الجمع بين صفتي الساعي والشاهد

الجمع بين صفتي الساعي والشاهد

الساعي في لهجة بعض المناطق اليمنية هو السمسار الذي يتوسط فيما بين البائع والمشتري، ويفضل غالبية اليمنيين تسمية (الساعي) على تسمية (السمسار)، بل ان السماسرة اليمنيين قد ضغطوا مؤخرا عند اعداد مشروع قانون الملكية العقارية لتعديل مصطلح السمسرة والسماسرة الى مصطلح (الوساطة العقارية والوسطاء العقاريين).
 وما يعنينا في هذا التعليق ان الساعي او السمسار هو الذي يتوسط فيما بين البائع والمشتري ويقوم بالتوفيق بينهما حتى تسفر مساعيه او تؤدي مساعيه الى ابرام الصفقة او عملية البيع والشراء، وقد يحضر الساعي مجلس عقد البيع فيشهد على عقد البيع وعندئذ تجتمع في الساعي صفة الشاهد والساعي، وقد لا يحضر الساعي مجلس البيع، ومع ذلك يحتفظ بصفته كساعي طالما ان مساعيه قد تكللت بالنجاح.
اما الشخص الذي يكتفي بالحضور في مجلس البيع كشاهد على تمام العقد فانه لا يندرج ضمن مفهوم الساعي، حسبما قضى الحكم الصادر عن الدائرة التجارية بالمحكمة العليا في جلستها المنعقدة بتاريخ ١٥-١-٢٠١١م، في الطعن رقم (٤١٩٦٩)، فقد ورد ضمن أسباب الحكم المشار إليه: (فاذا كان منطق الطاعن يفترض الاقرار للشاهد بصفة الخصم فان حكم الشعبة لم يعتبره في هذه الخصومة الا كشاهد مقدم من المطعون ضده، ومن ثم لم يحكم بإستحقاقه لأي مبلغ من السعاية)، وسيكون تعليقنا على هذا الحكم حسبما هو مبين في الاوجه الاتية:

الوجه الأول: تعربف الساعي او السمسار: 

الساعي او السمسار هو الوسيط الذي يتوسط فيما بين البائع والمشتري ويقوم بالتوفيق بينهما وتؤدي جهوده ومساعيه الى ابرام عقد البيع او الصفقة سواء حضر الساعي مجلس ابرام العقد او لم يحضر.
وينعقد عقد السمسرة او السعاية بطلب أو تكليف من المتعاقد الراغب في البحث عن المتعاقد الآخر لإبرام الصفقة أو العمل، فيكلف هذا المتعاقد الساعي بالبحث عن المتعاقد الآخر والتوفيق بينهما لإتمام الصفقة أو العمل، وعندئذ يكون طرفا عقد السمسرة هو الساعي والطرف الذي طلب منه البحث عن الطرف الاخر، وقد يطلب الطرفان معا البائع والمشتري يطلبا من الساعي ان يقوم بالتوسط والتوفيق بينهما لإتمام الصفقة وفي هذه الحالة تكون اطراف عقد السعاية ثلاثة: هي الساعي والبائع والمشتري
 وقد يتم إثبات عقد السمسرة كتابة أو شفاهة، فعقد السمسرة في الحالتين صحيح، فدور الكتابة هو إثبات إنعقاد عقد السمسرة لسهولة إثباته عن طريق الكتابة، بيد أنه يجوز لمن له صفة ومصلحة أن يثبت عقد السمسرة بأية طريقة من طرق الإثبات إذا لم يتم إثباته كتابة.
والسمسار أو الساعي أو الوسيط في البيع والشراء: هو خبير في الشيء الذي يقع عليه البيع، فقد يكون الوسيط خبيراً عقارياً أو ماليا.....الخ، فالساعي مجرد وسيط يقدم خبرته ومشورته ويقرب بين وجهتي نظر البائع والمشتري ويوفق بينهما حتى يتم إبرام العقد.
 وبحسب هذا المعنى فإن الساعي أو الدلال ليس طرفاً في عقد البيع، كما أنه ليس وكيلاً لأي من البائع أو المشتري، وبناءً على ذلك فإن الوسيط او الساعي يستحق اجرته بحسب الإتفاق المسبق فيما بينه وبين البائع والمشتري، فقد يتفق الجميع على تحديد الطرف الذي يتحمل إجرة الساعي او الدلال، وتحديد هذه الإجرة بمبلغ معين أو نسبة معينة.
 وأن لم يتم الإتفاق على تحديد الطرف الذي يتحمل اجرة الساعي او الدلال، ولم يتم تقدير إجرة الدلال، فان البائع هو الذي يتحمل إجرة الدلال، ويتم تقديرها في هذه الحالة بحسب الجهد والوقت والمال الذي بذله الدلال أو الساعي لإتمام الصفقة، عملاً بقوله تعالى(وأن ليس للإنسان إلا ما سعى).
 أما القانون المدني اليمني فقد صرح بأن البائع هو الطرف الذي يتحمل دفع إجرة الدلالة وأنه عند عدم الإتفاق المسبق على تقديرها يتم تقديرها حسبما جرى عليها العرف، وفي هذا الشان نصت المادة (٥٥٨) مدني على أن (اجرة الدلال إن باع العين بنفسه وبإذن صاحبها على البائع ويعتبر العرف أن سعى بين البائع والمشتري وباع المالك بنفسه).
 وقد سبق لنا التعليق على هذا النص المعيب في تعليق سابق، (التعليق على احكام المحكمة العليا في مسائل البيع، أ.د. عبدالمؤمن شجاع الدين، مكتبة الصادق جولة الجامعة الجديدة صنعاء، طبعة 2023م صنعاء، ص٣٠٥).

الوجه الثاني: ماهية الشاهد على عقد البيع: 

الشاهد هو الشخص الذي يطلب طرفا عقد البيع يطلبا منه الحضور الى مجلس العقد لمشاهدة عملية البيع والاستماع الى صيغة البيع والشراء وشروط العقد، وقد يصادف وجود الشاهد في مجلس العقد من غير سبق طلب من طرفي العقد، وان كانت اصول صياغة العقود تستدعي ان يتم اختيار الشاهد بعناية بالغة بعد التحقق من توفر الشروط الشرعية والقانونية،وان يكون عمر الشاهد مناسبا لمدة سريان العقد اضافة الى زيادة عدد الشهود عن النصاب الشرعي لتلافي وقوع قادح في احد الشهود مستقبلا، ولذلك يتم التحري عن الشهود سيما في العقود ألمهمة او تلك التي تحيط بها محاذير في المستقبل.
وبناء على ما تقدم فان الشاهد هو الذي يشهد مجلس عقد البيع ويسمع ويشاهد صدور الايجاب والقبول وشروط المتعاقدين في مجلس العقد.
والاصل ان الشاهد يؤدي الشهادة حسبة لله تعالى امتثالا لقوله تعالى: (واقيموا الشهادة لله)، ولذلك فان الاصل ان الشاهد لا يتقاضى اجرة او مقابل عن شهادته – بيد انه يستحق نظير مصاريف انتقاله الى مكان مجلس العقد اذا طلب منه المتعاقدان الحضور للشهادة. (التعليق على احكام المحكمة العليا في مسائل الشهادة الجزء الثاني، أ.د. عبدالمؤمن شجاع الدين، مكتبة الصادق جولة الجامعة الجديدة صنعاء، طبعة ٢٠٢٦م، ص١٢٩).

الوجه الثالث: الساعي حينما يكون شاهدا: 

في حالات كثيرة بعد ان تفلح مساعي وجهود الساعي في التوفيق بين طرفي عقد البيع، وحتى يتم تمام الصفقة بالفعل وإبرام العقد فان الساعي يحرص على حضور مجلس عقد البيع لمواجهة اي خلاف قد يقع بين البائع والمشتري وقت ابرام العقد وتبادل الايجاب والقبول وايضا يحرص الساعي على حضور مجلس حتى يقبض اجرته او ما يسمى في اليمن (السعاية).
وعند حضور الساعي مجلس العقد فقد يطلب البائع والمشتري منه الشهادة على انعقاد العقد والتوقيع على مسودة العقد بصفته شاهدا وساعيا، ويقع هذا في حالات كثيرة، وعندئذ يجمع الساعي بين صفتي الساعي والشاهد، بيد انه قد يختار طرفا العقد شهودا اخرين غير السعاة، وعندئذ لا يكون الساعي شاهدا مع حضوره مجلس العقد لان اطراف العقد لم يطلبوا شهادته على العقد والتوقيع معهم على المسودة بصفته شاهدا.
 ومع ذلك يجوز الاستشهاد بشهادة الساعي الحاضر مجلس العقد عند الخلاف اذا وقع بعد العقد قادح قدح في شهادة احد الشهود المختارين الموقعين على المسودة او امتنع او مات احد الشهود او انخرم نصاب الشهادة. (التعليق على احكام المحكمة العليا في مسائل الشهادة الجزء الثاني، أ.د. عبدالمؤمن شجاع الدين، مكتبة الصادق جولة الجامعة الجديدة صنعاء، طبعة ٢٠٢٦م، ص١٣١)، والله اعلم.
مكتبة قانونية وتاريخية تضم كتاباً مفتوحاً مكتوباً فيه الجمع بين صفتي الساعي والشاهد وميزان العدالة
تعليقات