فسخ بيع النصيب الشائع في المبنى

فسخ بيع النصيب الشائع في المبنى

أ.د/ عبد المؤمن شجاع الدين
الأستاذ بكلية الشريعة والقانون – جامعة صنعاء.

اجاز جمهور الفقهاء للشريك او الوارث ان يبيع نصيبه الشائع في التركة الشائعة كلها او ان يبيع نصيبه الشائع في مال معين من اموال التركة الشائعة او الشركة الشائعة، وقد اخذ القانون المدني بقول الجمهور في هذه المسالة فأجاز بيع الحصة الشائعة في المبنى او العمارة، ولا ريب ان المبيع ألشائع له طبيعته الخاصة التي تميزه عن المبيع المعين المفرز.
 لان المشتري للمبيع الشائع يكون عند ابرام العقد عالما بالمبيع الشائع علما نافيا للجهالة، ومن ذلك علم المشتري بتفاصيل الحصة الشائعة في البناء وعلمه بإمكانية انتفاعه بالحصة الشائعة بالمبيع وجدوى ذلك، وكيفية استلامه للمبيع والمخاطر التي تحيط بهذا البيع، إذ قد تحدث ظروف او اشكاليات عدة بعد ابرام عقد بيع الحصة الشائعة في المبنى، فتحول هذه الظروف والاشكاليات دون استلام المشتري للحصة المبيعة الشائعة او انتفاعه بها، مما يجعل فسخ البيع واسترداد المشتري للثمن والبائع للمبيع هو السبيل الوحيد لحل الاشكال. حسبما قضى الحكم الصادر عن الدائرة التجارية بالمحكمة العليا في جلستها المنعقدة بتاريخ ٢٨/٣/٢٠١١م في الطعن رقم (٤٤١١٧)، فقد ورد ضمن أسباب الحكم المشار إليه: (وحيث ان محل المبيع نصيب المطعون ضده الشائع في العمارة، وحيث تعذر استلام المشتري الطاعن للمبيع الشائع لذلك فلا سبيل الا ان يسترد المشتري المبيع الشائع)، وسيكون تعليقنا على هذا الحكم حسبما هو مبين في الاوجه الاتية: 

الوجه الاول: جواز بيع النصيب الشائع في المبنى:

 نصت المادة (494) من القانون المدني اليمني على أنه: (يصح بيع حصة شائعة لشريك أو لغيره).
 فهذا النص أجاز صراحة للشريك أو الوارث في العقار أو المبنى أن يبيع نصيبه حصته الشائعة في المنى لأحد الورثة أو الشركاء الاخرين في المبنى أو لغيرهم، ولا عيب في ذلك، لان الفقه الاسلامي متفق على جواز بيع الشخص لحصته الشائعة أو نصيبه الشائع لحاجة الشريك أو الوارث الملحة للمال مع خشية الوارث أو الشريك من إطالة اجراءات القسمة أو تصفية الشراكة التي تستغرق وقتا طويلا في غالب الأحوال سيما في اليمن، في الوقت الذي يكون فيه الوارث أو الشريك في مسيس الحاجة الى المال، فعندئذ يجوز له بيع نصيبه او حصته الشائعة استثناء من الاصل، وهو انه يجب أن يكون المبيع معينا ومفرزا حتى يتمكن المشتري من استلامه وحيازته. (فقه المعاملات المالية وتطبيقاتها المعاصرة، أ. د. عبد المؤمن شجاع الدين، مكتبة الصادق جولة جامعة صنعاء الجديدة، ٢٠٢١م، ص١٤٢).

الوجه الثاني: مفهوم النصيب او الحصة الشائعة في المبنى: 

المقصود بالحصة الشائعة أنها شائعة في كل أنحاء المبنى، فليست مفرزة أو معينة في جزء من المبنى أو ناحية من نواحيه أو طابق أو شقة، وإنما هي شائعة في كل مكونات المبنى بدءاً من الأرض التي يقوم عليها المبنى المشترك حتى علو المبنى.
 فالحصة أو النصيب الشائع في البناء هي تلك الحصة التي تتحدد كنسبة معينة في البناء ككل كنصف البناء أو ربع البناء أو خمس البناء أو سدس البناء أو عُشر البناء وهكذا، فربع المبنى أو خمسه ...الخ ليس مفرزاً أو معينا وإنما شائع في كل أرجاء المبنى.

الوجه الثالث: كيفية أستلام المشتري للنصيب الشائع في المبنى: 

الاصل المقرر في الفقه الاسلامي والقانون المدني ان تسليم البائع لنصيبه المبيع الشائع في المبنى يتم عن طريق قيام البائع بتسليم المستندات التي تثبت ملكية البائع لنصيبه باعتبار هذه المستندات منقولات يتم تسليمها الى المشتري تسليما فعليا، اما تسليم النصيب الشائع في المبنى فانه يتم عن طريق التخلية، ويعبر عنها الفقهاء بقول البائع للمشتري: نصيبي في العمارة صار لك او: دونك نصيبي في المبنى او العمارة، لان العقار يتعذر تسليمه كالمنقول.
وبما أن بيع النصيب الشائع صحيح ونافذ وفقاً للمادة (494) مدني التي نصت على أنه: (يصح بيع حصة شائعة لشريك أو لغيره).
 لذلك فانه يترتب على عقد بيع النصيب الشائع في المبنى إنتقال المبيع وهو النصيب الشائع في المبنى انتقاله من الوارث أو الشريك البائع الى المشتري، فتصير الحصة الشائعة في المبنى ملكاً المشتري لها، وبموجب ذلك يحل المشتري محل الوارث أو الشريك البائع في ملكية الحصة الشائعة في المبنى، فتؤول إلى المشتري كافة الحقوق والمزايا المقررة للوارث أو الشريك البائع في الحصة الشائعة، فيحق للمشتري الانتفاع بالحصة الشائعة أو التصرف فيها.

الوجه الرابع: تعذر استلام النصيب الشائع في المبنى المشترك وتعذر الانتفاع به: 

يتعذر على المشتري إستلام وحيازة المبيع الشائع في المبنى المشترك المملوك للشيوع بين ورثة او شركاء عدة بسبب طبيعة المنى الشائع بين عدة اشخاص.
إضافة الى انه قد يتعذر على المشتري للنصيب الشائع الانتفاع المشترك والمتساوي والعادل بالمبيع لعدة اسباب من اهمها طبيعة المبني الذي قد يكون غير قابل لقسمة الانتفاع بين جميع الورثة أو الشركاء على الشيوع في المبنى، كما قد يرفض غالبية الورثة او الشركاء تاجير المبنى او بيعه مثلما حصل في القضية التي تناولها الحكم محل تعليقنا، وعندئذ تتخلف الغاية التي كان يبتغيها المشتري، وعندئذ لم يبق من سبيل الا فسخ البيع واستداد المشتري للثمن الذي دفعه والبائع لنصيبه الشائع مثلما قضى الحكم محل تعليقنا.

الوجه الخامس: فسخ عقد بيع النصيب الشائع في المبنى: 

اذا تعذر استلام المشتري للمبيع الشائع وتعذر انتفاعه بالمبيع، فلا سبيل عندئذ من فسخ هذا البيع، وقد يتم الفسخ بالتراضي فيما بين البائع والمشتري، واذا وقع الخلاف بينهما في هذا الشان فيحق للمشتري ان يطلب من القاضي الحكم بانهاء العقد.
واذا تم الفسخ فانه يترتب عليه التراد اي عودة البائع والمشتري الى الحالة التي كانت قائمة بينهما قبل ابرام العقد، فيلتزم البائع برد الثمن، بيد انه لا يلزم البائع تعويض المشتري، لانه كان يعلم ان المبيع شائع، وتبعا لذلك فانه كان يعلم بانه من المتوقع ان لا يستلم المبيع او ينتفع به.

الوجه السادس: ضمان الدرك الشرعي في عقد بيع النصيب الشائع في المبنى: 

من المعلم ان المشتري للنصيب الشائع في المبنى كان يعلم عند ابرام عقد البيع انه من المرجح او المحتمل ان لا يتمكن من استلام المبيع او الانتفاع به نظرا لطبيعة المبيع الشائع غير المفرز وغير المعين، ومع ذلك يقدم المشتري على الشراء.
، ومن المعلوم ان القانون قد قرر ضمان الدرك في البيع إذ نصت المادة (545) من القانون المدني اليمني على أنه: (إذا ضمن البائع ضمان الدرك واستحق المبيع للغير فعلى البائع ضمان الرقبة بقيمتها المدفوعة وضمان الغلة وضمان ما غرمه المشتري، ويدخل في ذلك فرق العملة في غير الربويات المنصوص عليها فيما يتعلق بالعملة). 
 ومن خلال استقراء النص القانوني السابق يظهر أن ضمان الدرك هو التزام البائع بأن العين المبيعة ملك خاص به وخالص له، وليست ملكا شائعاً أو مختلطاً بمال الغير، وانه لا ينازعه أحد في العين المبيعة، ومفاد ذلك أن البائع يضمن للمشتري إرجاع ثمن المبيع وملحقاته وغلات العين المبيعة من تاريخ البيع حتى تاريخ إرجاع الثمن، بالإضافة إلى فارق سعر العملة التي دفعها المشتري ما بين تاريخ دفع الثمن حتى تاريخ إرجاع الثمن. 
فالغرض والغاية من عقد البيع هو انتقال العين المبيعة من البائع إلى المشتري صحيحة سليمة لا نزاع فيها، فذلك هو المقصود من عقد البيع، ومن المعلوم أن الفقه الإسلامي قد ذهب إلى عدم جواز الشرط الذي يتنافى مع مقصود العقد، وتبعاً لذلك لا يجوز للبائع أن يشترط عند البيع أنه لا يضمن الدرك الشرعي بحسب المفهوم السابق بيانه. 
وقد أخذ القانون المدني اليمني بما ذهب إليه الفقه الإسلامي بعدم جواز اشتراط البائع عدم ضمان الدرك الشرعي، وفي هذا المعنى نصت المادة (460) من القانون المدني اليمني على أنه: (لا يصح البيع بالشرط الباطل وهو ما ليس من مقتضيات العقد ويعارضه ولا جرى به العرف، فيلغوا العقد والشرط معاً في هذه الأحوال)، كما نصت المادة (544) مدنى على أنه: (لا يجوز للمتعاقدين أن يتفقا على عدم ضمان البائع لثمن المبيع عند إستحقاق الغير له، ويكون البيع غير صحيح ولو كان المشتري يعلم وقت البيع بسبب الإستحقاق).
فما سبق يتم تطبيقه في بيع المبيع المفرز المعين، وكذا يتم تطبيقه في المبيع ألشائع بحسب طبيعته الخاصة التي تميزه عن المبيع المعين المفرز، ولذلك فان البائع للمبيع الشائع يضمن ضمان الدرك ان النصيب الشائع محل البيع مملوك له وانه موجود وانه لم يسبق له بيعه او التصرف فيه.
فاذا لم يتمكن المشتري من الحصول على المبيع الشائع والانتفاع به مع وچود هذا المبيع وصحته فان هذا المبيع لم يختل او ينتكل او يختلف، اما اذا لم يتمكن المشتري من الانتفاع به، فاذا كان سبب عدم التسليم والانتفاع يرجع الى معارضة الورثة او الشركاء الاخرين (التعرض القانوني) فان البائع يضمن هذا التعرض بخلاف اذا كان هذا التعرض من قبيل (التعرض المادي) من الغير، فان البائع لا يضمن ذلك الا اذا كان التعرض منه او من تابعيه، وحيث كان التعرض ماديا من الغير في القضية التي تناولها الحكم محل تعليقنا فقد قضى الحكم بأنهاء العقد والتراد بين البائع والمشتري ولم يحكم بالتعويض او فارق العملة وغير ذلك، فأقصى ما يضمن البائع لنصيبه الشائع هو وجود هذا النصيب وقدره او نسبته في المال الشائع وعدم سبق تصرفه في نصيبه.
وعلى هذا الاساس فان عقد بيع الحصة او النصيب الشائع له طبيعته الخاصة التي تؤثر في نطاق ضمان البائع. (التعليق على احكام المحكمة العليا في مسائل البيع، أ.د. عبد المؤمن شجاع الدين، مكتبة الصادق جولة جامعة صنعاء الجديدة ٢٠٢٥م، ص١١٢)، والله أعلم.

غلاف مقال قانوني بعنوان فسخ بيع النصيب الشائع في المبنى لمدونة الأستاذ الدكتور عبدالمؤمن شجاع الدين
فسخ بيع النصيب الشائع في المبنى - مدونة الأستاذ الدكتور عبدالمؤمن شجاع الدين
تعليقات