض في عريضة الطعن بالنقض للمسائل الموضوعية كما انها لا تتضمن مناقشة السلطة التقديرية لمحكمة الموضوع في تقدير ووزن الادلة.

الوجه السادس: حدود حكم المحكمة العليا في الطعن بالنقض: 

بينت المادة (300) مرافعات حدود حكم المحكمة العليا في الطعن بالنقض، فقد كانت المادة قبل تعديلها تنص على انه: (إذا رأت المحكمة أن منطوق الحكم المطعون فيه من حيث النتيجة موافق للشرع والقانون رفضت الطعن وإلا نقضت الحكم المطعون فيه كله أو بعضه، وإذا كان الطعن لمخالفة قواعد الاختصاص ورأت المحكمة نقض الحكـم لهذا السبب قصرت حكمها عليه وعينت المحكمة المختصة وأعادت القضية إليها للتداعي أمامها بإجراءات جديدة وإذا كان نقض الحكم لغير هذا السبب أعادت القضية إلى المحكمة التي أصدرت الحكم المطعون فيه لتحكم فيه من جديد بناءً على طلب الخصوم متبعةً توجيه المحكمة العليا إلا إذا كان الطعن للمرة الثانية فيتعين على المحكمة العليا أن تفصل في الموضوع كله أو شق منه وفي حالة عدم قبول الطعن أو رفضه تحكم على رافِعِهِ بالنفقات ومصادرة الكفالة، وإذا تبين إرادة الكيد من الطاعن حكمت عليه بالتعويض للمطعون ضده).
بيد انه تم تعديل هذه المادة ضمن تعديلات يناير٢٠٢١م فصار نصها بعد التعديل: (إذا رأت المحكمة أن منطوق الحكم المطعون فيه موافق من حيث النتيجة للشرع والقانون رفضت الطعن وتحكم على رافعه بالنفقات ومصادرة الكفالة واذا تبين ارادة الكيد من الطاعن حكمت عليه بالغرامة للخزينة العامة والتعويض المناسب للمطعون ضده اذا طلب ذلك، اما اذا كان الحكم المطعون فيه غير موافق من حيث النتيجة للشرع والقانون فللمحكمة العليا ان تحكم بالموضوع ما دامت القضية صالحة للحكم، وإلا نقضت الحكم المطعون فيه كله أو بعضه، وأعادته للمحكمة التي أصدرته للحكم فيه من جديد متبعةً توجيه المحكمة العليا).
ومن خلال استقراء النص القانوني السابق يظهر انه لم يصرح بجواز اقرار المحكمة العليا للحكم الابتدائي بمناسبة الطعن بالنقض في الحكم الاستئنافي إلا ان المفهوم العام للنص يخول المحكمة العليا الحق في الحكم بنقض الحكم الاستئنافي واقرار الحكم الابتدائي اذا طلب الطاعن ذلك او كانت النتيجة القانونية المنطقية لنقض الحكم الاستئنافي تؤدي الى اقرار الحكم الابتدائي.
اما وفقا للتعديل الجديد فقد جعل قضاء المحكمة العليا يقترب في مفهومه العام من قضاء محاكم الموضوع)، (التعليق على أحكام المحكمة العليا في مسائل الطعن بالنقض الجزء الثاني، أ.د. عبد المؤمن شجاع الدين، مكتبة الصادق جولة جامعة صنعاء الجديدة ٢٠٢٦م، ص١٦١)، والله اعلم.
صورة لكتاب قانوني مفتوح بعنوان الحكم بنقض الحكم الاستئنافي وتأييد الحكم الابتدائي لمدونة أ.د/ عبدالمؤمن شجاع الدين، الأستاذ بجامعة صنعاء
صورة تعبيرية مقال: "الحكم بنقض الحكم الاستئنافي وتأييد الحكم الابتدائي"
تعليقات