ضمان عدم التعرض للمستأجر في القانون اليمني
أ.د. عبدالمؤمن شجاع الدين
الأستاذ بكلية الشريعة والقانون – جامعة صنعاء.
نصت المادة (٣٦) من قانون تنظيم العلاقة بين المؤجرين والمستأجرين اليمني على انه: (على المؤجر أن يمتنع عن كل ما من شأنه أن يحول أو ينقص من انتفاع المستأجر بالعين المؤجرة ويضمن الأعمال التي تصدر منه أو من إتباعه أو أي تعد أو أضرار له يد فيها).
وهذا النص يمنع المؤجر من التعرض للمستأجر والحيلولة دون انتفاعه بالعين المؤجرة، لان المؤجر ملتزم بموجب عقد الايجار بتمكين المستأجر من الانتفاع بالعين المؤجرة في الغرض المعدة له العين او في الغرض المتفق عليه، ويقرر النص السابق انه يجب على المؤجر وتابعيه ان يمتنعوا عن القيام باي فعل او تصرف من شانه ان يحول دون انتفاع المستأجر بالعين، بل ان المؤجر يضمن عدم تعرض الغير للمستأجر في انتفاعه اذا كان كان هذا التعرض قانونيا يرجع الى المؤجر.
ومؤدى ضمان التعرض للمستأجر ان المؤجر ملزم بتعويض المستأجر عما لحقه من ضرر او ما فاته من كسب بسبب قيام المؤجر بالتعرض له والحيلولة بينه وبين الانتفاع بالعين المؤجرة منه، وفي هذا المعنى نصت المادة (٣٨) من قانون الايجار على ان: (يضمن المؤجر كل الأضرار التي تلحق بحقوق المستأجر أو أي تعرض لها إذا ثبت أن ذلك حدث بسبب يرجع إلى المؤجر).
وأساس ضمان عدم التعرض للمستأجر هو ان عقد الايجار من عقود المعاوضة، إذ يرتب هذا العقد التزامات متقابلة على المؤجر والمستأجر، ومن اهم هذه الالتزامات تمكين المستأجر من الانتفاع بالعين المؤجرة، وامتناع المؤجر وتابعيه عن اي فعل او تصرف من شأنه ان يحول دون انتفاع المستأجر بالعين المؤجرة، فان لم يلتزم المؤجر بذلك فانه يكون قد اخل بالتزامه مما يجعل المستأجر مستحقا للتعويض بمدة ايجار مماثلة للمدة التي حال فيها المؤجر دون انتفاع المستأجر بها، حسبما قضى الحكم الصادر عن الدائرة التجارية بالمحكمة العليا في جلستها المنعقدة بتاريخ ٣٠/٣/٢٠١١م في الطعن رقم (٤٣٣٤٠)، فقد ورد ضمن أسباب الحكم المشار إليه: (ولما كانت المادة (٧٢٩) مدني تنص على انه يمتنع على المؤجر كلما من شانه ان يحول دون انتفاع المستأجر بالعين المؤجرة ويضمن المؤجر الاعمال التي تصدر منه او من تابعيه ويضمن كل تعد او اضرار مبني على سبب منه...، لذلك يتم احتساب فترة اغلاق المؤجر للعين وتعويض المستأجر بفترة مماثلة)، وسيكون تعليقنا على هذا الحكم حسبما هو مبين في الاوجه الاتية:
الوجه الاول: التزام المؤجر بتمكين المستأجر من الانتفاع بالعين:
نصت المادة (9) من قانون تنظيم العلاقة بين المؤجرين والمستأجرين اليمني على أن عقد الإيجار: (عقد يلتزم بمقتضاه المؤجر بتمكين المستأجر من الإنتفاع بعين مؤجرة لمدة معينة نظير إيجار معلوم أو منفعة مشروعة متفق عليها)، فهذا النص يصرح بأن الإيجار مقابل منفعة العين المؤجرة وأن هناك تلازم بين المنفعة والأجرة، ومفاد ذلك أن المؤجر يكون قد اخل بالتزامه العقدي اذا اتخذ اي اجراء او تصرف او فعل من شانه الحيلولة دون انتفاع المستأجر بالعين المؤجر او تسبب المؤجر في ذلك
وفي هذا السياق نصت المادة (٣١). من قانون تنظيم العلاقة بين المؤجرين والمستأجرين اليمني على ان: (يلتزم المؤجر بتمكين المستأجر من الانتفاع بالعين المؤجرة وملحقاتها وتسليمها له في حالة تصلح معها لأن تفي بما أعدت له من المنفعة أو بالغرض من الإيجار وفقاً للعقد أو طبيعة العين).
ويعرف الفقه القانوني عقد الإيجار بأنه: عقد يلتزم المؤجر بمقتضاه أن يمكن المستأجر من الانتفاع بشئ معين مدة معينة لقاء أجر معلوم.
وبناء على ذلك فان تمكين المستأجر من الانتفاع بالعين المؤجرة خلال مدة الايجار هو الالتزام الاصلي الذي يقع على عاتق المؤجر بموجب عقد الايجار بل ان ذلك محل عقد الايجار بالنسبة للمستأجر.
الوجه الثاني: معنى ضمان عدم التعرض للمستأجر في انتفاعه بالعين المؤجرة:
نصت المادة (٣٨) من قانون تنظيم العلاقة بين المؤجرين والمستأجرين اليمني على ان: (يضمن المؤجر كل الأضرار التي تلحق بحقوق المستأجر أو أي تعرض لها إذا ثبت أن ذلك حدث بسبب يرجع إلى المؤجر(.
ففكرة ضمان منع التعرض للمستأجر تقوم على أساس ضمان تنفيذ عقد الايجار وتعامل المؤجر مع المستاجر بحسن نية، وضمان وفاء المؤجر بالتزاماته العقدية، فضمان عدم التعرض للمستأجر يكفل تنفيذ عقد الايجار ويحمي المستأجر من أي ضرر يمكن أن يلحق به نتيجة حرمانه من الانتفاع بالعين المؤجرة.
ولهذه الغاية نصت المادة (٣٦) من قانون تنظيم العلاقة بين المؤجرين والمستأجرين اليمني على انه: (على المؤجر أن يمتنع عن كل ما من شأنه أن يحول أو ينقص من انتفاع المستأجر بالعين المؤجرة ويضمن الأعمال التي تصدر منه أو من إتباعه أو أي تعد أو أضرار له يد فيها).
ومثل ذلك ما ورد في المادة (٦٨٤) من القانون المدي الاردني التي نصت على (لا يجوز تعرض المؤجر للمستأجر بما يزعجه في استيفاء المنفعة خلال مدة الإيجار ولا أن يحدث في المأجور أي تغيير من شأنه أن يمنع من الانتفاع به أو يخل بالمنفعة المعقود عليها وإلا كان المؤجر ضامنا).
فيقع على عاتق المؤجر الالتزام بالامتناع عن كل ما من شأنه أن يحول دون انتفاع المستأجر بالعين المؤجرة، فالمؤجر ضامن لتعرضه الشخصي أو تعرض الغير الذي يحول دون انتفاع المستأجر بالعين المؤجرة له.
والتزام المؤجر بعدم التعرض هو التزام قانوني، يلتزم به المؤجر في كل الاحوال، ويتفرع من هذا الالتزام ضمان عدم التعرض للمؤجر نفسه، وضمان منع تعرض الغير للمستأجر في الانتفاع بالعين المؤجرة، وقد تواترت أحكام محكمة النقض المصرية على وجوب التزام المؤجر بعدم التعرض للمستأجر، فعلى المؤجر أن يمتنع عن كل ما يحول دون انتفاع المستأجر بالعين المؤجرة،وهذا الضمان لا يتقادم فيلتزم به المؤجر مادام عقد الإيجار قائماً ولم يقض بفسخه رضاءً أو قضاءً.
كذلك تواترت أحكام محكمة النقض المصرية على ان التزام المؤجر بدفع التعرض الصادر من الغير وهو التزام بتحقيق نتيجة، فإذا تعرض الغير للمستأجر بأعمال مادية فقط تعين على المؤجر أن يتخذ الإجراءات القانونية اللازمة لدفع هذا التعرض.
الوجه الثالث: شروط ضمان عدم التعرض للمستأجر في انتفاعه:
نصت المادة (٣٦) من قانون تنظيم العلاقة بين المؤجرين والمستأجرين اليمني على انه: (على المؤجر أن يمتنع عن كل ما من شأنه أن يحول أو ينقص من انتفاع المستأجر بالعين المؤجرة ويضمن الأعمال التي تصدر منه أو من إتباعه أو أي تعد أو أضرار له يد فيها).
ومن استقراء النص القانوني السابق تظهر شروط قيام الضمان بمنع التعرض للمستأجر، ونشير اليها كما ياتي:
الشرط الاول: صدور التعرض للمستأجر.
الشرط الثاني: أن يكون التعرض صادراً أثناء سريان عقد الإيجار.
الشرط الثالث: أن يحول هذا التعرض دون انتفاع المستأجر بالعين المؤجرة.
الشرط الرابع: ان لا يستند المؤجر في تعرضه الى حق ثابت.
الشرط الخامس: أن يدعى الغير حقاً يتعلق بالعين المؤجرة، ويتعارض هذا الحق مع حق المستأجر، اذا كان التعرض قد صدر من الغير.
الوجه الرابع: ضمان التعرض الصادر من المؤجر:
وهو ما يسمى باالتعرض الشخصي الذي يصدر من المؤجر شخصيا، فالمؤجر يضمن تعرضه سواء أكان هذا التعرض قانونيا أو ماديا، إذ يضمن المؤجر للمستأجر تعرضه الشخصي في الانتفاع بالعين المؤجرة سواء أكان التعرض ماديا أو مبنيا على سبب قانوني.
فالتعرض القانوني هو الذي يستند الى سبب قانوني، مثل ان يدعي المؤجر حقا على الشيء المؤجر في مواجهة المستأجر، ويكون المؤجر غير مالك للعين المؤجرة، ثم يكتسب ملكيتها بالميراث، ويحاول إخراج المستأجر من الشيء المؤجر بالاستناد الى حقه القانوني وهو حق الملكية.
أما التعرض المادي فهو كل فعل مادي يصدر من المؤجر أو أحد تابعيه يزعج المستأجر في حيازته وانتفاعه بالعين المؤجرة.
ولذلك تتعدد وتتنوع صور التعرض الشخصي، فمن صور التعرض الشخصي الدخول الى العين المؤجرة بغير اذن المستأجر او واستعمالها اوةمنع المستأجر من الانتفاع بها، كذلك رفع دعاوى كيدية باخلاء العين أو فسخ عقد الإيجار دون سند من الواقع والقانون.
فعلى سبيل المثال يتحقق التعرض الشخصي اذا قام المؤجر برفع دعوى فسخ عقد الإيجار لعدم سداد الأجرة مع انه قد سددها.
وينبغي ان يكون من شان هذا التعرض ان يخل بالانتفاع: ويتحقق ذلك بقيام المؤجر بأعمال تؤدي الى حرمان المستأجر من الانتفاع من العين المؤجرة أو أحد ملحقاتها، ومن الامثلة على ذلك فتح محل تجاري في مدخل العين المؤجرة.
ويجب أن يكون هذا التعرض قد وقع بالفعل و أخل بالانتفاع بالعين المؤجرة، كما ينبغي ان لا يكون المؤجر مستند في تعرضه الى حق ثابت له، كوجود بند في عقد الإيجار يخول المؤجر من ذلك.
وكذا يجب أن يكون التعرض غير مشروع، أما اذا كان سبب التعرض مشروعا فلا يعد تعرضا، إذ يستند الى حق شرعي مقرر للمؤجر.
وعند تعرض المؤجر للمستأجر وقيامه بأعمال من شأنها ازعاج المستأجر أو الضغط عليه لتخلية العين المؤجرة، فيجوز للمستأجر وبغرض ضمان انتفاعه بالعين المؤجرة يحق له تصليح أو إعادة تركيب ما تلف في العين وذلك بعد إخطار المالك وخصم ما تم انفاقه من قيمة الأجرة.
وفي هذا السياق نصت المادة (753) من القانون المدني العراقي على أنه ((1-لا يجوز للمؤجر أن يتعرض للمستأجر في استيفائه المنفعة مدة الاجارة ولا أن يحدث فيث المأجور تغييراً يمنع من الانتفاع به أو يخل بالمنفعة المعقود عليها.
2ـ ولا يقتصر ضمان المؤجر على الأعمال التي تصدر منه أو من أتباعه بل يمتد هذا الضمان إلى كل تعرض مبني على سبب قانوني يصدر من أي مستأجر آخر أو أي شخص تلقى الحق عن المؤجر)). كما نصت المادة 23/ الفقرة (7) من قانون ايجار العقار رقم 87 لسنة 1979 على ان: ((يعاقب بالحبس مدة لا تقل عن ستة أشهر ولا تزيد عن سنتين وبغرامه لا تقل مؤجر تعرض للمستأجر في الانتفاع بالمأجور دون وجه حق).
ويتضح مما سبق أن القانون يمنع المؤجر من التعرض الشخصي للمستأجر سواء كان تعرضاً مادياً أم قانونياً، ويعد من صور التعرض القانوني أن يدعي المؤجر بحق على العين بحيث يمنع المستأجر من الانتفاع بها، مثال ان يكون المؤجرغير مالك للعين ثم تملكها بعد الاجارة، فلا يستطيع في هذه الحالة أن يستند إلى حق ملكيته لينزع العين المؤجرة من تحت يد المستأجر، ومن ذلك أيضاً أن يظهر حق ارتفاق على الأرض المؤجرة لأرض أخرى مجاورة لها، ثم تؤول هذه الأرض بالميراث إلى المؤجر فيحاول استناداً إلى ملكية الأرض المجاورة أن يباشر حق الارتفاق على العين المؤجرة، ففي الأمثلة السابقة وامثالها لا يحق للمؤجر ان يخرج المستأجر من العين أو يخل بانتفاعه بها، لأن المؤجر ضامن لحق المستأجر في الانتفاع، فلا يجوز الاسترداد لمن وجب عليه الضمان.
أما التعرض المادي فهو أي فعل يعطل به المؤجر استعمال المستأجر للعين المؤجرة دون أن يستند في هذا إلى حق قانوني يبيح له ذلك، ومن امثلة ذلك أن يحدث المؤجر في العين المؤجرة تغييراً مادياً يخل بالانتفاع من دون ان تكون هناك ضرورة لذلك، فإن هذا الاحداث يعد تعرضاً مادياً يمتنع على المؤجر اجراؤه، ومن صور التعرض المادي أن يطلق المؤجر مواشيه للرعي في الأرض المؤجرة اوالقاؤه الأوساخ من الطابق الأعلى الذي يسكنه شخصياً على الطابق الأسفل المؤجر او قطع الماء او الكهرباء او المجاري عن العين المؤجرة، ومن صور التعرض تأجير العين المستأجر آخر أو التنازل عن حق ـ الانتفاع فيها.
وقد ثار الخلاف الفقهي بالنسبة لمنافسة المؤجر للمستأجر في مزاولة حرفة أو مهنة معينة، وهل يعتبر هذا صورة من صور التعرض المادي أم لا؟ فيرى بعض الباحثين أن الأصل في ذلك حرية المالك في استعمال ملكه كيف شاء، فإذا أجر لشخص شيئاً لينتفع به انتفاعاً معيناً فإن هذا لا يمنع المؤجر أن ينتفع هو الآخر بملكه كانتفاع المستأجر بالعين المؤجرة، فالذي يؤجر دكاناً لآخر لا يمتنع عليه أن يزاول نفس المهنة التي يزاولها المستأجر في دكان ملاصق للدكان المستأجر، لكن بعض الشراح يذهب إلى أن المؤجر لا يستطيع ممارسة انتفاع مشابه لانتفاع المستأجر بالعين المؤجرة في نفس الجهة وإلا اعتبر متعرضاً له. ولكن الراي المختار ان المؤجر يضمن عدم منافسة المستأجر إذا تعهد له بذلك صراحة أو ضمناً، وهو ان (المؤجر) يضمن عدم المنافسة التي لا يقصد بها سوى الاضرار بالمستأجر، لأن في ذلك اساءة لاستعمال الحق وهو ما نؤيده.
وضمان المؤجر لتعرضه الشخصي لا يقتصر على فعله هو بل يشمل جميع الأفعال التي قد تصدر من أتباعه حسبماجاء في المادة (٣٦) من قانون تنظيم العلاقة بين المؤجرين والمستأجرين اليمني التي نصت على انه: (على المؤجر أن يمتنع عن كل ما من شأنه أن يحول أو ينقص من انتفاع المستأجر بالعين المؤجرة ويضمن الأعمال التي تصدر منه أو من إتباعه أو أي تعد أو أضرار له يد فيها).
والقانون وإن لم يحدد معنى التابع. إلا أنه من المتفق عليه أن معنى التابع هذا أوسع من معنى التابع في المسؤولية التقصيرية، فالأتباع الذين يسأل عنهم المؤجر أكثر من الأتباع الذين يسأل عنه في المسؤولية التقصيرية، فيعتبر من اتباع المؤجر الوكيل والولي والوصي والقيم أي كل من ينوب عن المؤجر نيابة اتفاقية أو قانونية أو قضائية. ويعد من الاتباع كذلك الخلف الخاص للمؤجر وخلفه العام، كما يعتبر من الاتباع مستخدموا المؤجر وعماله والأصدقاء والضيوف والخدم وأفراد عائلة المؤجر.
ويشترط لقيام ضمان المؤجر عن فعل تابعيه الذين يسأل عنهم يشترط أن يقع الفعل من أحدهم بحكم ماله من صلة بالمؤجر وإلا فإنه لا يضمنه فإذا منع وكيل المؤجر أو عامله أو البواب المعين من قبله المستأجر من دخول العين المؤجرة أو حال دون استقبال زائريه أو دون وصول خطاباته ورسائله أو لو سرق البواب أمتعة المستأجر أو اشترك في سرقتها، فتعد هذه الأعمال تعرضاً صادراً من المؤجر شخصياً تستوجب ضمانه، أما إذا عهد المستأجر إلى بواب المنزل ادارة أمواله في أثناء غيابه فبدد البواب هذه الأموال أو أتلفها لم يضمن المؤجر ذلك، لأن هذا العمل قد جرى بالنظر إلى صفة البواب الشخصية، وليس بصفته من أعوان المؤجر في تنفيذ التزامه.
الوجه الخامس: ضمان التعرض للمستاجر الصادر من غير المؤجر:
وهو التعرض الذي يصدر من غير المؤجر اومن غير تابعيه، ويضمن المؤجر التعرض الذي يصدر من الغير، وذلك عند ادعاء الغير المتعرض الحق في العين المؤجرة، فيتعارض ذلك مع حق المستأجر.
اما إذا كان تعرض الغير ماديا لا يستند الى حق يدعيه الغير على العين المؤجرة، فلا يكون المؤجر مسؤولا عن هذا التعرض.
وفي هذا المعنى نصت المادة (٤٦) من قانون تنظيم العلاقة بين المؤجرين والمستأجرين اليمني على أنه: (لا يضمن المؤجر للمستأجر التعرض أو الاعتداء إذا صدر من الغير ولم يكن له يد فيه، وللمستأجر أن يلجأ إلى الوسائل اللازمة لحماية حقه )، فقد قرر هذا النص القاعدة العامة وهي عدم ضمان المؤجر للتعرض الصادر من الغير الا اذا كان ذلك التعرض قد صدر بسبب يرجع الى المؤجر.
ويتوجب على المؤجر فور علمه بوقوع هذا النوع من التعرض أن يقوم بدفع هذا التعرض، فإذا دفع المؤجر التعرض فلا مسؤولية عليه، ويحق لكل من المؤجر والمستأجر الرجوع على المعترض بالتعويض عن الضرر الذي لحق بهما.
أما في حال عدم تدخل المؤجر أو تدخله لكنه لم ينجح في دفع التعرض الواقع من الغير، مما حرم المستأجر من الانتفاع بالمأجور، جاز للمستأجر طلب التعويض أو الفسخ عما أصابه من ضرر.
وعندما يكون التعرض المادي صادراً من الغير ففي هذه الحالة يجب التفرقة بين حالتين: الحالة الأولي: أن يستند التعرض لحق يدعيه الغير وهنا يجب أن يضمن المؤجر هذا التعرض، والحالة الثانية: ألا يستند التعرض لأي حق وفي هذه الحالة يجوز للمستأجر مواجهته بجميع دعاوى الحيازة دون إخطار المؤجر، ولا يضمن المؤجر هذا التعرض.
فأعمال التعرض الصادرة من الغير لا يضمنها المؤجر إلا اذا كانت مبنية على سبب قانوني، فالمؤجر لا يضمن التعرض المادي من الغير اذا لم يكن مستند الى سبب قانوني بخلاف التعرض الشخصي الصادر من المؤجر، فهو ضامن له سواء كان قانونياً أو مادياً. ويستوي لقيام التعرض القانوني أن يحصل عن طريق فعل مادي يستند فيه المدعي إلى حق يدعي وجوده على المأجور كأن يبني في الأرض المؤجرة أو يزرعها مدعياً ملكيتها، أو أن له حق انتفاع أو حق ايجار، أو أن ينصب التعرض في شكل دعوى يرفعها المدعي طالباً ثبوت حق له مما يخل بانتفاع المستأجر، ولا يهم كون الحق غير قائم على أساس قوي فيستوي لقيام التعرض أن يكون قائماً على أساس ما أو لا أساس له على الاطلاق، ويستوي كذلك أن يكون الحق المدعى به حقاً عينياً أو شخصياً. ففي كل هذه الأحوال تقوم مسؤولية المؤجر عن التعرض الصادر من الغير.
وفي هذا الشأن نصت المادة (٣٩) من قانون تنظيم العلاقة بين المؤجرين والمستأجرين اليمني على انه: (إذا أدعى الغير حقاً في العين المؤجرة يتعارض مع حقوق المستأجر بمقتضى العقد وجب على المستأجر أن يبادر إلى إخطار المؤجر بذلك للدفاع عن حقوقه وكان له أن يخرج من الدعوى في هذه الحالة ولا توجه الإجراءات إلا إلى المؤجر، فإذا ترتب على هذا الادعاء حرمان المستأجر فعلاً من الانتفاع الذي له بموجب عقد الإيجار جاز له أن يطلب فسخ العقد أو إنقاص الأجرة بقدر ما نقص عليه من حقه أو التعويض.)
وكذا نصت المادة (٤٠) من القانون ذاته على انه: (إذا ترتب على عمل جهة حكومية في حدود القانون نقص كبير في الانتفاع بالعين المؤجرة جاز للمستأجر أن يطلب فسخ العقد، أو إنقاص الأجرة بقدر ما نقص من الانتفاع، وللمستأجر أن يطالب المؤجر بتعويض ما أصابه من ضرر إذا كان عمل الجهة الحكومية راجعاً إلى سبب يكون المؤجر مسئولاً عنه، وللمؤجر الرجوع على الجهة الحكومية بتعويض ما أصاب العين المؤجرة من ضرر إن كان لذلك مقتض).
وإلى ذلك أشارت المادة (754) مدني عراقي التي نصت على انه: (ولا يقتصر ضمان المؤجر على الأعمال التي تصدر عنه أو من أتباعه بل يمتد ـ هذا الضمان إلى كل تعرض مبني على سبب قانوني من أي مستأجر آخر أو من أي شخص تلقى الحق عن المؤجر).
فإذا حصل تعرض للمستأجر من الغير وجب عليه أن يبادر إلى أخطار المؤجر بذلك لكي يقوم بواجبه في دفعه، ولم يستلزم القانون شكلاً خاصاً لهذا الاخطار كذلك لم يحدد القانون موعداً يجب أن يتم الاخطار خلاله، ولكنه أوجب أن يقوم المستأجر بالإخطار في وقت ملائم يسمح للمؤجر بأن يدافع عن حقوقه وأن يباشر واجبه في دفع التعرض. فإذا لم يقم المستأجر بإخطار المؤجر بحصول التعرض، أو تأخر في هذا الاخطار فإنه يتحمل نتائج تقصيره، وعلى ذلك فإذا ثبت انه كان بإمكان المؤجر أن يدفع التعرض لو اخطر به في الوقت الملائم، فلا يحق للمستأجر أن يرجع عليه بالضمان لأنه فقد حقاً من الحقوق التي له على العين المؤجرة، بل أن للمؤجر في هذه الحالة أن يطالب المستأجر بتعويض عما لحقه من ضرر نتيجة لنجاح المتعرض في تعرضه، كما لو وضع شخص يده على العين المؤجرة مدعياً أنه مالكها، فلم يخطر المستأجر المؤجر بذلك بل اكتفى بترك العين للمتعرض، فالمؤجر في هذه الحالة يفقد حيازته للعين بسبب تقصير المستأجر.
أما لو ثبت أن المتعرض كان لا بد أن ينجح في دعواه ولو قام المستأجر بإخطار المؤجر في الوقت المناسب، أو كان المؤجر يعلم بالتعرض رغماً عن عدم اخطاره به، فإن عدم قيام المستأجر بالإخطار أصلاً، أو تأخره فيه لا يؤثر على حقه في الرجوع على المؤجر بالضمان.
وعلى كل حال فإن نتيجة الدعوى أما أن تكون في صالح المؤجر وفي هذه الحالة يثبت الحق للمستأجر في العين المؤجرة، وأما أن يكسب المدعي هذه النتيجة فيترتب لذلك ضمان الاستحقاق على المؤجر فيستطيع المستأجر أن يطالبه بالفسخ أو بانقاص الأجرة على حسب ظروف الدعوى التي أقامها مدعي الاستحقاق وبحسب نتيجة هذه الدعوى، فإذا زال الانتفاع تماماً أمكن الفسخ، وكذلك إذا نقص هذا الانتفاع بشكل كبير، أما إذا كان مقدار ما أصاب العين المؤجرة من الاستحقاق مما يقلل من الانتفاع بحيث لا يعيق المستأجر عن ممارسة الانتفاع بصورة جدية. فإنه (أي المستأجر) يستطيع أن يطالب بانقاص الأجرة بنسبة ما نقص من انتفاعه. ويثبت له في كل الأحوال مطالبة المؤجر بالتعويض عن الأضرار التي أصابته نتيجة للفسخ ونتيجة للتعرض الحاصل من مدعي الاستحقاق وذلك إذا أثبت على المؤجر أي خطأ أو اهمال بسبب مسؤوليته عن التعرض والاستحقاق.
أما بالنسبة للتعرض المادي فلا يضمنه المؤجر حيث لا علاقة له به، ويشترط لذلك أن يكون المتعرض من الغير، وأن يقع هذا التعرض بعد تسليم العين المؤجرة إلى المستأجر، لأن المؤجر طبقاً لالتزامه بالتسليم عليه أن يدفع التعرض الواقع قبل التسليم ولو كان تعرضاً مادياً، ويشترط أن يكون التعرض مادياً لا يقوم على اي سبب قانوني يدعيه الغير، كأن يرسل الغير ماشيته ترعى في الأرض المؤجرة دون أن يدعي حقاً في ذلك، أو يحرق زراعة المستأجر، أو يسرق منقولات المستأجر دون أن ينسب اهمال إلى المؤجر أو تابعيه في ذلك، أو يحدث اعتداء على العين المؤجرة، والحكمة من عدم ضمان المؤجر لهذا التعرض أنه لا يمكن أن ينسب إليه باي شكل، وقد يكون هو ضحيته إذا حدث اتلاف العين المؤجرة بسبب التعرض، بل قد يكون هو ضحية المستأجر، إذا كان التعرض بسبب خلافات بين المستأجر والمتعرض، وقد نصت المادة (٣٧) من قانون تنظيم العلاقة بين المؤجرين والمستأجرين اليمني على: (لا يضمن المؤجر للمستأجر الغصب والتعدي من الغير ويضمن الغاصب والمتعدي كل خسارة لحقت بالمستأجر أو المؤجر مع رفع أيديهما، ومع عدم الإخلال بما نص عليه قانون العقوبات، ولا يلزم المستأجر بالأجرة في مدة الغصب ما لم يكن متواطئاً أو متسبباً، ويكون للمؤجر الرجوع على الغاصب والمتعدي).
وكذلك أشارت المادة (755) مدني عراقي إلى حالة من حالات التعرض المادي الصادر من الغير فقد نصت على انه: (
1ـ إذا غصب المأجور ولم يتمكن المستأجر من رفع يد الغاصب، جاز أن يطلب فسخ العقد أو انقاص الأجرة.
2ـ فإذا قصر في رفع يد الغاصب، وكان ذلك ممكناً ولم ينذر المؤجر بوقوع الغصب فلا تسقط عنه الأجرة. وله أن يرفع على الغاصب الدعوى بالتعويض).
الوجه السادس: امكانية الاتفاق على تعديل احكام ضمان التعرض للمستأجر:
من المستقر إن جميع القواعد المتقدمة المتعلقة بضمان التعرض للمستأجر في انتفاعه بالعين المؤجرة لا تعد من النظام العام بل تعتبر مفسرة لإرادة المتعاقدين، حيث يجوز الاتفاق على خلافها تشديداً أو تخفيفاً أو اعفاءً. فيجوز أن يتفق المؤجر مع المستأجر على ألا يضمن إلا نوعاً معيناً من التعرض أو أن لا يضمن إلا التعرض المبني على سبب قانوني الصادر من أجنبي عنه، كما أنه يصح أن يشترط عدم ضمانة لتعرضه الشخصي مثلما يصح أن يشترط المستأجر على المؤجر ض ويأتي هذا النص تطبيقاً للقواعد العامة التي تقضي بأن الغش يفسد كل شيء والاتفاق على الاعفاء من الغش غير جائز لأنه مخالف للنظام العام.(الوجيز في العقود المسماة، د. سعيد مبارك و. طه ملا حويش ود. صاحب عبيد الفتلاوي، ٢٠١٦م، ص٢٧٣)
الوجه السابع: دعوى المستاجر بمنع تعرض المؤجر له في انتفاعه بالعين:
يستخدم المستأجر ضمان عدم التعرض بطريقين:
الطريق الأول: دعوى منع تعرض مستعجلة سواءً كان التعرض من المؤجر أو من الغير، ويراعى في هذه الدعوى توفر شروط القضاء المستعجل الواردة في قانون المرافعات ومنها خشية فوات الوقت والوقتية او عدم المساس باصل الحق والجدية،، وينبغي عند رفع الدعوى لمواجهة التعرض الصادر من الغير يجب اختصام المؤجر لكونه ملزماً بدفع هذا التعرض.
الطريق الثاني: الطلب العارض الذي يقدمه المستأجر امام قاضي الموضوع الذي ينظ الدعوى الموضوعية شريطة ان تتوفر في هذا الطلب شروط الطلب العارض المقررة في قانون المرافعات.
وتخضع دعوى منع التعرض سواءً رفعت أمام القضاء المستعجل أو الموضوعي تخضع للقواعد العامة في قانون الإثبات، فعلى الدائن إثبات الالتزام وعلى المدين إثبات التخلص منه.
واذا كان المؤجر قد رفع دعوى كيدية بالمستأجر مدعيا بانه لم يسدد الاجرة او اخل بالتزاماته التي تجيز للمؤجر ان يطلب انهاء العقد قبل انتهاء مدته وكانت هذه الدعوى كيدية اي غير صحيحة فعندئذ يحق للمستأجر المطالبة بالتعويض لإساءة المؤجر استخدام حق التقاضي عملاً بما ورد في قانون المرافعات، ويمكن بدلاً من رفع دعوى منع تعرض مستقلة أن يقدم كطلب عارض في الدعوى الكيدية عملاً بما جاء في قانون المرافعات.
يمكن للمستأجر في جميع الحالات أن يرجع على المتعرض بالتعويض، وتختلف حالات المسئولية في هذا الشأن، فعندما يكون التعرض من المؤجر فيمكن للمستأجر أن يطالبه بالتعويض عملاً بأحكام المسئولية العقدية، لان التعرض في هذه الحالة صورة من صور الإخلال بالعقد، فإذا سببت ضرراً وتوافرت بينهما علاقة السببية يستحق المستأجر تعويضاً عن هذا التعرض.
اما اذا كان التعرض قد صدر من غير المؤجر فيمكن للمستأجر أن يرجع على المتعرض على اساس قواعد المسئولية التقصيرية لتعويضه عن هذا التعرض، فالخطأ هنا لا يقوم على مخالفة عقد بل على مجرد فعل غير مشروع حقق ضرراً وتوافرت بينهما علاقة السببية مما يوجب تعويض المستأجر.
ويشمل حق التعويض التعويض عن فقدان المستأجر حقه المشروع والطبيعي في الانتفاع بالعين، وكذلك تعويضه عما فات من كسب وما لحق من خسارة، عملاً بقواعد التعويض المقررة في القانون المدني.(التعليق على أحكام المحكمة العليا في مسائل الإيجار الجزء الرابع، أ. د. عبد المؤمن شجاع الدين، مكتبة الصادق جولة جامعة صنعاء الجديدة، ص١٢٩)، والله أعلم.