علاقة العادات بالقانون

علاقة العادات بالقانون

صرح القانون اليمني بان يتم العمل بالعادة او العرف اذا لم يكن هناك نصا في الشريعة او القانون، وفي هذا المعنى نصت المادة (1) مدني على انه: (يسري هذا القانون المأخوذ من أحكام الشريعة الإسلامية على جميع المعاملات والمسائل التي تتناولها نصوصه لفظا ومعنى، فإذا لم يوجد نص في هذا القانون يمكن تطبيقه يرجع الى مبادئ الشريعة الإسلامية المأخوذ منها هذا القانون،فاذا لم يوجد حكم القاضي بمقتضى العرف الجائز شرعا فاذا لم يوجد عرف فبمقتضى مبادئ العدالة الموافقة لأصول الشريعة الاسلامية جملة, ويستأنس براي من سبق لهم اجتهاد من علماء فقه الشريعة الاسلامية ويشترط في العرف ان يكون ثابتا ولا يتعارض مع مبادئ الشريعة الاسلامية والنظام العام والآداب العامة).

 وفي هذا السياق نصت المادة (12) مدني على ان: (الاصل في المعاملات وانواعها وكيفيتها ما اقره الشرع ثم ما جرى به عرف الناس وتراضوا عليه ما لم يخالف حكم الشرع من تحليل حرام او تحريم حلال واذا اجتمع التحليل والتحريم غلب جانب التحريم وكل حكم مبني على عرف او عادة يتغير بتغير ذلك العرف ويزول بزوال تلك العادة).

والظاهر ان القانون اليمني يفرق بين العرف والعادة من حيث اللفظ اما حكمهما فهو واحد، وقد اختلف فقها ء الشريعة والقانون المتقدمون والمتأخرون بشان التفرقة بين العادة والعرف، وان كان جمهور الفقه الاسلامي لايفرق بينهما، بيد ان القانون اليمني قد اشترط للعمل بالعادة او العرف ان لا يخالف نصا في الشريعة والقانون، حسبما قضى الحكم الصادر عن الدائرة التجارية بالمحكمة العليا في جلستها المنعقدة بتاريخ ١٢-١-٢٠١٠م، في الطعن رقم (٤٢١٣٦)، فقد ورد ضمن أسباب الحكم المشار إليه: (اما قول الطاعن ان مثل ذلك التسجيل معمول به في الجهة المنفذة لقانون الحق الفكري -يقصد وزارة الصناعة والتجارة- فلا صحة لذلك، وعلى فرض التسليم بذلك القول، فالعمل بحكم العادة لا يثمر المشروعية، فالقاعدة القانونية تسري احكامها على الكافة وايما عمل يخالف القانون فهو مردود ولا يعول عليه)، وسيكون تعليقنا على هذا الحكم حسبما هو مبين في الاوجه الاتية: 

الوجه الأول: العرف والعادة في القانون اليمني والقوانين الاخرى: 

صرح القانون اليمني بان يتم العمل بالعادة او العرف اذا لم يكن هناك نصا في الشريعة او القانون، وفي هذا المعنى نصت المادة(1) مدني على انه: (يسري هذا القانون المأخوذ من أحكام الشريعة الإسلامية على جميع المعاملات والمسائل التي تتناولها نصوصه لفظا ومعنى، فإذا لم يوجد نص في هذا القانون يمكن تطبيقه يرجع الى مبادئ الشريعة الإسلامية المأخوذ منها هذا القانون،فاذا لم يوجد حكم القاضي بمقتضى العرف الجائز شرعا فاذا لم يوجد عرف فبمقتضى مبادئ العدالة الموافقة لأصول الشريعة الاسلامية جملة, ويستأنس براي من سبق لهم اجتهاد من علماء فقه الشريعة الاسلامية ويشترط في العرف ان يكون ثابتا ولا يتعارض مع مبادئ الشريعة الاسلامية والنظام العام والآداب العامة).

 وفي هذا السياق نصت المادة(12) مدني يمني على ان: (الاصل في المعاملات وانواعها وكيفيتها ما اقره الشرع ثم ما جرى به عرف الناس وتراضوا عليه ما لم يخالف حكم الشرع من تحليل حرام او تحريم حلال واذا اجتمع التحليل والتحريم غلب جانب التحريم وكل حكم مبني على عرف او عادة يتغير بتغير ذلك العرف ويزول بزوال تلك العادة).

والظاهر ان القانون اليمني يفرق بين العرف والعادة من حيث اللفظ اما حكمهما فهو واحد، كما يظهر ان القانون اليمني قد جعل العرف مرجعا للعمل به وذلك بعد الشريعة الاسلامية مباشرة في حين ان القوانين الاخرى قدمت مبادئ العدالة على العرف.

 وقد وردت في القوانين المدنية العربية نصوصا مشابهة لما ورد في القانون، فمثلا نصت المادة (2) من القانون المدني الاردني على ان: (١- تسري نصوص هذا القانون على المسائل التي تتناولها هذه النصوص بألفاظها ومعانيها ولا مساغ للاجتهاد في مورد النص.

2_ فاذا لم تجد المحكمة نصا في هذا القانون حكمت بأحكام الفقه الإسلامي الأكثر موافقة لنصوص هذا القانون، فان لم توجد فبمقتضى مبادئ الشريعة الإسلامية

3_ فان لم توجد حكمت بمقتضى العرف، فان لم توجد حكمت بمقتضى قواعد العدالة، ويشترط في العرف أن يكون عاما وقديما ثابتا ومطردا ولا يتعارض مع أحكام القانون أو النظام العام أو الآداب. أما إذا كان العرف خاصا ببلد معين فيسري حكمه على ذلك البلد.

 4_ ويسترشد في ذلك كله بما أقره القضاء والفقه على أن لا يتعارض مع ما ذكر).

ونستنتج من هذا النص القانوني أن القانون لم يتجاهل الأعراف التي اعتاد عليها المجتمع، وجعلها موضوع للأخذ بها في القانون الأردني في حال عدم وجود نص قانوني للواقعة المعروضة على القضاء ولا في أحكام الفقه الإسلامي ومبادئ الشريعة الإسلامية، فيتم الرجوع إلى العرف السائد والحُكم بناءً عليه.

لا يجوز أن يتعارض العرف مع التشريعات القائمة أو المبادئ الأساسية في الدولة. ويهدف هذا الشرط إلى استبعاد العادات الضارة أو المخالِفة للنظام الاجتماعي من دائرة العرف الملزم، فالعرف المخالف للنظام العام أو الآداب هو عرف فاسد لا يجوز اتباع حكمه.

وقد عرفت بعض الجماعات القديمة والمعاصرة صورًا متعددة من العادات السيئة التي أخذت مجراها في حياة الأفراد، مثل وأد البنات في الجاهلية، ومن العادات السيئة المعاصرة عادةُ الأخذ بالثأر في بعض المناطق. ويأتي شرط عدم مخالفة النظام العام والآداب ليُبقي تلك العادات السيئة، التي قد تسود في مجتمع معين، خارجَ نطاق العرف الملزِم قانونًا؛ والنظام العام مفهوم نسبي يتغير حسب الزمان والمكان، فما يُعد من النظام العام في مكان قد لا يعد كذلك في مكان آخر، كما أن بعض ما يُعد من النظام العام في العصر الراهن لم يكن كذلك في العصور السابقة.

ومع توسع دور التشريع والتقنين في العصر الحديث، فقد ظل العرف مصدرًا رسميًا للقانون في جميع الأنظمة، مع اختلاف منزلة العُرف بين الشرائع الحديثة، إذ تُساوِي بعض الأنظمة بين العُرف والتشريع، في حين ترى الأكثرية أنّ العُرفَ يأتي في مرتبة ثانوية بعد التشريع.

ففي النظام اللاتيني، يحتل العرف مرتبة ثانوية بعد التشريع، لكنه يظل مصدرًا رسميًا ملزمًا، ويُطبق عند غياب النصوص التشريعية. ويُعد العرف مصدرًا رسميًا احتياطيًا للقاعدة القانونية في معظم القوانين الحديثة، فيُرجع إليه عند غياب نص تشريعي صريح. فعلى سبيل المثال، في القوانين المدنية اليمني والاردني والسوري والمصري، يُقدم القانون على العرف، ويُحتكم إلى العرف فقط عند سكوت النصوص.

وقد نصّت المادة الأولى من القانون المدني السوري على ما يلي: "تسري النصوص التشريعية على جميع المسائل التي تتناولها هذه النصوص في لفظها أو في فحواها، فإذا لم يوجد نص تشريعي، حكم القاضي بمقتضى العرف، فإذا لم يوجد فبمقتضى مبادئ الشريعة الإسلامية، فإذا لم توجد فبمقتضى مبادئ العدالة". وتقابلها المادة الأولى من القانون المدني القطري، والمادة الأولى من القانون المدني المصري، مع اختلاف في ترتيب المصادر، حيث جعل المشرِّع المصري العرفَ في المرتبة الثانية والشريعة الإسلامية في المرتبة الثالثة.

أما في النظام الأنكلوسكسوني، مثل القانون الإنكليزي والأميركي، فقد شكَّل العرف أساسَ المنظومة القانونية في بدايتها، ولا يزال يؤدي دورًا بارزًا من خلال ما يُعرف بالقانون العام (Common Law) الذي يرتكز على منظومة قضائية تاريخية تقوم على السوابق القضائية والعادات القديمة، ويُعد العرف مصدرًا مباشرًا للقاعدة القانونية في هذا النظام ويُشترَط لاستخلاص القواعد العرفية أن تكون القاعدة العرفية قديمةً تعود إلى عدة قرون، وأن تكون ثابتة ومستقرة، ولا تقوم على مجرد التسامح، وألا تكون منافية للعدل والأخلاق والصالح الاجتماعي.

ويتباين دور العُرف وأهميته من فرع إلى آخر من فروع القانون؛ ففي القانون الجزائي ينعدم تأثير العُرف نظرًا لاعتماد هذا الفرع على مبدأ "لا جريمة ولا عقوبة إلا بنَص"، ويقل دوره في القانون المدني مقارنة بالفروع الأخرى، إلا أنه يحتفظ بأهمية في القانون الدستوري، والقانون الإداري، والقانون الدولي العام، والقانون التجاري.

ففي القانون المدني، يُستخدم العُرف لتفسير العقود أو لتحديد الالتزامات غير المنصوص عليها صراحة، مثل تحديد مكان التسليم أو طريقة الوفاء بالالتزامات. فعلى سبيل المثال، إذا لم يحدد العقد مكان تسليم المبيع، يُفترض أن يتم وفق العُرف السائد في محل إبرامه، إذ تنص المادة 431 من القانون المدني السوري على أنه "إذا لم يُعيِّن الاتفاق أو العرف مكانًا أو زمانًا لتسليم المبيع، وجب على المشتري أن يتسلمه في المكان الذي يوجد فيه المبيع وقتَ البيع، وأن ينقله دون إبطاء، إلا ما يقتضيه من زمن".

وفي القانون الدولي، يعدّ العرف من المصادر الأساسية للتشريع، إذ تستند العديد من قواعد هذا القانون إلى ممارسات دولية متكررة ومستقرة عبر الزمن. وما زالت بعض قواعد القانون الدولي تحتفظ بطابعها العرفي، إذ تتشكل من السلوك المنتظم للدول في ممارساتها المتبادلة، سواء في العلاقات بين الدول نفسها أو في تعاملاتها مع المنظمات الدولية. ويكسب هذا العرف طابعًا ملزمًا بمجرد أن تتوفر شروط الاستمرارية والاعتقاد بالوجوب القانوني لدى المجتمع الدولي مثل قاعدة عدم التدخل في شؤون الدول واحترام الحصانات الدبلوماسية، إذ نشأت في الأصل من أعراف دولية استقرت مع الزمن قبل أن تُدوَّن في المعاهدات.

وفي القانون التجاري يعدّ العرف من أهم المصادر في هذا المجال، لأن التعاملات التجارية تتطوّر بسرعة تفوق قدرة التشريع على مواكبتها، ومن أمثلة الأعراف التجارية اعتماد أسعار السوق السائدة، أو طريقة احتساب الفوائد بين التجار، أو تحديد آجال الدفع.

أما في القانون الإداري والدستوري، فتظهر الأعراف في شكل ممارسات سياسية مستقرة، مثل الأعراف الدستورية في الأنظمة البرلمانية، المتمثلة في تعيين رئيس الوزراء من حزب الأغلبية، أو التوقيع الملكي الشكلي على القوانين. (أصول القانون أو المدخل لدراسة القانون. العلامة الاستاذ الدكتور المرحوم احمد عبد الرزاق السنهوري، القاهرة: مطبعة لجنة التأليف والنشر والترجمة، 1950، ص١٧٤، و النظرية العامة للقانون.، د. سمير عبد السيد تناغو: منشأة المعارف، الاسكندرية 1974م، ص٤٧١).

الوجه الثاني: ماهية العادة: 

العادة لغة: مأخوذة من العود والمعاودة، وهو التكرار.

اما الفقه فقد اختلف في تعريف العادة اختلافا كبيرا فمن الفقهاء من عرف العادة بانها: ما اعتاد الناس عليه، وتكرر منهم فعله، سواءً كانت تختص بأفراد أو جماعات.

ومن الفقهاء من يعرف العادة بانها: الأمر المتكرر عند أغلب الناس، أو عند بعضهم، حتى يكون متقبلا غير مستنكر ولا مستغرب.

 وبعض الفقهاء المعاصرين يعرف العادة بانها: اعتياد الناس على أمر ما دون أن يتولد الشعور لديهم بأن هذا الأمر ملزم لهم مثل دفع (البخشيش) في المطاعم والفنادق.

 ويذهب بعض الفقهاء الى ان العادة هي: اعتياد الناس على أمر ما دون أن يتولد الشعور لديهم بأن هذا الأمر ملزم لهم مثل دفع (البخشيش) في المطاعم والفنادق. اما العرف فيقصد به اعتياد الناس على سلوك معين في أمر من أمور حياتهم بحيث ينشأ عن هذا الاعتياد قواعد يتم الاعتقاد بأنها ملزمة وواجبة الاتباع، والعرف ملزم من الناحية القانونية ويشترط لذلك أن يكون الاعتياد عام أي يستقر عليه التعامل من غالبية المجتمع سواء المجتمع ككل أو مجتمع معين كالتجار. ويشترط إيضاً في العرف أن يمضي على العمل به مدة طويلة تفيد ترسخها في نفوس الناس، وأن يستمر اتباعها بطريقة منتظمة مما يتوفر عندئذ معنى الاستقرار والوجوب والقناعة لدى أغلبية المجتمع بإلزامية هذه القواعد العرفية، ويشترط أخيراً في العرف لكي يكون ملزماً ألا يخالف أحكام الشريعة الإسلامية.

والفرق الرئيسي بين العادة والعرف هو الشعور بإلزامية العرف ان هناك جزاء على مخالفته، بخلاف العادة.

الوجه الثالث: الفرق بين العادة والعرف: 

تبعا لاختلاف الفقهاء في تعريف العادة فقد اختلفوا بشان الفرق بين العادة والعرف، فقد ذهب بعضهم الى التفرقة بين العرف والعادة، وبعضهم لم يفرق بينهما،، فقد ذهب بعضهم الى ان العادة: عرف لم يكتمل، أو عرف في مرحلة التكوين، لعدم شعور الأفراد بأنها ملزمة لهم، ويشترك العرف والعادة في الركن المادي، لكن العادة تتوقف عند هذا الحد، أما العرف فيتميز عنها بوجود الركن المعنوي، فالعادة إذن مجرد اعتياد الناس واتباعهم سلوك معين دون الاعتقاد بإلزاميته.

ويمكن القول بوجود نوعين من العادات: عادات خاصة بالمجاملات، أو ما نطلق عليه العادات الاجتماعية، كتقديم التهنئة في المناسبات السارة، والتعزية في المناسبات غير السارة مثلاً، وكذلك تبادل الهدايا في الأعياد والمواسم المختلفة. ويتميز هذا النوع من العادات بأنه ليس له قوة ملزمة من الناحية القانونية. وهناك عادات خاصة بالمعاملات، وهي التي تنشأ من اطراد سلوك الأفراد على نحو معين في مسألة تتعلق بمعاملاتهم وليس بعلاقاتهم الاجتماعية، مثل العادة الجارية في بعض أسواق الخضر والفاكهة التي تباع بالعدد، بأن تعد المئة مئة وعشرين أو مئة وثلاثين حبة مثلاً.

والأصل في عادات المعاملات أنها غير ملزمة، إلا إذا اتفقت الأطراف عليها صراحة أو ضمناً، أو أحال إليها المشرع صراحة.

 وقد اختلف الفقهاء بشان الفرق بين العادة والعرف على خمسة اقوال بيانها كما ياتي: 

القول الأول: ليس هناك فرق بين العرف والعادة، فهما مترادفان ومعناهما واحد، وهو قول جماعة غالبية الفقهاء منهم الشيخ عبد الله بن أحمد النسفي الحنفي – الذي قال: "العادة والعرف ما استقر في النفوس، وتلقته الطباع السليمة بالقبول" وهو قول ابن عابدين الحنفي حيث قال في تعريفه: فالعادة والعرف بمعنى واحد من حيث الماصدق، وإن اختلفا من حيث المفهوم".

وقد سار على نهجهما في عدم التفريق كثير من المعاصرين حيث قالوا: "العرف: هو ما تعارفه الناس وساروا عليه من قول أو فعل أو ترك، ويسمي العادة، وفي لسان الشرعيين لا فرق بين العرف والعادة".

القول الثاني: فقد ذهب بعض الفقهاء الى التفرقة بين العرف والعادة حيث يذكر الدكتور السيد صالح عوض أن صاحب "التحرير" يذكر أن المراد بالعادة هو العرف العملي، في حين ان المراد بالعرف العرف القولي.، وقال الدكتور السيد: أن صاحب "فصول البدائع في أصول الشرائع" فيما تترك به الحقيقة يقول: وحصرها المشايخ في خمسة: ما بدلالة العرف قولاً: والعادة فعلاً، ويذكر ايضا قول صاحب "التلويح على التوضيح": انه فرق بينهما باستعمال العادة في الأفعال والعرف في الأقوال، فقد فرّق اصحاب هذا القول بين العرف والعادة حيث خص العرف بالقول، وخص العادة بالفعل.

القول الثالث: وقد ذهب الى أن النسبة بين العادة والعرف هي العموم والخصوص المطلق، فالعادة أعم من العرف مطلقاً، حيث تطلق على العادة الجماعية - العرف - وعلى العادة الفردية، فكل عرف عادة ولا عكس، فالعرف عند اصحاب هذا القول: هو ما اتفق عليه الناس أو جماعات منهم, وبهذا التعريف يكون كل عرف عادة ولا عكس، وقد قال بهذا القول الشيخ أحمد أبو سنة[ ومصطفى الزرقا وصاحب كتاب "أصول الفقه وابن تيمية" الدكتور صالح بن عبد العزيز آل منصور.

القول الرابع: يذهب الى ان العرف يتميز باعتقاد الناس انه ملزم أي وان هناك جزاء على مخالفته مما يكفل احترامه. وعلى هذا النحو يتميز العرف عن مجرد العادة، إذ يجتمع للعرف الوجود المادي والمعنوي على السواء أي بإطراد السنة والعقيدة في إلزامها معا. ولايجتمع للعادة إلا الوجود المادي وحده دون الوجود المعنوي، فتكون مجرد سنة تنقصها عقيدة الإلزام وإن كانت مطردة في العمل، أي تكون مجرد سنة مطردة يتبعها الأفراد في العمل اتباعا لايقوم على عقيدة إلزامية في ضرورة مراعاتها أو احترامها وإنما هو محض اتباع اختياري من جانبهم.

ومن هنا فلا تسري العادة في حق الأفراد سريان العرف في حقهم، فالعرف هو قاعدة قانونية، يلزم الأفراد بذاته دون توقف على إرادتهم.

أما العادة – وهي مجرد واقعة مادية أي مجرد سنة تتبع عادة في العمل دون أن تسندها عقيدة في إلزامها. فلاتكون لها القدرة على إلزام أي فرد كان إلا أن يرد الفرد الالتزام بها، وتظهر إرادته هذه صراحة أو ضمنا، وحينئذ لايكون إلزام العادة ناشئا عن وجودها كقاعدة قانونية ملزمة، وإنما هو إلزام ناشئ من التزام بعض الأفراد بها وقبولهم اتباعها بمحض إرادتهم وإتفاقهم، أي أن العادة لايمكن إلزامها في قوتها الذاتية ككل قاعدة قانونية، وإنما يستمد هذا الإلزام من إرادة المتعاقدين واتفاقهم.

القول الخامس: يذهب الى ان العادة هي الشيء الذي يتكرر بانتظام كالعادة الشهرية عند النساء، اما العرف فلا يتكرر بانتظام.

والظاهر ان القانون المدني اليمني يفرق بين العرف والعادة، وان كان حكمهما واحدا، حسبما هو ظاهر في المادة(12) مدني التي نصت على ان: (الاصل في المعاملات وانواعها وكيفيتها ما اقره الشرع ثم ما جرى به عرف الناس وتراضوا عليه ما لم يخالف حكم الشرع من تحليل حرام او تحريم حلال واذا اجتمع التحليل والتحريم غلب جانب التحريم وكل حكم مبني على عرف او عادة يتغير بتغير ذلك العرف ويزول بزوال تلك العادة)، فقد وردت (او) مابين العرف والعادة للتدليل على انهما مختلفان وان كان حكمهما في القانون اليمني واحد.

وأكثر الفقهاء لا يفرقون في استعمالهم بين العُرف والعادة في أكثر المواضع التي يستعملون فيها أحد اللفظين، فتجدهم يذكرون أحدهما ويريدون الآخر، أو يذكرونهما معًا كلفظين مترادفين، كما هو منتشر في مدوناتهم الفقهية في جميع المذاهب. ونحى آخرون من الفقهاء إلى التفريق بين اللفظين، وأشهر ما قيل من الفرق بينهما من حيث الاستعمال: إن لفظ العادة يستعمل كثيرا فيما يتكرر على الأفراد، كما يقال في الحيض: عادة المرأة، وأما لفظ العرف فيكون فيما يتكرر في حق الجماعات ويتعارفون عليه، والأمر في هذا يسير، وإذا علم المراد فلا مشاحة في الاصطلاحات

الوجه الرابع: نتائج التفرقة بين العرف والعادة:

 عند من بفرق بين العادة والعرف فانه يترتب على التفرقة بين العرف والعادة ما ياتي: 

١-ان للمحكمة أن تطبق العرف من تلقاء ذاتها ولو لم يتمسك به أحد الخصوم، أما العادة فلا تطبقها المحكمة إلا إذا تمسك بها ذو الشأن، فالعرف كالقانون، فالقاضي يعرفه كما يعرف القانون، ويطبقه من تلقاء نفسه. أما العادة فلا يطبقها القاضي إلا إذا تمسك بها صاحب المصلحة في تطبيقها.

٢ـ إثبات وجود العرف موكول للقاضي ولا يقع على عاتق الخصوم، كما هو الحال بالنسبة للعادة. فقد جرى التعامل على إثبات العادات، وخاصة التجارية منها، بشهادات مكتوبة صادرة عن منظمات مهنية كغرف التجارة أو من قنصليات الدول في الخارج، فالعرف لاويحتاج إلى إثبات وجوده، أما العادة فتحتاج إلى إثبات وجودها. 

3ـ يطبق العرف إذا ما توافرت شروطه، على الناس كافة علموا به أم لم يعلموا، تطبيقاً لقاعدة عدم جواز الاعتذار بالجهل بالقانون، أما العادة فيلزم لتطبيقها ليس فقط علم الأفراد بها، وإنما انصراف إرادتهم إلى الأخذ بها.

٤- العرف كالقانون يخضع القاضي في تطبيقه لرقابة المحكمة العليا المعنية بالرقابة على تطبيق القانون، أما العادة فتتعلق بالوقائع وللقاضي القول الفصل في تطبيقها.

٥- العرف كالقانون لايمكن للأفراد الاعتذار بجهله، أما العادة فلا يمكن اتباعها إلا إذا اتفق الأطراف على تطبيقها.

الوجه الخامس: انواع العادات: 

يمكن القول بوجود نوعين من العادات: عادات خاصة بالمجاملات، أو ما نطلق عليه العادات الاجتماعية، كتقديم التهنئة في المناسبات السارة، والتعزية في المناسبات غير السارة مثلاً، وكذلك تبادل الهدايا في الأعياد والمواسم المختلفة. ويتميز هذا النوع من العادات بأنه ليس له قوة ملزمة من الناحية القانونية. وهناك عادات خاصة بالمعاملات، وهي التي تنشأ من اطراد سلوك الأفراد على نحو معين في مسألة تتعلق بمعاملاتهم وليس بعلاقاتهم الاجتماعية، مثل العادة الجارية في بعض أسواق الخضر والفاكهة التي تباع بالعدد، بأن تعد المئة مئة وعشرين أو مئة وثلاثين حبة مثلاً.

الوجه السادس: علاقة العرف والعادة بالقانون: 

يُقسم العرف والعادة من حيث علاقته بالقانون إلى عُرف مكمِّل أو مفسِّر، وعرف معدِّل أو مخالِف.

ويُستخدَم العرف المكمّل أو المفسّر لتفسير نصوص القانون أو إكمالها عند غياب نص صريح، ومثاله ما نصت عليه المادة 96 من القانون المدني السوري من أنه إذا قام خلاف على المسائل التفصيلية التي لم يُتفق عليها في العقد بين الطرفين، فإن المحكمة تقضي فيها طبقًا لطبيعة المعاملة ولأحكام القانون والعُرف والعدالة.

أما العُرف المعدّل أو المخالف، فهو يُنشِئ قاعدةً تختلف عما ورد في النص التشريعي. ولا يتمتّع العُرف المخالف للتشريع بأي قيمة قانونية تجاه القواعد القانونية الآمرة، إذ تتعلق هذه القواعد بالنظام العام، ولا يصح إلغاء القاعدة القانونية أو تعديلها إلا بتشريع آخر، احترامًا لمبدأ "تسلسل القواعد القانونية"، أو تراتُبيتها. غير أن الفقه القانوني يقبل بمخالفة العُرف للتشريع في حالات معينة، خاصة في المجال التجاري.

أما القواعد القانونية المكملة، فيجوز أن ينشأ عُرف مخالف لها، إذ يقدَّم العُرف في هذه الحالة على القاعدة القانونية المكملة، ومن ذلك ما نصَّت عليه المادة 424/1 من القانون المدني السوري من أن الثمن يكون مستحق الوفاء في المكان الذي سُلّم فيه المبيع، ما لم يوجد اتفاق أو عُرف يقضي بغير ذلك. (المدخل للعلوم القانونية: النظرية العامة للقانون والنظرية العامة للحق، د. توفيق حسن فرج الصدة: الدار الجامعية بيروت 1988م، ص 265-266).

الوجه السابع: قاعدة: العادة محكمة: 

 سبق القول ان العادة في اصطلاح الفقهاء هي: الأمر المتكرر عند أغلب الناس، أو عند بعضهم، حتى يكون متقبلا غير مستنكر ولا مستغرب.

والمراد بقاعدة العادة محكمة: أن العادة أو العُرف يكون مرجعًا وحكمًا في بعض الحالات والصور، ومن أمثلة تطبيقات هذه القاعدة

 اتفق الفقهاء على ان هذه القاعدة معتبرة مما يدل على ان حكم العادة ملزم مثلها في ذلك مثل العرف بل ان الفقهاء يذكروا العادة في سياق العرف كما راينا وكما سنرى فالعادة مأخوذة من العود والمعاودة، وهو التكرار، ومعنى ان العادة محكمة: مأخوذة من الحكم، وهو: الفصل والقضاء بين الناس ومعنى ذلك انها ملزمة.

 ومن الامثلة التطبيقية لهذه القاعدة انها ضابط كل من:

• الكثرة، مثل: تبطل الصلاة بالحركة المتوالية إذا كانت كثيرة عُرفًا.

• القلة، مثل: يُعفى عن نجاسة الدم في الثوب إذا كانت قليلة عُرفًا.

ومن الامثلة التطبيقية لهذه القاعدة انه: إذا تبايع اثنان بنقد ولم يُحدد، فاختلفا، فالعبرة بالنقد الغالب في البلد الذي حصل فيه التبايع، ففي اليمن النقد الغالب هو الريال اليمني فاذا وقع الخلاف بشان جنس الريال فيكون الريال المعتبر الريال اليمني.

 ودليل قاعدة العادة محكمة هو قول الله تعالى: ﴿ وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ (،وكذا حديث عائشة رضي الله عنها أن هند بنت عتبة قالت: يا رسول الله، إن أبا سفيان رجل شحيح، وليس يعطيني ما يكفين وولدي إلا ما أخذت منه وهو لا يعلم، فقال: «خُذي ما يكفيك وولدك بالمعروف». متفق عليه.، وهذه الادلة ذاتها هي ادلة حجية العرف في الفقه الاسلامي مما يدل على ان حكمهما واحد في الفقه الاسلامي.

وحتى يمكن العمل بالعادة والعرف فينبغي توفر خمسة شروط:

الشرط الأول: أن تكون العادة او العُرف غير مخالف للشريعة، فاذا اعتاد أهل بلد على أن كل من اقترض نقدًا لزمه أن يدفع عليه فائدة ربوية؛ لم يجز العمل بهذا العُرف، ولم يكن لازمًا للمقترض.

الشرط الثاني: أن يكون العرف غالبًا عند أهله، كتعامل الناس بعملة واحدة في البلد، فإذا أُطلق الثمن في العقد انصرف إلى هذه العملة.

الشرط الثالث: أن يكون العُرف سابقًا غير لاحق، فلو اشترى إنسان من غيره بستين ريالًا قبل ثمانين سنة، فإننا لا نحكم على ذلك بالريالات الورقية الموجودة بيننا الآن؛ بل بما يُسمى ريالًا في ذلك الزمان، وهي ريالات الفضة(الفرنصي).

الشرط الرابع: ألا يوجد تصريحٌ يخالف العُرف، فإذا وجد تصريح يخالف العُرف فالعبرة بالتصريح لا بالعُرف، كما لو تبايع شخصان في اليمن ونصا في العقد على أن الثمن بالدولار أو باليورو أو غيرهما، فلا اعتبار هنا بالريال اليمني مع أنها العملة المعتادة.

الشرط الخامس: ان لا يكون القانون النافذ قد نظم المعاملة على نحو مخالف للعادة.

ومجالات إعمال العادة او العرف متعددةً منها:

المجال الأول: إذا ورد لفظ مطلق في الأدلة الشرعية او في النصوص القانونية غير محدد، وليس له حد شرعي كالصلاة، ولا لغوي كالسرقة؛ فإنا نرجع في تحديده إلى العُرف الصحيح، مثل: تقدير النفقة المستحقة للزوجة وتقدير الشقية...الخ.

المجال الثاني: تفسير ألفاظ الناس في معاملاتهم وأيمانهم، مثل: إطلاق الريال في التعامل فيتم العمل بالريال المعروف او المعتاد، ومن حلف لا يأكل لحمًا لم يحنث بأكل السمك.

وتتفرع عن قاعدة: (العادة محكمة) عدة قواعد فرعية منها: 

القاعدة الفرعية الأولى: «المعروف عرفا كالمشروط شرطا »، مثل:

١- من استعار من صديقه سيارة فليس له أن يُسافر بها خارج البلد، لأن هذا هو المتعارف عليه فهو كالشرط، ما لم يأذن له بذلك صراحة.

٢- من وكل شخصًا في شراء سيارة أو أثاث ونحوه، فلا يجوز له أن يشتري له شيئًا معيبًا، لأن نفي العيب كالمشروط عليه، وهو مُقتضى التوكيل.

القاعدة الفرعية الثانية: «العروف عند التجار كالمشروط بينهم »، مثل:

١- إذا تعارف العقاريون في بلد على أن السعي الذي يستحقه صاحب المكتب العقاري يدفعه المشتري أو المستأجر، فيكون هذا ملزمًا عند إطلاق العقود ما لم يُصرح بخلافه.

٢- إذا تعارف التجار على أن تحميل البضاعة إلى سيارة المشتري، أو توصيلها إلى منزله داخل ضمن عقد البيع، فإنه يكون ملزمًا للتاجر من غير مُقابل، ما لم يصرح بخلافه.

القاعدة الفرعية الثالثة: «التعيين بالعُرف كالتعيين بالنص»، مثل:

1- من استأجر بيتًا في حي سكني فتتعين منفعته بالسكنى المعتادة لمثله، فلا يصح استعماله مستودعًا للبضائع، أو تحويله إلى محل تجاري بغير إذن من صاحب البيت.

2- من استأجر سيارة للركوب المعتاد فليس له أن يحمل عليها ما لا يحمل على مثلها، كأن يحمل فيها الدواب أو القاذورات. (التعليق على احكام المحكمة العليا في مسائل تطبيق القواعد الفقهية، مكتبة الصادق جولة الجامعة الجديدة صنعاء، طبعة ٢٠٢٦م، ص٧٩)، والله اعلم.

مكتبة قانونية تضم كتباً ورقية وميزان العدالة مع مطرقة القاضي لمدونة الأستاذ الدكتور عبدالمؤمن شجاع الدين حول علاقة العادات بالقانون
علاقة العادات بالقانون - مدونة الأستاذ الدكتور عبدالمؤمن شجاع الدين
تعليقات