التناقض بين أسباب الحكم ومنطوقه يبطله

التناقض بين أسباب الحكم ومنطوقه يبطله

أ.د/ عبدالمؤمن شجاع الدين الأستاذ بكلية الشريعة والقانون - جامعة صنعاء
من العيوب التي تشوب الحكم التناقض بين أسبابه ومنطوقه، وقد صدرت عن المحكمة العليا في اليمن أحكام عدة بينت بعض صور هذا التناقض وكيفية حدوثه، ومن ذلك الحكم محل تعليقنا وهو الحكم الصادر عن الدائرة الجزائية بالمحكمة العليا في جلستها المنعقدة بتاريخ 25/2/2007م في الطعن الجزائي رقم (27212) لسنة 1428هـ وخلاصة أسباب هذا الحكم أن (الحكم الإستئنافي المطعون فيه قد أورد في أسبابه الأدلة التي توجب الحكم بالقصاص على المتهم في حين أن منطوق الحكم الإستئنافي قد تضمن الحكم على المتهم بالدية متجاهلاً شهادات الشهود واعتراف المتهم بالقتل وهذا التناقض يبطل الحكم)
وسيكون تعليقنا على هذا الحكم بحسب الأوجه الآتية:

الوجه الأول: السند القانوني للحكم محل تعليقنا:

قضى الحكم محل تعليقنا بأن تناقض أسباب الحكم مع منطوقه يبطل الحكم، وسند الحكم محل تعليقنا في ذلك هو المادة (372) إجراءات التي نصت على أنه (يجب أن يشتمل الحكم على الأسباب التي بني عليها وكل حكم بالإدانة يجب ان يشتمل على الأدلة التي تثبت صحة الواقعة الجزائية ونسبتها للمتهم ويتعين أن يتضمن الحكم بتوقيع العقوبة نص التجريم والأسباب التي قدرت العقوبة على أساسها ويترتب البطلان على مخالفة ذلك) وهذا النص القانوني صريح في وجوب ذكر الأسباب أو الأدلة الواقعية التي تدل على وقوع الواقعة ونسبتها إلى المتهم وكذا وجوب تضمين الحكم الأسباب القانونية ونص التجريم والعقاب وهذا النص القانوني جاء بصيغة الوجوب وذلك ظاهر من بداية النص(يجب أن يشتمل) ليس هذا فحسب بل أن هذا النص قرر بطلان الحكم إذا لم يتضمن الأسباب، وتناقض أسباب الحكم مع منطوقه يقوض الأسباب التي بني عليها الحكم ويجعل الأسباب في جهة والمنطوق في جهة أخرى وهذا يعني عدم وجود أسباب يستند إليها منطوق الحكم ولذلك يكون الحكم الذي تتناقض أسبابه مع منطوقه باطل مثله في مثل الحكم الخالي من الأسباب، لأن الحكم هو المنطوق، والمنطوق لا يستقيم إلا بأسباب فإذا تناقضت الأسباب مع المنطوق فقد انعدمت أسباب الحكم مما يجعله باطلاً بحكم القانون، والحكم محل تعليقنا حينما قرر بطلان الحكم إذا تناقضت أسبابه مع منطوقه لم يشذ في ذلك حيث قد استقر قضاء محكمة النقض بفرنسا ومصر على ذلك، حيث قضت محكمة النقض المصرية بأن التناقض الذي يبطل الحكم هو ما يكون بين أسبابه ومنطوقه أما ما يكون بين الأسباب بعضها البعض فلا يكون من شأنه الإبطال إلا إذا تماحت الأسباب وتعذر معرفة السبب الذي تقصده المحكمة أو السبب المنتج، كما قضت محكمة النقض المصرية بأن التناقض المبطل للحكم هو الذي يقع بين أسباب الحكم ومنطوقه (مجموع القواعد القانونية ج(1) ق304 ص354).
وعند تطبيق هذا المفهوم نجد أن الحكم محل تعليقنا قد أبطل الحكم الإستئنافي الذي أورد الأدلة المثبتة لجريمة القتل وثبوت عقوبة القصاص في أسباب الحكم، إلا أنه في منطوق الحكم قضى بالدية على المتهم بدلاً عن القصاص وهذا تناقض فيما بين أسباب الحكم ومنطوقه علماً بأن قانون الإجراءات الجزائية لم يصرح بأن التناقض بين أسباب الحكم ومنطوقه يبطل الحكم أما قانون المرافعات المدنية فقد صرح بذلك، ومعلوم أنه يتم العمل بقانون المرافعات فيما لم يرد به نص في قانون الإجراءات.

الوجه الثاني: كيفية وقوع التناقض فيما بين أسباب الحكم ومنطوقه:

أشار الحكم محل تعليقنا إلى صورة من صور التناقض فيما بين أسباب الحكم ومنطوقه وهي إيراد أدلة ثبوت قيام المتهم بواقعة القتل المقرر عليها القصاص قانوناً وتضمين منطوق الحكم عقوبة أخرى بدلاً عن القصاص وهي عقوبة الدية، وهناك صور أخرى للتناقض فيما بين أسباب الحكم ومنطوقه ومنها الصورة العكسية وهي إدانة المتهم في المنطوق وإيراد أدلة البراءة في الأسباب أو تضعيف أدلة الإدانة في الأسباب وإدانة المتهم في المنطوق وغير ذلك من الصور.

الوجه الثالث: التناقض المبطل للحكم والتناقض غير المبطل:

تناقض أسباب الحكم مع منطوقه المبطل للحكم هو التناقض الذي يجعل المنطوق عارياً من الأسباب وهو الذي يجعل المنطوق بدون أسباب أما إذا تناقضت بعض الأسباب مع المنطوق في حين ظلت بقية الأسباب منسجمة مع المنطوق فلا يبطل الحكم طالما والأسباب الغير مناقضة للمنطوق كافية لإستناد المنطوق عليها، والله أعلم. 
تعليقات