النص في الحكم على عدم جواز الطعن فيه
يجب على المحكمة أن تتقيد في حكمها بحدود ولايتها المحددة في قانون او قرار انشائها، كما ان على المحكمة ان تتقيد بنطاق الخصومة المنظورة امامها.
وتطبيقا لذلك يجب على المحكمة حينما تحكم في الخصومة ان تتقيد بنطاق ولايتها، فلا يجوز للمحكمة ان تحكم بالحقوق التي تنشاء بعد حكمها، لان ذلك من ولاية واختصاص محكمة الطعن.
وبناء على ذلك لا يصح ان تتضمن اسباب الحكم او منطوق الحكم الابتدائي فقرة تنص على حق المحكوم عليه في استئناف الحكم، لان الحق في الاسئناف ينشا بعد النطق بالحكم الابتدائي الذي تستنفد به المحكمة ولايتها، وفي السياق ذاته لا يصح ان تتضمن اسباب الحكم الاستئنافي او منطوقه فقرة تنص على حق او منع المحكوم عليه من الطعن بالنقض في الحكم، لان ذلك قضاء في مسألة ليست من ولاية محكمة الاستئناف، حسبما قضى الحكم الصادر عن الدائرة التجارية بالمحكمة العليا في جلستها المنعقدة بتاريخ ٩-٢-٢٠١٤مم، في الطعن رقم (٥٣١١٠)، فقد ورد ضمن أسباب الحكم المشار إليه: (اما قول الشعبة في حكمها انه: لا يسع هذه الشعبة إلا ان تقضي بإنهاء القضية بالتنفيذ الذي قامت به الشعبة حسبما هو موضح في محضر التنفيذ، ويكون حكم الشعبة غير قابل للطعن امام المحكمة العليا استنادا الى المادة (٥٠١) مرافعات، والدائرة تجد ان ذلك تزيدا من الشعبة لا مبرر له، وكان عليها ان تترك الامر للمحكمة العليا للفصل في اي استشكال او منازعة في التنفيذ حال رفعها للمحكمة العليا)، و سيكون تعليقنا على هذا الحكم حسبما هو مبين في الاوجه الاتية:
الوجه الاول: وقت نشأة الحق في الطعن في الحكم:
من اهم الاثار المترتبة على النطق بالحكم وجود حق المحكوم عليه في الطعن في الحكم، إذ ينشا هذا الحق من بعد النطق بالحكم، وقبل ذلك الوقت لا يكون هذا الحق موجودا الا في القانون الذي يقرر ان هذا الحق لا يتم استعماله إلا بعد النطق بالحكم.
ومن هذا المنطلق فان تضمين اسباب الحكم او منطوقه عبارة: (يحق للمحكوم عليه الطعن في الحكم او عدم الطعن فيه) قضاء بشيء لم يوجد بعد وقضاء بشيء لم يطلبه الخصوم، وقضاء بشيء لم تتم اثارته امام المحكمة التي قضت به).
الوجه الثاني: النص على حق المحكوم عليه في الطعن او منعه خروج عن ولاية المحكمة المصدرة للحكم:
ذكرنا في الوجه السابق ان حق الطعن في الحكم ينشا بعد النطق بالحكم، ولذلك فان تضمين أسباب الحكم او منطوقه فقرة تنص على حق المحكوم عليه بالطعن او منعه من ذلك خروج عن ولاية المحكمة التي نطقت بالحكم، لان قبول الطعن او رفضه من اختصاص محكمة الطعن اي ان ذلك من ولايتها وليس من ولاية المحكمة التي نطقت بالحكم.
الوجه الثالث: النص في أسباب الحكم او في منطوق على حق المحكوم عليه في الطعن او منعه مصادرة لحق المحكوم عليه في تقرير الطعن من عدمه:
يصرح القانون بان حق الطعن مقرر لمصلحة المحكوم عليه، فهو وحده الذي يقرر الطعن في الحكم او القبول بالحكم والامتناع عن الطعن فيه، وحق الطعن حق للمحكوم عليه وليس واجبا عليه، فهو الذي يقرر الطعن او عدمه، فلا يصح للحكم ان يصادر هذا الحق وان يقرر بدلا عن المحكوم عليه.
إضافة الى ان القانون هو الذي يقرر هذا الحق الذي ينشا بعد النطق بالحكم، فلا يتقرر الحق في الطعن في الحكم بالحكم ذاته بل يتقرر بموجب القانون.
الوجه الرابع: الفرق بين اسباب الحكم الزائدة وبين النص في على حق المحكوم عليه في الطعن او عدمه:
قضى الحكم محل تعليقنا بان: تضمين اسباب الحكم عبارة تنص على حق المحكوم عليه في الطعن او منعه من ذلك يكون من قبيل التزيد في اسباب الحكم الذي لا مبرر له.
ومؤدئ ذلك ان تضمين اسباب الحكم او منطوقه تلك العبارة يعد تزيدا اي ان هذا السبب يكون زائدا.
والقانون والفقه والقضاء يذهب الى ان الاسباب الزائدة هي الاسباب التي تزيد عن الاسباب الكافية لحمل الحكم، فإذا توفرت أسباب الحكم الصحيحة الكافية على حمل الحكم، ومتى كانت أسباب الحكم الكافية متسقة فيما بينها وفيما بينها وبين المنطوق، فقد تحقق المقصود من تسبيب الحكم، وذلك هو القدر المطلوب من القاضي عند صياغته لأسباب الحكم ومنطوقه، فإذا زاد القاضي فوق الأسباب الكافية فتلكم هي أسباب الحكم الزائدة، فالحكم يكون صحيحا حتى لو تكن تلك الاسباب موجودة.
الوجه الخامس: الفرق بين الاسباب الزائدة وبين الارشادات:
ذكرنا في الوجه السابق ان أسباب الحكم الزائدة اسباب صحيحة تبرر الحكم وتسنده غير انها زائدة عن الاسباب الكافية لحمل الحكم عليها، ولذلك فان الاسباب الزائدة ليست عبثا بل انها تدل على إيجابية القاضي وتفانيه في عمله.
في حين ان تضمين اسباب الحكم ارشادات لا يعد من قبيل الاسباب التي تبرر المنطوق، وانما هي تظهر الدور التنويري للقضاء، فالإرشاد قد يكون للخصوم كأن يقول القاضي في أسباب الحكم: فما ذكره المدعى عليه لا محل لإثارته أمامنا فمحله أن يقوم المدعى عليه برفع دعوى مبتدأه إن أراد ذلك، وقد تتضمن الارشادات إرشاد للمحامين، كأن يقول القاضي في أسباب الحكم: اما ما ذكره محامي المدعي فهو تخريج لم يذهب إليه أحد من شراح القانون حسبما ورد في كتاب نظرية الدفوع لأبي الوفاء ص: كذا، كما قد تتضمن الارشادات توصية للسلطة التشريعية بتعديل نص معيب كأن يقول القاضي ضمن الأسباب: ونتمنى أو نوصي المقنن بتعديل هذا النص.
والارشادات التي يتم تضمينها في أحكام محاكم النقض والتعقيب والتمييز في العالم تعد من اهم مظاهر الرقابة القانونية التي تباشرها محاكم النقض، فمحكمة النقض محكمة قانون لا تكتفي بالفصل في الطعون المرفوعة اليها من الخصوم بل انها ترشد الى كيفية التطبيق الصحيح للقانون، اذ تتضمن هذه الارشادات التقويم المستمر لالتزام محاكم الموضوع بالنصوص القانونية، وتتضمن هذه الإرشادات توجيه محاكم الموضوع لتلافي أوجه القصور في أحكام محاكم الموضوع في المستقبل، بل ان ارشادات محاكم النقض من اهم المصادر التي يعتمد عليها المقنن عند تعديله للنصوص المعيبة او القاصرة، فضلا عن ان ارشادات محكمة النقض من اهم وسائل التوعية القانونية، لأنها تظهر كيفية التطبيق الصحيح للنص القانوني. (التعليق على أحكام المحكمة العليا في مسائل الطعن بالنقض الجزء الثاني، مكتبة الصادق جولة الجامعة الجديدة صنعاء، طبعة ٢٠٢٦م، ص١٦١)، والله اعلم.