إفصاح الحكم عن مصدر الدليل

إفصاح الحكم عن مصدر الدليل

أ.د/ عبد المؤمن شجاع الدين
الأستاذ بكلية الشريعة والقانون – جامعة صنعاء.

من أهم المبادئ الحاكمة للمحاكمة حياد القاضي وعدم جواز الحكم بالعلم الشخصي للقاضي، ومن مقتضيات ذلك: أنه لا يجوز للقاضي أن يستخلص دليلاً من فهمه او علمه الشخصي.
 وتطبيقا لذلك يجب على القاضي عند تسبيب الحكم ان يفصح عن المصدر الذي استمد منه الدليل الذي استند اليه في حكمه، بمعنى انه يجب على القاضي عند صياغته لأسباب الحكم ان يبين ضمن اسباب الحكم من اين جاء بالدليل الذي استند اليه في حكمه اي انه يجب عليه ان يذكر فحوى الدليل ومكان وجوده بالضبط في اوراق القضية.
ويجب ان يكون المصدر التي اخذ منه القاضي الدليل ثابتا ضمن اوراق القضية المتضمنة ادلة الخصوم ومرافعاتهم وطلباتهم واوجه دفاعهم، فاذا استند حكم محكمة الموضوع الى دليل وابان عن مصدره وفحواه، وكان مصدر هذا الدليل ثابت في اوراق القضية، فان ذلك من صلاحيات قاضي الموضوع باعتبار ذلك من مظاهر السلطة التقديرية لمحكمة الموضوع، فلا تثريب عليها في ذلك، حسبما قضى الحكم الصادر عن الدائرة التجارية بالمحكمة العليا في جلستها المنعقدة بتاريخ ٢٨/٣/٢٠١١م في الطعن رقم (٤٤١١٧)، فقد ورد ضمن أسباب الحكم المشار إليه: (فان هذا النعي غير مقبول، فالقاعدة في هذا الصدد ان محكمة الموضوع السلطة التقديرية في ذلك طالما افصحت عن مصدر الدليل وفحواه، وكان له مأخذ صحيح من الاوراق، فهو مما يدخل في سلطة المحكمة التقديرية، ولا تثريب عليها فيما توصلت اليه، فيضحى نعي الطاعن على حكمي محكمتي الموضوع في غير محله)، وسيكون تعليقنا على هذا الحكم حسبما هو مبين في الاوجه الاتية:

الوجه الاول: المقصود بالدليل الذي يجب على المحكمة الافصاح عنه في حكمها:

الدليل او الادلة هي يستند الخصوم لأثبات طلباتهم او نفيها، وهي في الوقت التي تستند اليها المحكمة في قضائها بصحة الطلب او رفضه.
والادلة حددها قانون الاثبات وهي: شهادة الشهود والاقرار واليمين والقرائن القانونية والقضائية واعمال الخبرة والمعاينة والكتابة او المحررات واستجواب الخصوم.
ويقوم القاضي باستخلاص هذه الادلة من اوراق القضية المنظورة امامه التي تتضمن كل الادلة المثارة امام القاضي، ولا يقوم القاضي باستخلاص الادلة إلا بعد حجزه للقضية للحكم فيها ودراسته لملف القضية تمهيدا للحكم فيها.
والقاضي ملزم بحكم القانون بان يتقيد في بحثه واستناده للدليل متقيد بما ورد في اوراق القضية، فلا يجوز له البحث او الاستناد الى ادلة لا وجود لها في اوراق القضية والا كان الحكم باطلا.

الوجه الثاني: معنى مصدر الدليل: 

ذكرنا فيما سبق ان محاضر جلسات المحاكمة ترصد وتسجل كل الدعاوى والطلبات واوجه الدفاع والادلة التي يستدل بها الخصوم، ولذلك فان ادلة الخصوم تكون مثبتة او مشار اليها في اوراق القضية التي يضمها ملف القضية.
فالأدلة قد تكون مذكورة في المذكرات المقدمة من الخصوم اوقد يتم ارفاقها بتلك المذكرات وكذا قد تكون الادلة مثبتة في تقارير الخبراء ومحاضر المعاينة، ووفقا لقانون المرافعات فان محاضر جلسات المحاكمة تتضمن بعض هذه الادلة كشهادة الشهود كما ان هذه المحاضر تتضمن الاشارة الى بعض ادلة الخصوم كأقوال الخصوم في الاستجواب والمرافعات الشفهية، كما ان تلك المحاضر تتضمن الاشارة الى المذكرات والتقارير المقدمة المتضمنة ادلة الخصوم والمقدمة الى المحكمة اثناء اجراءات المحاكمة.
وصفوة القول في هذا الشأن ان مصادر الدليل الذي يستند اليه القاضي في حكمه هو اوراق القضية مثل محاضر جلسات المحاكمة والمذكرات المقدمة من الخصوم وتقارير الخبراء ومحاضر المعاينة، وكلها مجموعة في ملف القضية المنظورة امام القاضي.

الوجه الثالث: المقصود بإفصاح الحكم عن مصدر الدليل: 

المقصود بإفصاح الحكم عن مصدر الدليل هو بيان الورقة من اوراق القضية التي رجع اليها القاضي واستخلص منها الدليل الذي استند اليه في حكمه، ومقتضى ذلك انه يجب على القاضي ان يذكر في أسباب الحكم فحوى او مضمون الدليل وبيانات الورقة المذكور فيها الدليل مثل نوع الورقة وتاريخها والاشارة الى انها موجودة في ملف القضية حتى يكون للدليل والتسبيب اصل في اوراق القضية مثلما قضى الحكم محل تعليقنا. (التعليق على احكام المحكمة العليا في مسائل الطعن بالنقض، أ.د. عبد المؤمن شجاع الدين، مكتبة الصادق جولة جامعة صنعاء الجديدة ٢٠٢٦م، ص٣٦٩)، والله اعلم.
صورة تعبيرية لمقال إفصاح الحكم عن مصدر الدليل في مدونة الدكتور عبدالمؤمن شجاع الدين تظهر ميزان العدالة وكتباً قانونية ومطرقة القضاء
إفصاح الحكم عن مصدر الدليل - مدونة الأستاذ الدكتور عبدالمؤمن شجاع الدين
تعليقات