إنهاء التحكيم لعدم جدوى الاستمرار فيه - أ.د/ عبد المؤمن شجاع الدين
الأستاذ بكلية الشريعة والقانون – جامعة صنعاء
نصت المادة (51) من قانون التحكيم اليمني على أن: (تنتهي إجراءات التحكيم بصدور حكم التحكيم، وكذلك يجوز للجنة التحكيم أن تأمر بإنهاء إجراءات التحكيم في الأحوال الآتية: -أ- إذا سحب المدعي طلب الدعوى –ب- إذا اتفق الطرفان على إنهاء النزاع –ج- إذا رأت لجنة التحكيم لأي سبب آخر عدم جدوى الاستمرار في الإجراءات أو استحالته –د- وتنتهي مهمة لجنة التحكيم بإنتهاء إجراءات التحكيم مع مراعاة الاحكام الواردة في هذا القانون).
فمن خلال مطالعة النص السابق يظهر أنه قد اجاز للمحكم أن يأمر بانهاء إجراءات التحكيم في بعض الاحوال؛ منها إذا راى المحكم او لجنة التحكيم عدم جدوى الاستمرار لاي سبب في إجراءات التحكيم، وقد سبق لنا ان تناولنا في تعليق سبق انهاء لجنة التحكيم لإجراءات التحكيم اذا لم يقم المدعي بتقديم دعواه أمام المحكم أو قام بسحبها من التحكيم بعد تقديمه لها.
وفي هذا التعليق الموجز سنقتصر على تناول انهاء إجراءات التحكيم إذا راى المحكم او لجنة التحكيم عدم جدوى الاستمرار في إجراءات التحكيم او استحالته لاي سبب، وذلك بمناسبة التعليق على الحكم الصادر عن الدائرة التجارية بالمحكمة العليا في جلستها المنعقدة بتاريخ 13-2-2011م في الطعن رقم (43418)، فقد ورد ضمن أسباب الحكم المشار إليه: (فقد وجدت الدائرة: أن الحكم الاستئنافي المطعون فيه قد قبل دعوى بطلان حكم التحكيم، لأن لجنة التحكيم قد خالفت القانون حينما قامت بالتنصيب عن المدعي، وبعد ذلك قامت بإصدار حكمها مع أنه كان من الواجب على لجنة التحكيم أن تقرر إنهاء إجراءات التحكيم، عملاً بأحكام المادتين (41 و 51) تحكيم، إذ نصت المادة (51) تحكيم على أن: (تنتهي إجراءات التحكيم بصدور حكم التحكيم، وكذلك يجوز للجنة التحكيم أن تأمر بإنهاء إجراءات التحكيم في الأحوال الآتية: -أ- إذا سحب المدعي طلب الدعوى –ب- إذا اتفق الطرفان على إنهاء النزاع –ج- إذا رأت لجنة التحكيم لأي سبب آخر عدم جدوى الإستمرار في الإجراءات أو استحالته –د- وتنتهي مهمة لجنة التحكيم بإنتهاء إجراءات التحكيم مع مراعاة الاحكام الواردة في هذا القانون)، ولذلك فان قضاء الحكم الاستئنافي سديد)، وسيكون تعليقنا على هذا الحكم حسبما هو مبين في الأوجه الآتية:
الوجه الأول: معنى عدم جدوى الاستمرار في اجراءات التحكيم او استحالته:
نصت المادة (51) تحكيم على أن: (تنتهي إجراءات التحكيم بصدور حكم التحكيم، وكذلك يجوز للجنة التحكيم أن تأمر بإنهاء إجراءات التحكيم في الأحوال الآتية: -أ- إذا سحب المدعي طلب الدعوى –ب- إذا اتفق الطرفان على إنهاء النزاع –ج- إذا رأت لجنة التحكيم لأي سبب آخر عدم جدوى الإستمرار في الإجراءات أو استحالته –د- وتنتهي مهمة لجنة التحكيم بإنتهاء إجراءات التحكيم مع مراعاة الاحكام الواردة في هذا القانون)، فقد وردت ضمن النص السابق فقرة (ج) التي نصت على انه: (ج- إذا رأت لجنة التحكيم لأي سبب آخر عدم جدوى الاستمرار في الإجراءات أو استحالته).
فقد تضمنت هذه الفقرة عبارتي عدم جدوى الاستمرار في التحكيم او استحالة الاستمرار في التحكيم، وبيان ذلك كما يأتي:
أولاً: عدم جدوى الاستمرار في اجراءات التحكيم:
والمعنى الاجمالي لهذه العبارة ان تقدر لجنة التحكيم ان اجراءات غير مفيدة، وانها لا تؤدي الى حسم الخصومة والخلاف، مهما كان سبب عدم جدوى الاستمرار او الاستحالة، وسواء كان هذا السبب يرجع الى المحكم او الى الخصوم المحتكمين اويرجع الى عدم تعاون المحكمة المختصة مع لجنة التحكيم، فقد تلم بلجنة التحكيم او بعضهم ظروف خاصة تجعلهم او تجعل غالبيتهم غير قادرين على الاستمرار في اجراءات التحكيم مثل اختلاف وجهات النظر والتباين في الاراء بين اعضاء لجنة التحكيم، وقد يرجع سبب عدم جدوى الاستمرار الى الخصوم المحتكمين مثل عدم تجاوبهم مع لجنة التحكيم مثل التخلف المستمر عن حضور الجلسات او عدم قيامهم بتقديم البيانات والمستندات التي تطلبها هيئة التحكيم او عدم قيامهم دفع اجور الخبراء او هيئة التحكيم، وقد يرجع سبب عدم جدوى الاستمرار الى المحكمة المختصة اصلا بنظر عدم تعاونها مع هيئة التحكيم في تنفيذ الاجراءات التي يقرر قانون التحكيم ان تستعين لجنة التحكيم بالمحكمة المختصة للقيام بها.
ثانياً: استحالة الاستمرار في إجراءات التحكيم:
يستحيل الاستمرار في اجراءات التحكيم عند حدوث وقائع مثل هلاك او تلف الشيء المتنازع عليه او انتهاء الخصومة بالصلح ...الخ.
الوجه الثاني: السلطة التقديرية المطلقة للجنة التحكيم في إنهاء اجراءات التحكيم عند عدم جدوى الاستمرار او استحالته:
تظهر السلطة التقديرية المطلقة لهيئة التحكيم من خلال سياق الفقرة (ج) من المادة (٥١) تحكيم التي نصت على انه: (ج- إذا رأت لجنة التحكيم لأي سبب آخر عدم جدوى الاستمرار في الإجراءات أو استحالته)، فقد وردت في هذا النص كلمة (لأي سبب)، فمعنى ذلك ان لجنة التحكيم طليقة في تقدير حالة عدم جدوى الاستمرار او استحالته مهما كان السبب الذي تقدره اللجنة.
فالغرض من التحكيم هو تيسير وتسهيل الفصل في الخصومة التحكيمية اكثر مما هو متبع امام القضاء، ولذلك تحدد بعض القوانين العربية مدة ستة اشهر للفصل في الخصومة التحكيمية.
وبحسب هذا المفهوم فقد تجد هيئة او لجنة التحكيم نفسها غير قادرة على الفصل في الخصومة بيسر وسهولة او انها قد تجد انه يستحيل عليها الاستمرار، ولذلك فقد اجاز النص السابق للجنة التحكيم انهاء اجراءات التحكيم، وقد منح النص السابق لجنة التحكيم السلطة التقديرية المطلقة في انهاء اجراءات التحكيم اذا قدرت اللجنة عدم جدوى الاستمرار في اجراءات التحكيم او استحالته وذلك لاي سبب كان حسبما ورد في النص.
وقد اطلق النص القانوني السلطة التقديرية للجنة التحكيم بشان انهاء اجراءات التحكيم لعدم الجدوى والاستحالة، لان ولاية المحكم او لجنة التحكيم ولاية تقع استثناءا من الولاية العامة للقضاء، ومصدر ولاية لجنة التحكيم هو اتفاق التحكيم او شرط التحكيم، واتفاق التحكيم وان كان عقدا بين الخصم المحتكم والمحكم او لجنة التحكيم الا ان هذا الاتفاق له طبيعته الخاصة، فلا يلزم ان يوافق الخصم المحتكم على قرارا المحكم او لجنة التحكيم بانهاء التحكيم لعدم الجدوى او الاستحالة.
الوجه الثالث: كيفية إنهاء إجراءات التحكيم لعدم الجدوى او الاستحالة:
بعد التوقيع على اتفاق التحكيم تكتسب لجنة التحكيم ولاية نظر الخصومة التحكيمية بصفة مستقلة ومحايدة عن الخصوم الذين اختاروا اللجنة، فيجب على لجنة التحكيم ان تؤدي عملها بحيادية واستقلال عن الخصوم الذين اختاروها، فلجنة التحكيم عند نظرها في الخصومة التحكيمية تكون كالقضاة، لان المحكم يرد بما يرد به القاضي.
وعلى هذا الاساس فان للجنة التحكيم ان تقرر انهاء اجراءات التحكيم في هذه الحالة من غير ان ترجع الى الخصوم الا اذا كان سبب الانهاء يرجع الى الخصوم فان لجنة التحكيم تخطر الخصوم بنيتها انهاء الاجراءات عسى ان يعالجوا سبب الانهاء الذي يرجع اليهم.
ومن خلال المطالعة المستمرة والكثيرة للأحكام نلاحظ أن بعض هيئات التحكيم تكتفي بإنهاء إجراءات التحكيم في محضر جلسة، في حين يظهر أن بعض هيئات التحكيم تصدر قراراً مستقلاً بإنهاء إجراءات التحكيم وذلك بوثيقة مستقلة، ويتضمن هذا القرار الإشارة إلى إتفاق التحكيم والاسباب التي جعلت لجنة التحكيم تقرر إنهاء إجراءات التحكيم لعدم جدوى الاستمرار فيه او استحالته.
وتتضمن صيغة هذا القرار اذا صدر بوثيقة مستقلة البيانات اللازمة قانوناً كأسماء الخصوم وعناوينهم وجنسياتهم وتاريخ إنعقاد جلسات التحكيم والأساس القانوني للقرار وهو المادة (51) تحكيم، ثم منطوق القرار وهو إنهاء إجراءات التحكيم بسبب عدم جدوى الاستمرار فيه او استحالته، وبعد ذلك يتم التوقيع على هذا القرار من قبل هيئة التحكيم.
ولاريب أن إصدار قرار إنهاء إجراءات التحكيم بوثيقة مستقلة هو الأولى والأكثر موافقة للقانون.
الوجه الرابع: طبيعة قرار إنهاء إجراءات التحكيم لعدم جدوى الاستمرار او استحالته:
قرارهيئة التحكيم بإنهاء اجراءات التحكيم بسبب عدم جدوى الاستمرار فيه او استحالته، هذا القرار غير فاصل في موضوع الدعوى، فهذا القرار في حقيقته ليس فصلا في موضوع دعوى المدعي وانما عبارة عن انهاء إجراءات التحكيم في تلك الدعوى، وايذانا بانتهاء ولاية المحكم بنظر تلك الدعوى، ولذلك يحق للمدعي ان يعيد رفع دعواه أمام القضاء أو امام هيئة تحكيم أخرى أو امام هيئة التحكيم ذاتها بموجب اتفاق تحكيم جديد، (التعليق على أحكام المحكمة العليا في مسائل التحكيم الجزء الثالث، أ. د. عبد المؤمن شجاع الدين، مكتبة الصادق جولة جامعة صنعاء 2025م، ص٤١٧). والله اعلم.