الوكالة بالتصرف لا تمنع الأصيل من التصرف

الوكالة بالتصرف لا تمنع الأصيل من التصرف 

 أ. د/ عبد المؤمن شجاع الدين

 الأستاذ بكلية الشريعة والقانون – جامعة صنعاء

الوكالة عقد غير لازم اي انه يحق للأصيل الموكل ان يعدل عن الوكالة، ويباشر بنفسه التصرف الذي سبق له ان وكل غيره للقيام به، فإذا قام الموكل بمباشرة ذلك التصرف بنفسه فان ذلك ينهي الوكالة السابق صدورها منه.

ومن هذا المنطلق لا يحق للوكيل ان يتمسك بعقد الوكالة في مواجهة الموكل الذي باشر التصرف بنفسه، لان ذلك ينهي الوكالة السابق صدورها له، فالوكالة تنتهي بابرام التصرف سواء تم التصرف من قبل الوكيل او موكله، فلم يعد للوكالة محل في هذه الحالة، حسبما قضى الحكم الصادر عن الدائرة التجارية بالمحكمة العليا في جلستها المنعقدة بتاريخ ٢٤/١/٢٠١١م، وذلك في الطعن رقم (٤٥٥٦٤)، فقد ورد ضمن اسباب الحكم المشار اليه: (فاستمرار الطاعن بالمطالبة بالبصيرة بموجب الوكالة لم يعد مستساغا، لان تلك الوكالة تنتهي بالتصرف من المالك وفقا لاحكام المادة (٩٣١) مدني التي تنص على ان: تنتهي الوكالة في الاحوال الاتية: -٣-اذا تصرف الموكل في الشىء الموكل فيه، فاستمرار المطالبة من الطاعن لا مبرر لها بعد تحقق ما ذكر)، وسيكون تعليقنا على هذا الحكم حسبما هو مبين في الاوجه الاتية:

الوجه الاول: تعريف الوكالة وطبيعتها:

الوكالة في الفقه الاسلامي هي: أن يُقيم الفرد غيره مقام نفسه، في تصرّف جائز معلوم يملكه. ومن ثم فالمتصّرف في مال الغير من دون أن يقيمه المالك عنه لا يكون وكيلاً، وإذا أقامه في تصّرفٍ غير جائزٍ كان التوكيل غير صحيح، أي: كل ما جاز فعله جاز توكيله.

وعرف القانون المدني اليمني الوكالة في المادة (905) مدني التي نصت على ان: (الوكالة هي اقامة الغير مقام النفس حال الحياة في تصرف معلوم جائز شرعا فيما يصح للأصيل حق مباشرته بنفسه).

ويدخل عقد الوكالة من حيث تصنيفه في العقود المسماة، إلا أنه لا يرمي من حيث موضوعه إلى خلق التزام ما بصورة مباشرة، وإنما يرمي إلى إعطاء شخص ما الصلاحيات اللازمة التي تمكنه من تمثيل الموكل، ومن ثم فإن عقد الوكالة هو عقد تمثيلي أو عقد نيابة.

 فالوكيل يقوم بالعمل الموكل له وذلك لحساب الموكل، فالوكيل ينوب عن الموكل ويتكلم باسمه، ويصير كل تعامل من الوكيل مع الآخرين بموجب التوكيل، ينصرف أثره ويلتزم به الموكل فإذا نتج عن عمل الوكيل ديناً دون خطأ من الوكيل فإن الملتزم به هو الموكل وليس الوكيل.

وتتميز الوكالة بأنها عقد غير لازم، ومن ثم يجوز من حيث المبدأ للموكل أن يعزل الوكيل، ولهذا الأخير أن يعتزل الوكالة قبل إتمام التصرف القانوني محل الوكالة، أو حتى قبل البدء به.

بيد ان عقد الوكالة قد يكون عقدا ملزما لطرفي العقد إذا كانت الوكالة بمقابل اي بأجر، حيث يلتزم الوكيل بأداء العمل الذي وكل به، ويلتزم الموكل بأداء الأجر المتفق عليه، وأيضا قد تكون الوكالة ملزمة للجانبين حتى لو لم يكن فيها اتفاق على أجر مقابل الوكالة، كأن يلتزم الموكل بأن يدفع للوكيل ما أنفقه من مال لتنفيذ موضوع الوكالة، ويجب أن نشير أنه في الوكالة قد يكون الالتزام على أحد الأطراف دون الطرف الآخر، فقد تكون الالتزامات تقع على الوكيل وحده إذا لم تكن في مقابل أجر ولم ينفق الوكيل شيء لتنفيذ موضوع عقد الوكالة فلا يكون على الموكل أي التزام. (فقه المعاملات المالية وتطبيقاتها المعاصرة، ا.د. عبد المؤمن شجاع الدين، مكتبة الصادق جولة جامعة صنعاء الجديدة ٢٠٢١م، ص٢٣٥).

الوجه الثاني: الوكالة الخاصة بتصرف معين: 

يحق للأصيل الموكل ان يقوم بتوكيل غيره بإبرام تصرف او اكثر، مثل ان يقوم الموكل في وثيقة واحدة وفي وقت واحد بتوكيل غيره ببيع ارض واحدة او عدة اراضي او سيارة واحدة او عدة سيارات او بيع سيارة و تاجير منزل وتزويج بنت او اخت، إذ تتحدد صفة الوكيل في مباشرة التصرفات المنصوص عليها في وثيقة الوكالة.

وهذه الوكالة تختلف عن الوكالة العامة التي يصرح فيها الموكل بانه قد اقام مقامه وكيله في مباشرة كافة التصرفات وتمثيله امام كافة الجهات اثناء سفره او مرضه او غيابه.

فقد نصت المادة (912) مدني يمني على ان: (الوكالة نوعان: -

1. وكالة تفويض تخول للوكيل التصرف في كل ما تصح النيابة فيه من الحقوق المالية وغيرها الا الاقرار وما استثناه الموكل منها او دل العرف على عدم اندراجه فيها.

2. ووكالة خاصة يخول فيها للوكيل التصرف في شيء خاص بالنص او بالعرف اذا وقعت الوكالة بالفاظ عامة لا تفويض فيها ولا تخصيص فانها لا تخول الوكيل صفة الوكالة الا في الاعمال التي تتعلق بادارة المال وما هو لازم لذلك من تصرفات. ويعد من اعمال الادارة الايجار الذي لا تزيد مدته على ثلاث سنوات واعمال الحفظ والصيانة واستيفاء الحقوق ووفاء الديون وبيع المحصول وبيع البضاعة وبيع المنقول الذي يسرع اليه التلف وشراء ما يلزم لحفظ الشيء محل الوكالة واستغلاله).

فالوكالة العامة هي التي ترد في ألفاظ عامة، فلا يعين فيها الموكل محل التصرف القانوني المعهود به للوكيل، بل ولا يعين فيها نوع هذا التصرف القانونـي ذاته. كأن يقـول الموكل للوكيـل "وكلتك في إدارة أعمالي".

والوكالة العامة لا تخول الوكيل صفة إلا في أعمال الإدارة التي جاء ذكر بعضها على سبيل المثال في المادة سالفة الذكر، وهي الإيجار لمدة لا تزيد على ثلاث سنوات أو أعمال الحفظ والصيانة أو استيفاء الحقوق ووفاء الديون. ومن ثم لا يجوز للوكيل أن يقوم بأي عمل من أعمال التصرف، تبرعاً كان أو معاوضة، إلا إذا كان هذا التصرف تقتضيه أعمال الإدارة.

أما فيما يتعلق بالوكالة الخاصة فقد نصت المادة(913) مدني يمني على ان: (الوكالة الخاصة لابد فيها من النص في كل عمل ليس من اعمال الادارة وبوجه خاص البيع والرهن والتبرعات والصلح والاقرار والتحكيم وتوجيه اليمين والخصومة)

فالوكالة الخاصة تكون في كل عمل ليس من أعمال الإدارة، أي في أعمال التصرف، فتكون الوكالة الخاصة مثلاً في البيع أو في الرهن أو في التبرعات أو في الصلح أو في الإقرار أو في التحكيم. 

ويجوز أن تقتصر الوكالة الخاصة على تصرف واحد من هذه التصرفات، كما يجوز أن تشمل طائفة منها. ولكن يجب في هذه الحالة الأخيرة أن تبين الوكالة على وجه التحديد كل نوع من أنواع التصرفات التي تدخل فيها، فتتعدد الوكالات الخاصة بتعدد أعمال التصرف بين المعاوضات والتبرعات.

فالمعاوضات كالبيع والرهن، وإن كان لا بد فيها من وكالة خاصة، إلا أنه يصح أن تصدر هذه الوكالة من دون تحديد للمحل الذي يقع عليه التصرف، فتكون خاصة في نوع التصرف وعامة في محله. فيجوز مثلاً أن يوكل شخص شخصاً آخر في بيع منزل معين، كما يجوز أن يوكله في البيع بوجه عام. وفي هذه الحالة الأخيرة يكون للوكيل صفة في بيع أي مال للموكل بل في بيع جميع أمواله، ولكن لا يجوز له أن يرهن هذه الأموال أو أن يرتب عليها حقاً عينياً آخر، إذ لا بد لكل نوع من هذه التصرفات من توكيل خاص.

أما التبرعات، كالهبة والإبراء، فيجب أن تكون الوكالة فيها خاصة في نوع التصرف وخاصة أيضاً في محله. فلا يكفي أن يوكل شخص شخصاً آخر في الهبة أو في الإبراء، بل يجب أن يعين المال الذي وكله في هبته أو الدين الذي وكله في الإبراء منه.

وعلى هذا الاساس فان الوكالة الخاصة بتصرف معين او تصرفات معينة يجب ان تتضمن الوكالة تصريح الموكل بانه قد اقام مقامه وكيله في مباشرة التصرفات المذكورة في الوكالة، والمعينة بصورة واضحة ومحددة.

والوكالة الخاصة، سواء كانت في التبرع أو التصرف أو الإدارة، لا يجوز التوسع في تفسيرها، فالتوكيل في الإبراء من دين لا يشمل التوكيل في حوالته مثلاً.

الوجه الثالث: حق الاصيل في ابرام التصرف الذي سبق له التوكيل بشانه: 

نصت المادة(931) مدني يمني على أن: (تنتهي الوكالة في الاحوال الاتية: -

1. اذا اتم العمل الموكل فيه.

2. اذا انتهى الاجل المحدد للوكالة.

3. اذا تصرف الموكل في الشيء الموكل فيه.

4. اذا مات الموكل او زالت اهليته.

5. اذا مات الوكيل او زالت اهليته.

6. جحد الموكل للوكالة عزل للوكيل من حينه.

7. اذا نزل الوكيل عن الوكالة واعتزلها).

ومن خلال استقراء النص السابق المتضمن حالات انتهاء الوكالة يظهر ان غالب تلك الحالات تدل على ان الوكالة الصادرة من الاصيل للوكيل في مباشرة اي تصرف لا تمنع الموكل من مباشرة ذلك التصرف بنفسه، بل ان الفقرة (٣) من النص القانوني السابق قد صرحت بانه يحق للموكل ان يباشر بنفسه التصرف الذي سبق له ان وكل غيره بمباشرته، وقررت تلك الفقرة ان قيام الموكل بمباشرة التصرف بنفسه ينهي الوكالة السابق صدورها منه للوكيل.

فضلاً عن ان الوكالة عقد غير لازم حسبما سبق بيانه، ومؤدى ذلك انه لا يمنع الاصيل الموكل من مباشرة التصرف بنفسه، فاذا باشر الموكل التصرف بنفسه انتهت الوكالة، فلا يستساغ بعد ذلك ان يتمسك الوكيل بالوكالة، فا قصى ما يحق له ان يطلب من الموكل اجره إن كان لذلك موجب، حسبما قضى الحكم محل تعليقنا. (التعليق على احكام المحكمة العليا في مسائل الوكالة، أ.د. عبد المؤمن شجاع الدين، مكتبة الصادق جولة جامعة صنعاء الجديدة ٢٠٢٦م، ص٤٩).

صورة تعبيرية لمكتب قانوني يحتوي على مطرقة العدالة وميزان الحق وأوراق رسمية لمقال الوكالة بالتصرف لا تمنع الأصيل من التصرف في مدونة الدكتور عبدالمؤمن شجاع الدين
الوكالة بالتصرف لا تمنع الأصيل من التصرف — مدونة الأستاذ الدكتور عبدالمؤمن شجاع الدين
تعليقات