عدم مرونة إجراءات التحكيم في القانون اليمني
أ.د. عبد المؤمن شجاع الدين
الأستاذ بكلية الشريعة والقانون – جامعة صنعاء
نصت المادة (32) من قانون التحكيم اليمني على انه: (يحق لطرفي التحكيم أن يتفقا على الإجراءات التي يتعين على لجنة التحكيم إتباعها، فإذا لم يوجد أي اتفاق فانه يجوز للجنة أن تتبع ما تراه ملائما من الإجراءات مع ضرورة مراعاة أحكام هذا القانون وعدم الاخلال بأحكام قانون المرافعات التي تعتبر من النظام العام).
ومعنى هذا النص ان اذا لم يتفق الخصوم اطراف التحكيم على الإجراءات التي ينبغي على المحكم او لجنة التحكيم الالتزام بها اثناء اجراءات نظر الخصومة التحكيمية فانه يجب على المحكم في هذه الحالة ان يقوم بإجراءات التحكيم المناسبة شريطة ان لا تخالف هذه الاجراءات اجراءات التحكيم المقررة في قانون التحكيم وكذا عدم مخالفة تلك الإجراءات باحكام النظام العام في قانون المرافعات التي تعتبر جميعها من النظام العام حسبما ورد في النص.
وسوء صياغة هذا النص تسبب جدلا قانونيا واسعا في اليمن بشان المقصود بعبارة: (وعدم الاخلال بأحكام قانون المرافعات التي تعتبر من النظام العام) فهل المقصود بهذه العبارة ان كل احكام قانون المرافعات من النظام العام التي لا يجوز للمحكم مخالفتها ؟ ومؤدئ ذلك انه يجب على المحكم الالتزام بجميع أحكام قانون المرافعات باعتبارها جميعها من النظام العام، ومعنى هذا انه يجب على المحكم ان يكون كالقاضي في اجراءات نظره للقضية، وهذا الفهم يفقد التحكيم مرونته ومعناه كوسيلة بديلة للقضاء في حسم الخلافات والحد من تدفق القضايا على المحاكم، ام ان المقصود بالعبارة السابق ذكرها ان المحكم يلتزم بنصوص قانون المرافعات المتعلقة بالنظام العام علما بان نسبة النصوص المتعلقة بالنظام في قانون المرافعات تزيد نسبتها على ٩٨٪ من نصوص القانون.
وبغض النظر عما ورد في النص القانوني السابق فانه يجب على المحكم ان يتبع الاجراءات التي اتفق عليها الخصوم في الخصومة التحكيمية، حسبما قضى الحكم الصادر عن الدائرة التجارية بالمحكمة العليا في جلستها المنعقدة بتاريخ ١٨-١٢-٢٠١٠م، في الطعن رقم (٤١٩١٣)، فقد ورد ضمن أسباب الحكم المشار إليه: (اما التعلل بالجانب الاجرائي في الحكم فغير مقبول، لان اتفاق الطرفين كان على ما يسمى بالتحكيم (بالتكفأة) الذي يعطي لجنة التحكيم اتباع الملائم من الاجراءات وفقا لنص المادة (٣٢) تحكيم)، وسيكون تعليقنا على هذا الحكم حسبما هو مبين في الاوجه الاتية:
الوجه الأول: رضائية التحكيم وعلاقتها بإجراءات التحكيم التي يتفق عليها المحتكمون:
وفقا لقانون التحكيم اليمني فان التحكيم عقد مكتوب يتم ابرامه فيما بين الخصوم، ويتضمن هذا العقد او الاتفاق تعيين المحكم وتحديد الاجراءات التي يجب على المحكم اتباعها.
وقد ورد ضمن تعاريف للمصطلحات القانونية في المادة (٢) تعريف اتفاق التحكيم فقد نصت المادة (٢) على ان: (اتفاق التحكيم:ـ موافقة الطرفين على الالتجاء إلى التحكيم والتي تشملها وثيقة التحكيم (أي عقد مستقل) أو شرط التحكيم(أي بند في عقد).
وبينت المادة(4) تحكيم طريقة انعقاد عقد التحكيم فقد نصت هذه المادة على ان: (ينعقد التحكيم بأي لفظ يدل عليه وقبول من المحكم ولا يجوز اثبات التحكيم إلا بالكتابة(
وفي السياق ذاته نصت المادة(15) تحكيم على انه: (لايجوز الاتفاق على التحكيم إلا بالكتابة سواء قبل قيام الخلاف او النزاع او بعد ذلك وحتى لو كان طرفي التحكيم قد أقاما الدعوى أمام المحكمة. ويكون الاتفاق باطلا إذا لم يكن مكتوبا ومحددا به موضوع التحكيم ويكون الاتفاق مكتوبا إذا تضمنته وثيقة تحكيم او برقيات او خطابات او غيرها من وسائل الاتصال الحديثة ذات الطابع التوثيقي).
كما نصت المادة(16) تحكيم على انه: (يجوز أن يكون اتفاق التحكيم على شكل عقد مستقل (وثيقة التحكيم) على شكل بند في عقد (شرط التحكيم) وفي الحالة الأخيرة يعامل شرط التحكيم باعتباره اتفاقا مستقلا عن شروط العقد الأخرى وإذا حكم ببطلان العقد ذاته أو بفسخه فإنه لا يترتب على ذلك بطلان شرط التحكيم).
ومن خلال استقراء النصوص القانونية السابقة يظهر ان التحكيم عقد يقوم على سلطان الارادة والتراضي بين اطرافه، ولذلك يحق للمحتكمين الاتفاق على الإجراءات التي يجب على المحكم اتباعها عند نظره في الخصومة التحكيمية، وقد يتفق المحتكمون على إجراءات التحكيم في وثيقة اتفاق التحكيم وهو الافضل وقد يتم الاتفاق على الاجراءات في وثيقة مستقلة.
كما ان الرضائية في التحكيم تحتم ان تكون اجراءات التحكيم مبسطة وسريعة ومرنة وسلسلة، وان لاتكون على غرار إجراءات التقاضي امام القضاء حتى يحقق التحكيم غايته في معاونة القضاء وتخفيف القضايا المتدفقة على المحاكم.
الوجه الثاني: المقصود بإجراءات التحكيم التي يتبعها المحكم:
يجب على المحكم في سبيل الفصل في الخصومة التحكيمية يجب عليه القيام بإجراءات التحكيم، وهي الإجراءات التي تبدا من بعد التوقيع على اتفاق التحكيم حتى صدور حكم التحكيم واعلان الخصوم به.
وتتلخص اجراءات التحكيم في انه يجب على المحكم أو هيئة التحكيم الالتزام بالحياد التام والإفصاح كتابةً عن أية ظروف تثير شكوكاً بشان الاستقلالية أو الحياد قبل قبول المهمة، ومن اجراءات التحكيم تحديد لغة المرافعة في التحكيم وتحديد المدة التي يتم الفصل في الخصومة خلالها، ومن اجراءات التحكيم ايضا تحديد مواعيد جلسات التحكيم ومكان انعقادها وتحديد الفترة الزمنية بين كل جلسة واخرى وكذا طريقة اعلان الاطراف وسماع أقوال الخصوم والشهود والخبراء، واستلام مذكرات الخصوم ومستنداتهم ودعاويهم ودفوعهم وادلتهم، ويتم ذلك في جلسات التحكيم المحددة لذلك، ومن اجراءات التحكيم المساواة بين الأطراف، وإدارة الإجراءات بمرونة وفقاً لاتفاق التحكيم والقانون المنظم، ومن اجراءات التحكيم تدوين محاضر جلسات التحكيم وذلك لكل جلسة وتدوين خلاصة المرافعات وأقوال الشهود والخبراء وتوقيعها من قبل المحكم والخصوم والخبراء والشهود، ومن اجراءات التحكيم تحديد ضوابط الاستعانة بالخبراء.
وتشمل اجراءات التحكيم المداولة بين افراد هيئة التحكيم اذا تعدد افرادها واعداد مسودة الحكم والنطق بالحكم في حلسة علنية وتحرير الحكم وإصداره واعلان الخصوم بنسخ منه وإيداع الحكم لدى محكمة الإستئناف في الميعاد القانوني المقرر. (التعليق على أحكام المحكمة العليا في مسائل التحكيم الجزء الرابع، أ. د. عبد المؤمن شجاع الدين، مكتبة الصادق جولة جامعة صنعاء الجديدة ٢٠٢٦م، ص١٣٧).
الوجه الثالث: اجراءات التحكيم في قانون التحكيم اليمني:
نظم قانون التحكيم اليمني اجراءات في المواد من المادة (٣٢) حتى المادة (٤٤) ونذكر في هذا الوجه النصوص القانونية كما وردت في قانون التحكيم حتى يدرك المطالع الكريم ان القانون اليمني قد ضيق الخناق على المحكم ولم يترك له مساحة لاختيار الإجراءات المناسبة التي تختلف من قضية الى اخر. بحسب طبيعة كل قضية، وبيان هذه النصوص الواردة في القانون كما يا تي:
• مادة(32) يحق لطرفي التحكيم أن يتفقا على الإجراءات التي يتعين على لجنة التحكيم إتباعها فإذا لم يوجد أي اتفاق فانه يجوز للجنة أن تتبع ما تراه ملائما من الإجراءات مع ضرورة مراعاة أحكام هذا القانون وعدم الاخلال بأحكام قانون المرافعات التي تعتبر من النظام العام.
مادة(33) يتعين على لجنة التحكيم معاملة طرفي التحكيم على قدم المساواة وأن تهيئ لكل منهما فرصا متكافئة لعرض قضيته والدفاع عنها.
مادة(34) تبدأ إجراءات التحكيم من اليوم الذي يتسلم فيه احد الطرفين طلبا من الطرف الآخر بعرض النزاع على التحكيم وفقا لاحكام هذا القانون أو لشروط اتفاق التحكيم.
مادة(35) على الطرف المدعي أن يرسل بيانا مكتوبا إلى كل عضو من أعضاء لجنة التحكيم وذلك خلال المدة الزمنية المتفق عليها او التي تعينها لجنة التحكيم ويجب أن يشمل البيان المكتوب المعلومات التالية:ـ
اسم وعنوان الطرف المدعي، اسم وعنوان الطرف المدعى عليه، شرح كامل لوقائع الدعوى، مع تحديد القضايا محل النزاع وكذا طلباته وكلما اتفق الطرفان على ضرورة ذكره في بيان الدعوى ويحق للطرف المدعى أن يعدل دفاعه او طلباته او يضيف اليها خلال مدة سير إجراءات التحكيم مالم تكن القضية قد حجزت للحكم.
مادة(36) على الطرف المدعى عليه أن يقدم بيان دفاعه مكتوبا إلى كل عضو من أعضاء لجنة التحكيم وان يشمل رده كل ما ورد في بيان الادعاء وأي بيانات وطلبات ودفوع أخرى يرى أنها ضرورية وله أن يعدل طلباته او دفوعه او أن يضيف اليها خلال سير إجراءات التحكيم مالم تكن القضية قد حجزت للحكم. [9]
مادة(37) يتم تقديم المستندات والوثائق من الطرفين إلى لجنة التحكيم وكذا تقارير الخبراء وتقوم اللجنة بعرض ما يلزم عرضه على أي من طرفي النزاع. [10]
مادة(38) تعقد لجنة التحكيم جلسات للاستماع للمرافعات الشفوية وذلك لتمكين كل من الطرفين من شرح موضوع الدعوى وتقديم الحجج والأدلة وتكون الجلسات سرية ولا يجوز حضور أحد ممن ليس له علاقة بالمنازعة.
مادة(39) على لجنة التحكيم اخطار الطرفين بمواعيد جلسات المرافعات الشفوية والاجتماعات قبل عقدها بوقت كاف.
مادة(40) إذا تطلب الأمر الاستعانة بخبراء أو كانت هناك ضرورة لسماع الشهود ففي هذه الحالة لا يكون هناك أي داع لطلب اليمين مالم يخالف ذلك قانون الإثبات الشرعي.
مادة(41) إذا تخلف الطرف المدعي عن تقديم بيان دعواه تنهي لجنة التحكيم كافة إجراءات التحكيم ولها الحق في مطالبته بدفع كافة النفقات المترتبة على بدء الإجراءات وإنهائها وإذا تخلف الطرف المدعي عليه عن تقديم بيان دفاعه تواصل لجنة التحكيم الإجراءات ولا يعتبر تخلف الطرف المدعى عليه قبولا بما ورد في بيان الادعاء وإذا تخلف أحد الطرفين عن حضور جلسة أو اجتماع أو تخلف عن تقديم الأدلة المطلوبة منه فانه يجوز للجنة التحكيم الاستمرار في الإجراءات وإصدار حكمها في المنازعة استنادا إلى الأدلة المطروحة أمامها بحيث لا يخل ذلك بحقوق الطرفين التي تنظمها أحكام هذا القانون.
مادة(42) يجوز للجنة التحكيم أن تعين خبيرا أو أكثر لتقديم تقرير مكتوب أو شفوي بشأن ما تراه من قضايا متعلقة بموضوع النزاع وعلى أطراف النزاع تقديم المساعدة اللازمة لتمكين الخبير او الخبراء من إكمال المهمة على خير وجه وترسل لجنة التحكيم نسخ من التقرير إلى كل من الأطراف وللجنة أن تقرر عقد جلسة لسماع أقوال الخبير واتاحة الفرصة للأطراف لسماعه ومناقشته والرد عليه ويجوز لأي من الطرفين الاستعانة بخبير أو خبراء بصفة شهود في مثل هذه الحالة مالم يوجد اتفاق بخلاف ذلك.
مادة(43) يجوز للجنة التحكيم أو لأي من الطرفين طلب المساعدة من المحكمة المختصة للحصول على أدلة وكذا طلب اتخاذ ما تراه ملائما من الإجراءات التحفظية أو المؤقتة كما يجوز لها أن تطلب من المحكمة المختصة الحكم في المواضيع المتعلقة بالنزاع والتي تخرج عن صلاحياتها دون أن يعني ذلك توقف إجراءات التحكيم.
مادة(44) تنقطع الخصومة أمام لجنة التحكيم لقيام أحد أسباب الانقطاع الواردة في قانون المرافعات المدنية والتجارية ويترتب على ذلك الآثار التي ينص عليها ذات القانون.
ومن مطالعة النصوص القانونية السابقة يظهر انها قد قيدت المحكم بالالتزام باجراءات مشابهة الى حد ما مع الاجراءات التي يجب على القاضي الالتزام بها، فلم توفر هذه النصوص للمحكم المرونة الكافية حتى تتحقق الحكمة التي ابتغاها المقنن من التحكيم كوسيلة معاونة للقضاء.
الوجه الرابع: وجوب المرونة في اجراءات التحكيم:
تجمع الاعراف القبلية اليمنية الاصيلة والحميدة والقانون والفقه في العالم اجمع على انه ينبغي ان تسير إجراءات التحكيم على نحو اسرع من اجراءات التقاضي البطيئة والطويلة، ولذلك ينبغي ان تكون اجراءات التحكيم مرنة وسلسلة وسريعة قياسا بإجراءات التقاضي.
ومن هذا المنطلق يحق لأطراف النزاع الاتفاق بحرية تامة على الإجراءات التي يتبعها المحكم، ويُعد هذا الاتفاق ملزماً لهيئة التحكيم استناداً إلى مبدأ سلطان الإرادة. وفي حال عدم الاتفاق، يمتلك المحكم ايضا سلطة تحديد الإجراءات المناسبة بحسب طبيعة القضية.
ومن مظاهر مرونة إجراءات التحكيم انه يمنح الأطراف حرية اختيار قواعد ملائمة لطبيعة نزاعهم، وانه يجب على المحكم ان يلتزم بما اتفق عليه الخصوم، ويُعد مخالفتها سبباً لبطلان الحكم، وانه عند خلو اتفاق التحكيم من الاجراءات التي حددها الاطراف فان المحكم يتبع الإجراءات الملائمة او يرجع الى القواعد الإجرائية في قانون التحكيم التي تكون مرنة قياسا باجراءات التقاضي.
فالأصل في اجراءات التحكيم هو إعفاء هيئة التحكيم من التقيد بالقواعد الإجرائية التي يتقيد بها القاضي، لان الأساس في التحكيم هو اتفاق الأطراف الذي يحدد قدر المرونة التي يتمتع بها المحكم فقد يقيدونه بنظام إجرائي معين وقد يكتفوا بالاتفاق على مبدأ التحكيم دون أن يحددوا النظام الإجرائي.
وقد أجاز القانون المصري لطرفي التحكيم الاتفاق على إخضاع التحكيم لما يرونه من إجراءات سواء طبقا للقانون المصري أو طبقا للإجراءات التي تتبعها أي منظمة أو هيئة تحكيم سواء في مصر أو خارجها إلا أنه يجب دائما مراعاة عدم مخالفة هذه الإجراءات النظام العام للقانون الذي يجرى التحكيم على ضوئه أو للبلد المطلوب التنفيذ فيها، ولطرفي التحكيم تحديد مكان التحكيم سواء داخل مصر أو في خارجها وكذلك لغة التحكيم، وتبدأ إجراءات التحكيم من اليوم الذي يتسلم فيه المدعى عليه طلب التحكيم من المدعى الذي يعلن فيه رغبته في الالتجاء إلى التحكيم ما لم يتفق الطرفان على موعد آخر
عند إتباع التحكيم الخاص كقاعدة عامة لا يلزم المحكم بإتباع إجراءات معينة إلا إذا اتفق الطرفان على إتباع قواعد إجرائية أو قانون إجراءات معين.
فتبدأ الإجراءات بقيام طالب التحكيم (المدعي) بإرسال إخطار إلى المطلوب التحكيم ضده (المدعي عليه) وتسمى بإخطار التحكيم. وبعد اكتمال عدد المحكمين فإن أول عمل يقوم به هؤلاء هو دراسة القضية وتنظيم ملف لها، وبعد ذلك يطلب المحكمون من المدعي تقديم بيان بالدعوى وإرسال نسخة منه للمدعى عليه، ثم يرد المدعى عليه على البيان ويسمى "بيان الدفاع" ويكون مكتوبا مع إرسال نسخة منه للمدعي ونسخ أخرى للمحكمين بحسب عددهم ويشير فيه إلى أدلة الإثبات المقدمة منه.
أما عن عقد جلسات المرافعات فيمكن لأي من الطرفين الطلب من هيئة التحكيم في أية مرحلة عقد جلسات لسماع شهادة الشهود، او سماع آراء الخبراء أو إجراء مرافعة شفوية لسماع الطرفين. أما إذا لم يقدم مثل هذا الطلب فإن هيئة التحكيم تقرر ما إذا كان من المناسب عقد جلسات للمرافعة أو السير في الإجراءات على أساس الوثائق والمستندات المقدمة من الطرفين.
وقد قضت محكمة النقض المصرية في حكم حديث لها، وهو حكمها في الطعن رقم ١٦٨١ لسنة ٩١ قضائية، الصادر بجلسة ٢٠٢٢/٠٢/١٦، قضت محكمة النقض: (أن التنظيم القانونى للتحكيم إنما يقوم على رضاء الأطراف وقبولهم به كوسيلة لحسم كل أو بعض المنازعات التى تنشأ بينهم بمناسبة علاقة قانونية معينة عقدية أو غير عقدية، فإرادة المتعاقدين هى التى توجد التحكيم وتحدد نطاقه من حيث المسائل التى يشملها، والقانون الواجب التطبيق وتشكيل هيئة التحكيم وسلطاتها وإجراءات التحكيم).
الوجه الخامس: مصادرة القانون اليمني لحق الاطراف في تحديد اجراءات التحكيم في نزاعهم: وتوصيتنا للمقنن اليمني:
نصت المادة(32) من قانون التحكيم اليمني على انه: (يحق لطرفي التحكيم أن يتفقا على الإجراءات التي يتعين على لجنة التحكيم إتباعها، فإذا لم يوجد أي اتفاق فانه يجوز للجنة أن تتبع ما تراه ملائما من الإجراءات مع ضرورة مراعاة أحكام هذا القانون وعدم الاخلال بأحكام قانون المرافعات التي تعتبر من النظام العام).
وقد اجاز هذا النص للخصوم اطراف التحكيم الاتفاق على الإجراءات التي ينبغي على المحكم او لجنة التحكيم الالتزام بها اثناء اجراءات نظر الخصومة التحكيمية القائمة بينهم وعند عدم اتفاق الخصوم على الإجراءات اجاز النص للمحكم ان يتبع الاجراءات الملائمة، بيد ان النص ذاته اشترط ان لا تخالف هذه الاجراءات التي يتفق عليها الاطراف اجراءات التحكيم او يتبعها المحكم ان لا تخالف اجراءات التحكيم المقررة في قانون التحكيم وكذا عدم مخالفة تلك الإجراءات لاحكام قانون المرافعات التي قرر النص انها تعتبر من النظام العام، حسبما ورد في النص السابق اي انه يجب ان لا تخالف الاجراءات التي يتفق عليها الخصوم او التي يتبعها المحكم احكام قانون المرافعات التي تعتبر جميعها من النظام العام حسبما ورد صراحة في النص القانوني السابق.
وحقيقة الامر ان النص القانوني السابق ذاته قد صادر حق الخصوم في الاتفاق على الاجراءات المناسبة للفصل في خصومتهم وكذا حق المحكم في اتباع الإجراءات المناسبة حينما علق النص حق الخصوم وحق المحكم بكافة احكام قانون المرافعات التي اعتبرها جميعها من النظام العام الذي لا يجوز الاتفاق على خلافه ولايجوز للمحكم مخالفته،.
فقد اوجب النص السابق على الخصوم عند الاتفاق على إجراءات التحكيم الخاصة بهم واوجب على المحكم ايضا مراعاة اجراءات التحكيم المقررة في قانون التحكيم التي جاءت مفصلة نظمت كل الاجراءات ولم تترك للخصوم او المحكم اي اجراء لاتفاق عليه او اتباعه، لان القانون قد نظمها، وبناء على ذلك فان ما اعطاه النص القانوني السابق باليد اليسرى قد سلبه باليد اليمنى.
ولان القانون اليمني قد صادر وسلب حق المحكم وحق اطراف التحكيم في اتباع او الاتفاق على اجراءات التحكيم المناسبة للخصومة التحكيمية، لذلك فان المحكم في اليمن يفصل في الخصومة التحكيمية مطبقا قانون المرافعات مثلما ينظر القاضي في الخصومة القضائية، وبناء على ذلك فقد تعطلت الغاية والحكمة من التحكيم وصار التحكيم بسبب هذا النص نسخة اخرى من العمل القضائي.
وقد تجاهل المقنن اليمني خصوصية بعض قضايا التحكيم مثل تطبيق مستندات او تحديد المعالم الفاصلة بين الاراضي المتنازع عليها..الخ.
كما تجاهل المقنن اليمني الموروث الحضاري للمجتمع اليمني، فقد كان المحكم اليمني يفصل في النزاع بين الخصوم في بعض القضايا (بزامل) والزامل في لهجة اهل اليمن نشيد جماعي، كان الزامل يفصل في الخصومة من غير حاجة الى اجراءات التحكيم المعقدة، بل ان كرام اهل اليمن يتنازل عن حقه حتى في الدم اذا قصده او قدم اليه المحكم او المصلح، وقد استطاع احد المسئولين فياليمن ان يحسم مئات الخلافات والثارات بجولة قام بها على بعض المناطق من غير حاجة الى اجراءات التحكيم المعقدة.
مع العلم ان الواقع العملي يشهد ان اكثر حالات دعاوى بطلان احكام التحكيم في اليمن تستند الى مخالفة المحكم للإجراءات المقررة في قانون التحكيم وقانون المرافعات، ومعنى ذلك ان دعاوى بطلان احكام التحكيم بسبب مخالفة الإجراءات المنصوص عليها في قانوني المرافعات والتحكيم تعطل الحكمة من التحكيم.
ومن هذا المنطلق فاننا نوصي المقنن اليمني: بإعادة صياغة المادة (32) من قانون التحكيم وفقا للتعديل الاتي: (يحق لطرفي التحكيم أن يتفقا على الإجراءات المناسبة التي يتعين على لجنة التحكيم إتباعها واذا لم يوجد أي اتفاق فانه يجوز للجنة أن تتبع ما تراه ملائما من الإجراءات مع مراعاة عدم الاخلال بالنظام العام).
الوجه السادس: وجوب التزام المحكم بإجراءات التحكيم التي اتفق عليها المحتكمون:
يقرر قانون التحكيم وجوب التزام المحكم بإتباع الإجراءات التي اتفق عليها المتحكمون، وفي هذا الشأن نصت المادة (32) تحكيم على انه: (يحق لطرفي التحكيم ان يتفقا على الإجراءات التي يتعين على لجنة التحكيم اتباعها)، وفي السياق ذاته تنص المادة (45) تحكيم على انه: (على لجنة التحكيم ان تفصل في النزاع استناداً إلى القواعد القانونية التي يتفق عليها الطرفان)، ووجوب التزام هيئة التحكيم بالإجراءات المتفق عليها من قبل المحتكمين يرجع الى ان ولاية هيئة التحكيم مستمدة من ارادة واتفاق المحتكمين التي ينبغي على هيئة التحكيم احترامها والعمل بمقتضاها.
الوجه السابع: بطلان حكم التحكيم بسبب مخالفة المحكم للإجراءات:
من المعلوم ان بطلان الاجراءات سبب من اسباب بطلان حكم التحكيم، ولذلك فان مخالفة المحكم لاجراءات التحكيم التي اتفق عليها الخصوم او تلك المقررة في قانوني المرافعات والتحكيم تؤدي إلى بطلان حكم التحكيم حسبما ورد في المادة (53) تحكيم التي نصت على انه: (لا يجوز طلب إبطال حكم التحكيم إلا في الأحوال التالية: -ج- اذا كانت الاجراءات غير صحيحة-د- اذا تجاوزت لجنة التحكيم صلاحياتها)، والاجراءات غير الصحيحة هي الإجراءات المخالفة لإجراءات التحكيم التي اتفق عليها الخصوم او تلك المقررة في قانوني المرافعات والتحكيم.
اما مفهوم تجاوز المحكم لصلاحياته المذكورة في النص السابق فانه يثير جدلاً واسعاً ليس في اليمن فحسب بل وفي العالم العربي حيث نجد اتجاهين، الاتجاه الأول: يذهب إلى ان مفهوم التجاوز قاصر على قيام هيئة التحكيم بإجراءات لم يرد ذكرها في وثيقة التحكيم أو في القانون، لان مفهوم التجاوز يطلق على ذلك أي ان التجاوز هو خروج المحكم عن الصلاحيات المحددة له في وثيقة التحكيم أي انه قام بإجراءات لم يرد ذكرها في وثيقة التحكيم أو في القانون، في حين يذهب اتجاه اخر إلى ان المقصود بالتجاوز هو مخالفة المحكم لإجراءات التحكيم التي اتفق عليها المحتكمون لان المخالفة لتلك الإجراءات تعد خروجاً من المحكم عن الصلاحيات التي حددها له المحتكمون.
وأياً كان الخلاف فإننا نذهب إلى ان بطلان حكم التحكيم لا يكون جزاء إلا اذا كان الإجراء الذي خالفه المحكم جوهريا،ً فمثلاً يرد في كثير من وثائق التحكيم مدة للنظر في الخصومة التحكيمية والفصل فيها كثلاثة أشهر ومع ان المدة ترد في اغلب وثائق التحكيم إلا أن القضاء في اليمن وغيرها لا يحكم ببطلان حكم التحكيم المخالف لذلك. (التعليق على أحكام المحكمة العليا في مسائل التحكيم الجزء الرابع، أ. د. عبد المؤمن شجاع الدين، مكتبة الصادق جولة جامعة صنعاء الجديدة ٢٠٢٦م، ص١٤٠)، والله اعلم.