اكتمال هيئة الحكم في القانون اليمني
تقوم فكرة الطعن في الحكم القضائي على أساس فقهي متين معناه أن الحكم القضائي اجتهاد من القاضي الابتدائي وهو فرد، فلا ينقض هذا الاجتهاد الفردي بمثله، فلا ينقض إلا من قبل عدد من القضاة أكثر عدداً وخبرة ومعرفة وهم ثلاثة قضاة تتشكل منهم الشعبة الاستئنافية.
وعند الطعن في الحكم الإستئنافي، يتم نظره من قضاة اكثر عددا وخبرة ومعرفة وهم خمسة قضاة تتشكل منهم الدائرة المختصة في محكمة النقض او المحكمة العليا، وعند إعادة النظر في حكم المحكمة العليا بناء على طلب رئيس الجمهورية تنظر هذا الطلب دائرة مشكلة من سبعة قضاة اكثر عددا وخبرة ومعرفة، فلا يصح ان ينقض الاجتهاد بمثله اي لايصح ان ينقض اجتهاد الفرد باجتهاد فرد مثله.
وهذه المسالة من اهم ضمانات المحاكمة العادلة، وعلى هذا الاساس تشدد القانون اليمني حينما اشترط اكتمال هيئة الحكم المشكلة من عدد من القضاة، كما تشدد في تقرير جزاء انعدام الحكم اذا صدر من هيئة غير مكتملة، بيد ان كثرة تنقلات القضاة في اليمن وشغور الشعب الاستئنافية يلقي بظلاله الكثيفة ويفضي الى تعطيل العمل في بعض هيئات الحكم المشكلة من اكثر من قاض، مما دفع المهتمين الى البحث عن معالجات لهذه الاشكالية، بيد ان قانون المرافعات اليمني النافذ يقرر انعدام الاجراء الذي يصدر من هيئة حكم غير مكتملة، حسبما قضى الحكم الصادر عن الدائرة التجارية بالمحكمة العليا في جلستها المنعقدة بتاريخ ١٣-١٢-٢٠١٣م، في الطعن رقم (٥٣٤٨٢)، فقد ورد ضمن أسباب الحكم المشار إليه: (فقد وجدت الدائرة ان نعي الطاعن في محله، لان الشعبة التي اصدرت الحكم المطعون فيه كانت قد قررت تأجيل الجلسات اكثر من ست مرات لعدم اكتمال هيئة الشعبة، ومع عدم اكتمال هيئة الحكم فقد عقدت الشعبة بعد ذلك جلستها الاخيرة وقررت حجز القضية، فلم تكتمل الهيئة الا في المداولة والنطق بالحكم مما يجعل الحكم منعدما بمقتضى احكام المواد (١١و١٥و٥٥و٥٦و٢١٧) مرافعات مما يتعين معه قبول الطعن)، وسيكون تعليقنا على هذا الحكم من حسبما هو مبين في الاوجه الاتية:
الوجه الاول: معنى اكتمال هيئة الحكم المشكلة من عدد من القضاة:
معنى ذلك حضور جميع القضاة الذين تتشكل منهم هيئة الحكم حضورهم جميع جلسات المحاكمة والمعاينة والمداولة واثبات حضورهم وتوقيعاتهم في محاضر الجلسات والمعاينة ومسودة الحكم، واستماعهم للمرافعات ومشاركتهم في اتخاذ الاجراءات والقرارات التي تصدرها هيئة الحكم.
واذا ثبت توقيع جميع قضاة هيئة الحكم على محاضر جلسات المحاكمة والمعاينة والمسودة فان ذلك كاف في اثبات حضورهم وسماعه للمرافعة ومشاركتهم في المداولة، لان القانون قد حدد تلك الوثائق لأثبات حضور القضاة وسماعهم للمرافعة ومشاركتهم في المداولة.
وفي هذا المعنى نصت المادة (11) من قانون المرافعات اليمني على انه: (إذا كانت هيئة الحكم في المحكمة مشكلة من أكثر من قاضٍ وجب اجتماعهم لنظر الدعوى والحكم فيها، وإذا اختلف القضاة فيكون الحكم بالأغلبية طبقاً لما هو منصوص عليه في هذا القانون).
فهذا النص اوجب على جميع هيئة الحكم الاجتماع في جلسات نظر الدعوى والمداولة والحكم فيها، فكلمة الاجتماع الواردة في النص تفيد ان تكون هيئة الحكم بكامل اعضائها مجتمعة عند القيام بتلك الاجراءات، بيد ان الاحكام التي تصدرها الهيئة تكون عند الاختلاف بأغلبية القضاة.
ويؤكد ذلك ما ورد في المادة (226) مرافعات التي نصت على انه: (تصدر الأحكام بأغلبية الآراء، فإذا تشعبت الآراء وجب على الفريق الأقل عدداً أو الذي يضم أحـدث القضاة أن ينضم إلى أحد الرأيين الصادرين أو الأكثر عدداً وذلك عند أخذ الـرأي مرةً ثانية).
الوجه الثاني: الاثر المترتب على عدم اكتمال هيئة الحكم:
يترتب على عدم اكتمال هيئة الحكم انعدام الاجراء او العمل القضائي الذي قامت به الهيئة وهي غير مكتملة بل انعدام كل الاجراءات والقرارات التي تترتب على العمل القضائي الذي باشرته الهيئة وهي غير مكتملة.
وفي هذا الشان نصت المادة (15) مرافعات على انه: (يترتب على مخالفة المواد (9، 11، 12، 13) من هذا الفصل انعدام العمل القضائي وكل ما يترتب عليه).
وبناء على ذلك فان اثر الانعدام يقتصر على العمل القضائي الذي باشرته وهي غير مكتملة وما يترتب على هذا العمل، دون ان يمتد اثر الانعدام على الاجراءات الاخرى التي باشرتها الهيئة وهي مجتمعة طالما ان هذه الاجراءات لم تترتب على الاجراءات التي باشرتها وهي غير مكتملة.
فمثلا لو عقدت هيئة الحكم جلسة وهي غير مكتملة وقررت الهيئة في الجلسة تعيين خبير فان الجلسة منعدمة والقرار الصادر فيها منعدم، فاذا عقد الهيئة مكتملة بعد ذلك جلسة تالية اخذت فيها اليمين من الخبير واستمعت الى اقوال الشهود فان هذه الجلسة صحيحة واخذ اليمين من الخبير منعدم لانه اجراء مترتب على تعيين الخبير الذي تم والهيئة غير مكتملة، بيد ان الهيئة وهي مكتملة اذا قرر ت بعد ذلك تعيين الخبير نفسه فان قرارها صحيح لا يلحقه الانعدام.
الوجه الثالث: جزاء عدم اكتمال الهيئة في القضاء العربي البطلان وليس الانعدام:
تذهب القوانين العربية ومعها القضاء العربي الى انه يترتب على عدم اكتمال الهيئة البطلان وليس الانعدام، فقد قضت المحكمة العليا في ليبيا بانه: (حيث إن الطعن استوفى أوضاعه القانونية فهو مقبول شكلاً. وحيث إن مما ينعاه الطاعن على الحكم المطعون فيه البطلان، ذلك أن الأستاذ فتحي باو الذي ورد اسمه بديباجة الحكم من ضمن الهيئة التي أصدرته وقام بتوقيع أسبابه لم يكن من بين أعضاء الهيئة التي نظرت الدعوى، وسمعت المرافعة وحجزتها للحكم، بل الذي حضر تلك الجلسة هو الأستاذ سليمان المجدوب الذي لم يرد اسمه بالحكم ولم يقم بتوقيعه، وهو ما يعيب الحكم المطعون فيه بالبطلان ويوجب نقضه، وحيث إن هذا النعي سديد، ذلك أن المادة 273 من قانون المرافعات تنص على أنه يجب أن يبين في الحكم المحكمة التي أصدرته وتاريخ إصداره، ومكانه، وأسماء القضاة الذين حضروا المرافعة، واشتركوا في الحكم، بما مفاده وجوب صدور الحكم من الهيئة التي استمعت للمرافعة، وحجزت الدعوى للحكم، وأن يتضمن الحكم أسماء أعضائها، فإذا تضمن اسم عضو لم يحضر المرافعة ولم تحجز الدعوى للحكم في حضوره، ولم يشترك في المداولة، فإنه يكون باطلاً، وإذ كان يبين من الصورة الرسمية لمحاضر جلسات المحكمة المطعون في حكمها التي أودعها الطاعن أن الدائرة التي نظرت الدعوى بجلسة 1999.2.22ف، واستمعت المرافعة فيها، وحجزتها للحكم، تتكون من القضاة: عبد القادر القندوز، ومحمود أبو شعالة، وسليمان المجدوب، وظلت الدعوى محجوزة للحكم، ولم تعد للمرافعة إلى أن صدر فيها الحكم بجلسة 1999.3.1ف، وتضمنت ديباجته أسماء أعضاء الهيئة التي أصدرته والمكونة من القضاة: عبد القادر القندوز، ومحمود أبو شعالة، وفتحي باو، وحيث إن القاضي فتحي باو المذكور بديباجة الحكم لم يكن من ضمن الهيئة التي استمعت إلى المرافعة، وحجزت الدعوى للحكم، فإن الحكم المطعون فيه يكون باطلا، لصدوره من هيئة غير الهيئة التي استمعت للمرافعة، وحجزت الدعوى للحكم، بما يوجب نقضه دون حاجة إلى مناقشة باقي أسباب الطعن، ولا ينال من ذلك ما يثيره المطعون ضدهم من أن خطاً مادياً وقع في اسم عضو اليسار بالهيئة وتم تصحيحه من قبل المحكمة التي أصدرت الحكم، وتقديمهم صورة رسمية من الحكم المؤشر عليه بالتصحيح، ذلك أن الأخطاء التي تتولى المحكمة تصحيحها عملاً بالمادة 288 من قانون المرافعات هي الأخطاء المادية البحتة كتابية أو حسابية، وهو ما لا ينطبق على إغفال اسم القاضي الذي حضر المرافعة في الدعوى وتداول وشارك في إصدار الحكم).)الطعن المدني رقم 222 لسنة 46 قضائية جلسة ١-١١-٢٠٠٣م).
الوجه الرابع: الندب كوسيلة لاكمال هيئة الحكم:
لمعالجة اشكالية عدم اكتمال هيئة الحكم فانه يتم اللجوء الى الوسائل القانونية مثل ندب قاضي لإكمال هيئة الحكم، وهذه الوسيلة مناسبة غير ان قرار الندب لا يتم اتخاذه سريعا، لان قانون السلطة القضائية اجاز الندب كوسيلة استثنائية يتم اللجوء اليها في احوال عدم انعقاد اجتماعات مجلس القضاء، كما ان مدة الندب مؤقتة (ستة اشهر)، اضافة الى ان عدم اكتمال هيئة الحكم يقع بسبب ظروف عارضة او خاصة تقع لأعضاء هيئة الحكم في اوقات مختلفة، مثل ان يقع الظرف العارض لعضو الهيئة يمنعه من حضور الجلسة فلا تكتمل الهيئة وبعد ذلك يقع ظرف خاص لقاضي اخر يمنعه من حضور الجلسة، وهذا هو السبب الغالب لعدم اكتمال الهيئة في اليمن، وبناء على ذلك فان نظام الندب لايعالج هذه اشكالية عدم اكتمال الهيئة على نحو فاعل.
الوجه الخامس: اكمال هيئة الحكم عن طريق عضو احتياطي:
يتم تعيين اعضاء احتياطيين في محاكم الاستئناف الكبيرة بقصد تكملة حالات عدم اكتمال هيئات الحكم في محكمة الاستئناف، وهذه الوسيلة مجدية اذا كان العضو الاحتياطي يستمر في هيئة الحكم حتى النطق بالحكم، وهذه الحالة نادرة، لان الغالب ان العضو الاحتياطي يكمل الهيئة في جلسة او بضع جلسة، ولذلك فان مشاركة العضو مشاركة شكلية، لا تحقق الغاية التي ابتغاها المقنن من فكرة تشكيل هيئة حكم تسمع المرافعة وتشارك في المداولة.
الوجه السادس: مقترح تعديل المادة(١١) مرافعات لمعالجة اشكالية عدم اكتمال هيئة الحكم:
نظرا لحضور هذه الاشكالية في الواقع بقوة وتسببها في تعثر القضايا وتأخير نظرها والفصل فيها واطالة اجراءات التقاضي، فقد اقترح جمع من القضاة العاملين في الميدان تعديل المادة (١١) مرافعات كي تنص على وجوب اجتماع غالبية الهيئة، لان القانون قد اوجب ان يكون الحكم من غالبية الهيئة، والحكم اهم لانه ثمرة اجراءات المحاكمة كلها، كما ان عدد غالبية هيئة الحكم من القضاة مازال اكثر عددا من القاضي او القضاة الذين اصدروا الحكم الذي تنظره هيئة الحكم.
وبناء على هذه الاقتراحات تم تضمين مشروع تعديل قانون المرافعات هذا التعديل.
الوجه السابع: اكتمال هيئة الحكم عند المداولة وإعداد مسوّدة الحكم والتوقيع عليها:
نصت المادة (222) مرافعات على انه: (بعد أن تحجز المحكمة القضية للحكم تتناولها بالبحث والمداولة وتكون المداولـة في الأحكام سراً بين القضاة مجتمعين، ولا يجوز أن يشترك فيها غير القضاة الذين سمعوا المرافعة وإلا كان الحكم باطلاً ولا يجوز للقضاة إفشاء سر المداولة).
فقد اشترط هذا النص أن يحضر جميع القضاة الذين سمعوا المرافعة أن يحضروا المداولة السرية التي تتم فيما بين القضاة الذين استمعوا المرافعة، إذ يقوم القضاة الحاضرون اثناء المداولة بتبادل الآراء بشأن نتائج استماعهم لمرافعات الخصوم ونتائج دراستهم لأوراق القضية.
فالغرض من المداولة عرض اراء القضاة هيئة الحكم ومناقشتها حتى تكتمل الرؤية الجمعية للقضاة بشأن وجهة الحكم في القضية، وبعد أن يستقر موقف القضاة بعد المداولة على راي واحد من الاراء المعروضة في المداولة يقوم أحد أعضاء هيئة الحكم بكتابة مسوّدة الحكم المشتملة على أسباب الحكم ومنطوقه، وبعدئذٍ يتم التوقيع على مسوّدة الحكم من قبل جميع القضاة الحاضرين، وبعد التوقيع على المسودة يكون الحكم قد خرج من أذهان القضاة وتم تدوينه في المسوّدة، فيكون ذلك إيذاناً بوجود الحكم، إذ يكون الحكم موجوداً بوجود مسوّدته، فلم يبق إلا إشهار الحكم او إعلانه عن طريق النطق به في جلسة علنية. (نظرية الأحكام، أستاذنا المرحوم الأستاذ الدكتور أحمد أبو الوفاء، منشأة المعارف الإسكندرية 2002م، صـ710).
الوجه الثامن: عدم وجوب اكتمال هيئة الحكم عند النطق بالحكم:
نصت الفقرة (1) من المادة (227) من قانون المرافعات اليمني على أن: (-1- ينطق رئيس المحكمة بالحكم علناً بتلاوة منطوق الحكم مع اسبابه في حضور باقي الأعضاء، وإذا حصل لأحد القضاة الذين اشتركوا في سماع المرافعة وحضور المداولة عذر وجب أن يكون موقعاً على مسوّدة الحكم وأن يبدي ذلك في محضر تلاوته، وتستثنى المحكمة العليا من علنية النطق بالأحكام مالم تكن محكمة موضوع).
ووفقا للنص القانوني السابق فإن النطق بالحكم يتم من خلال قيام رئيس المحكمة (رئيس هيئة الحكم) بتلاوة مسوّدة الحكم في الجلسة المحددة للنطق بالحكم، وبما أن النطق بالحكم عبارة عن تلاوة مسوّدة الحكم التي تم سبق إعدادها والتوقيع عليها من قبل جميع القضاة الذين استمعوا للمرافعة أثناء المحاكمة والذين اشتركوا في المداولة، لذلك فإن النطق بالحكم في غياب احد القضاة الذين سبق أن قاموا بالتوقيع على مسوّدة الحكم لا يبطل الحكم. (التعليق على أحكام المحكمة العليا في مسائل الطعن بالنقض الجزء الثاني، أ. د. عبد المؤمن شجاع الدين، مكتبة الصادق جولة جامعة صنعاء الجديدة ٢٠٢٦م، ص١١٠)، والله أعلم.