التكلف في الطعن بالنقض
التكلف في الطعن بالنقض هو التظاهر والتصنع في صياغة اسباب او حالات الطعن بالنقض كي تظهركأنها من اسباب الطعن بالنقض الحقيقية المقررة في القانون على سبيل الحصر، في حين انها ليست كذلك، مما يعني ان الطعن بالنقض في هذه غير حقيقي، لعدم وجود اية من حالات الطعن بالنقض، وهذا بدوره يؤدي الى عدم قبول الطعن، حسبما قضى الحكم الصادر عن الدائرة التجارية بالمحكمة العليا في جلستها المنعقدة بتاريخ ١٣-٢-٢٠١٠م، في الطعن رقم (٤١٧٢٤)، فقد ورد ضمن أسباب الحكم المشار إليه: (اما ما ورد في الطعن فانه ضرب من التكلف دون تأسيس اسباب الطعن بالنقض على اية من حالات الطعن بالنقض الواردة بالمادة (٢٩٢) مرافعات)، و سيكون تعليقنا على هذا الحكم حسبما هو مبين في الاوجه الاتية:
الوجه الأول: المعنى اللغوي للتكلف:
التَكَلُّف: (اسم)، مصدر الفعل تَكَلَّف، وتَكَلَّفَ: (فعل) وتكلَّفَ يتكلَّف، تَكلُّفًا، فهو مُتَكلِّف، والمفعول مُتكلَّف.
والتَّكَلُّفُ له معان عدة، والمعنى المناسب منها للتكلف في اسباب الطعن هو: التَّظاهُرِ بِالشَّيْءِ او التَّصَنُّعُ، فكُلُّ مَن أَظْهَرَ صِفَةً ليست مَوْجُودَةً في الشيء فهو مُتَكَلِّفٌ.، فيقال: تَكَلُّفُ البُكاءِ: تَصَنُّعُهُ، إِرْغامُ النَّفْسِ عَلَى البُكاءِ (جمهرة اللغة: 2/969 وتهذيب اللغة: 10/139) ومقاييس اللغة: 5/136).
الوجه الثاني: معنى التكلف في الطعن بالنقض:
هو التظاهر والتصنع في صياغة اسباب او حالات الطعن بالنقض كي تظهر بانها من اسباب الطعن بالنقض الحقيقية المقررة في القانون على سبيل الحصر، في حين انها ليست كذلك.
فالتكلف في أسباب الطعن بالنقض او حالات الطعن بالنقض هو إثارة أوجه طعن وهمية او مصطنعة في الحكم المطعون فيه لا سند لها في القانون ولا وجود لها في حقيقة الامر، وغالباً ما يلجأ الطاعن إلى التكلف في الطعن بهدف اطالة إجراءات التقاضي للمماطلة في الوفاء بالحقوق.
وهناك دلائل تدل على التكلف في الطعن بالنقض منها عدم قيام الطاعن ببيان وجه المخالفة في الحكم المطعون وعدم بيان النص القانوني الذي خالفه الحكم او اخطأ في تطبيقه او تأويله.
او قيام الطاعن بتفسير النص القانوني تفسيرا متعسفا او تفسيرا غريبا من قبيل لي اعناق النصوص بقصد الاستناد اليها للقول بان الحكم المطعون فيه قد خالف تلك النصوص او اخطأ في تطبيقها او تأويلها.
ومن مظاهر التكلف في الطعن تضمين اسباب الطعن مسائل موضوعية للتلبيس على محكمة النقض وإظهار المسائل الموضوعية تحت ستار وجود خطأ قانوني كما لو انها من حالات الطعن بالنقض المقررة في المادة (٢٩٢) مرافعات في حين انها في واقع الحال ليست كذلك.
ومن مظاخر التكلف في الطعن بالنقض الغموض والجهالة في صياغة أسباب الطعن، فيصيغها الطاعن بطريقة انشائية ومصطنعة تخلو من تحديد العيب او الخطا القانوني الدقيق ومن تحديد الموضع المخالف في مدونة الحكم المطعون فيه.
الوجه الثالث: عدم بيان الاساس القانوني للطعن بالنقض والتكلف بالطعن:
قضي الحكم محل تعليقنا بان عدم بيان الاساس القانوني للطعن بالنقض يجعل الطعن
متكلفا، لان عريضة الطعن يجب ان تتضمن بيان الحالة من حالات الطعن بالنقض التي عابت الحكم المطعون فيه، وهذه الحالات محددة على سبيل الحصر في المادة (292) من قانون المرافعات اليمني التي نصت على انه: (يجـوز للخصوم أن يطعنوا أمام المحكمة العليا في الأحكــام الصـادرة من محاكم الاستئناف ومن المحاكم الابتدائية التي لا تقبل الطعن بالاستئناف في الأحوال الآتية:
1- إذا كان الحكم المطعون فيه مبنياً على مخالفة الشرع والقانون أو خطأ في تطبيق أيٍ منهما أو تأويله أو لم يبين الأساس الذي بُنيَ عليه.
2- إذا وقع بطلان في الحكم أو بطلان في الإجراءات أثَّر في الحكم أو كان منطوق الحكم مناقضاً بعضه لبعض.
3- إذا حُكم بشيء لم يطلبه الخصوم أو بأكثر مما طلبوه.
4- إذا تعارض حكمان نهائيان في دعويين اتحد فيهما الخصوم والموضوع والسبب).
وحتى لا يكون الطعن متكلفا فانه يجب على الطاعن ان يبين في عريضة الطعن حالة او حالات الطعن التي تحققت في الحكم المطعون فيه، ويجب عليه ايضا ان يبين موضع تحقق هذه الحالة في الحكم المطعون فيه، ويجب على الطاعن ايضا ان يشرح في عريضة الطعن كيفية تطبيق حالة الطعن بالنقض في الحكم المطعون فيه.
الوجه الرابع: الأثر القانوني للتكلف في الطعن:
سبق ان ذكرنا ان التكلف في الطعن يجعل الطعن بالنقض مصطنعا، ومفاد ذلك ان الطعن بالنقض في هذه الحالة غير حقيقي وان تمت تسمية عريضته (عريضة طعن بالنقض) وان تمت تسمية حالات الطعن المذكورة في العريضة باسماء حالات الطعن بالنقض المقررة في المادة السابق ذكرها.
ولان الطعن بالنقض المتكلف غير حقيقي فان محكمة النقض تقرر رفضه أو عدم قبوله: لان أسباب الطعن يظهر فيها التكلف والجهالة لعدم جديتها أو لكونها مجرد جدل موضوعي في سلطة قاضي الموضوع.
وقد قضت محكمة النقض المصرية في حكم حديث لها، وهو حكمها في الطعن رقم ١٦٨١ لسنة ٩١ قضائية، الصادر بجلسة ٢٠٢٢/٠٢/١٦، قضت بأن: (المادة ٢٥٣ من قانون المرافعات إذ أوجبت أن تشتمل صحيفة الطعن بالنقض على بيان الأسباب التى بنى عليها الطعن وإلا كان باطلاً إنما قصدت بهذا البيان أن تحدد أسباب الطعن وتُعرف تعريفاً واضحاً كاشفاً عن المقصود منها كشفاً نافياً عنها الغموض والجهالة، بحيث يبين منها العيب الذى يعزوه الطاعن إلى الحكم وموضعه منه وأثره فى قضائه ومن ثم فإن كل سبب يراد له القبول يجب أن يكون مبيناً بياناً دقيقاً.(الطعن رقم ١٦٨١ لسنة ٩١ قضائية). (التعليق على أحكام المحكمة العليا في مسائل الطعن بالنقض الجزء الثاني، أ. د. عبد المؤمن شجاع الدين، مكتبة الصادق جولة جامعة صنعاء الجديدة ٢٠٢٦م، ص٥٣)، والله اعلم.