دلالة عرض الخصم للصلح | أ.د/ عبد المؤمن شجاع الدين

 دلالة عرض الخصم للصلح | أ.د/ عبد المؤمن شجاع الدين

الأستاذ بكلية الشريعة والقانون – جامعة صنعاء

من المسائل المثيرة للنقاش مسألة تأثير عرض الخصم الصلح على خصمه المدعي مع أن كثيراً من فقهاء الشريعة الإسلامية يذهبوا إلى جواز صلح المدعى عليه المنكر لدعوى المدعي، وذلك فدية ليمين المدعى عليه وقطعا للخصومة، اي حتى لا يضطر المدعى عليه الى حلف اليمين على ان المدعي قد ادعى بغير حق، وحتى لا يضطر المدعى عليه للمثول امام القضاء، فقد اجاز فريق من الفقهاء للمدعى عليه المنكر للدعوى ان يتصالح مع المدعي بغير حق، على اساس ان بدل الصلح الذي يبذله المدعى عليه في هذه الحالة يكون جائزا شرعا من جانب المدعى عليه الذي يدفعه فدية ليمينه ورفعا للخصومة، في حين يكون هذا البدل محرما على المدعي اذا لم يكن له حق بذمة المدعى عليه، لان ذلك يكون من قبيل اكل اموال الناس بالباطل.

وفي الواقع العملي هناك حالات كثيرة في الوقت الحاضر يدعي فيها اشخاص بغير حق على غيرهم حتى يحصل المدعون على بعض المال من المدعى عليهم، والواقع ان هذه تجارة رائجة في اليمن، ففي هذه الحالات لا يكون عرض الصلح على المدعي دليلا على احقية المدعي. 

فدعوى المدعي تثبت ان استطاع المدعي ان يثبت حقه بطرق الاثبات المقررة في قانون الاثبات، فمجرد عرض المدعى عليه الصلح على المدعي لا يدل على احقيته في دعواه، فلا يكون عرض الصلح قرينة الا اذا كانت هناك ادلة قاطعة تثبت حق المدعي بذمة المدعى عليه، حسبما قضى الحكم الصادر عن الدائرة التجارية بالمحكمة العليا في جلستها المنعقدة بتاريخ ١٦/٢/٢٠١١م، وذلك في الطعن رقم (٤٣٨٨٨)، فقد ورد ضمن اسباب الحكم المشار اليه: (فقد ثبت ان الطاعن افاد انه قد توصل الى مشروع صلح مع المطعون ضده وانه قد احضر مبلغ .... وسيقوم بإحضار مبلغ ..... في الاسبوع القادم، وثبت ان المطعون ضده لم يوافق على ذلك، وبناء على ذلك استمرت محكمة الموضوع في نظر القضية حتى حكمت فيها بموجب الادلة المقدمة من المطعون ضده، وذلك يدل بوضوح على صحة ما ذهبت اليه الشعبة في قضائها القائم على اسباب سائغة كافية لحمله)، وسيكون تعليقنا على هذا الحكم حسبما هو مبين في الاوجه الاتية:

الوجه الاول: معنى ترغيب الخصوم بالصلح من قبل القاضي او المصالح: 

معنى ذلك ان يقوم بترغيب الخصوم بالصلح وتحبيبه الى انفسهم وبيان مزاياه وفضائله من الناحية الشرعية والقانونية والعملية والمالية، وفي الوقت ذاته بيان عيوب التداعي امام القضاء والتحكيم وطول اجراءاته وكثرة تكاليفه.

 ولذلك لا يكفي ان يقول القاضي للخصوم: ما رايكم في الصلح فهو خير، كما يحدث في الواقع العملي وانما ينبغي على القاضي او من يتولى الاصلاح بين الخصوم ان يشرح لهم بإيجاز محاسن الصلح وثوابه في الدنيا والاخرة وان يصرح للخصوم عيوب القضاء وما يورثه الحكم الصادر من القضاء من احقاد وضغائن.

فينبغي على القاضي عند ترغيبه بالصلح أن يقوم بوعظ الخصوم وتذكيرهم بالله - عز وجل - وتبيان الحكم الشرعي لهما بأن الصلح لا يجيز للمسلم أن يأكل مال أخيه بغير حق، وأن الصلح لا يكون جائزاً شرعاً ومبرئاً لذمة المتصالحين إلا بشرط أن يكون كلُ واحدٍ منهما متيقنا بعدالة موقفه واستحقاقه لما يدعيه، أما إن كان المدعي يعلم بكذب دعواه أو كان المدعى عليه يعلم بصحة دعوى المدعي فإن الصلح لا يحل لأيٍ منهما ما حصل عليه بهذا الصلح لأنه صلحٌ باطلٌ محرمٌ في الباطن، وإن كان صحيحاً في الظاهر وصدر به حكم القاضي.

ولمزايا الصلح وفضائله الكثيرة فقد أمر الله تعالى بالصلح في قوله - عز وجل -:(إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ)، وقول الله - عز وجل -:(وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ). -، وكذا قوله عز وجل -: (فاتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم وأطيعوا الله ورسوله إن كنتم مؤمنين).

وحث النّبي صلى الله عليه واله وسلم على الصلح، لانه يؤدي إلى الترابط والوفاق بدل الاختلاف والشقاق، ويبقى على المودة والتآلف والوئام بدلا من البغضاء والشحناء والأحقاد، وقد كان -صلى الله عليه واله سلم- يسعى إلى إصلاح ذات البين، فعن سهل بن سعد أنّ أهل قباء اقتتلوا حتى تراموا بالحجارة، فأُخبِر النّبي -صلى اله عليه وسلم- بذلك، فقال: ((اذهبوا بنا نصلح بينهم)).

وكان عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - يقول: (ردّوا الخصوم لكي يصطلحوا، فإنّ الحكم يورث بينهم الضغائن).

ومن هذا المنطلق فقد نصّت المادة (١٦٥) من قانون المرافعات المدنية والتجارية اليمني على انه: (للمحكمة ان ترغب الخصوم بالصلح وتحثهم على ذلك لا ان تجبر ايا منهم عليه وذلك قبل البدء في نظر الدعوى). 

وفي مقام الخصومات القضائية يبرز الصلح باعتباره أنجع الوسائل لحسم الخصومات والفصل فيها بطريقة تساعد على حفظ أواصر المحبة والود بين المسلمين عموماً والأقارب وذوي الأرحام سيما وقد وصفه الله – تعالى - بأنه خير لما يترتب على حصوله من مصالح وآثار ٍ حسنة في الدنيا والآخرة. 

فمن أبرز مقاصد الصلح انه وسيلة ً لحفظ المودة والمحبة بين المتخاصمين من المسلمين، وفي تأخيره إلى مراحل متاخرة من الدعوى تفويتٌ لهذه المصلحة غالباً، بحيث تكون الصدور قد أوغرت بينهم واتسعت هوة النزاع وإن تصالحوا فلا بد أن يبقى في النفوس شيءٌ من العداوة، كما أن من مقاصد الصلح وقاية المتخاصمين من الوقوع في حمأة الخصومة وما يصاحبها من تلاحٍ وشقاقٍ ومماحكةٍ بينهم، وغالباً ما تمتد آثار هذا النزاع القضائي إلى خارج مجلس القضاء فتقع القطيعة والشحناء وتدوم طويلاً ما دام النزاع منظوراً لدى القضاء ويتمسك كلٌ منهما بموقفه لظنه أن الحق معه، بل أحياناً تنقسم العشيرة أو القبيلة أو المجموعة الكبيرة ممن ليسوا طرفاً في النزاع فيكونوا فريقين متخاصمين متقاطعين، لأن كل فريقٍ قد انضم إلى أحد طرفي الخصومة وتعاطف معه، وهذه مفسدةٌ عظيمة لا يرضاها الله - عز وجل -، وقد يكون سببها غفلة القاضي عن عرض الصلح والسعي لتحقيقه بالحسنى في بداية النزاع، وكذا من مقاصد الصلح الوقاية من وقوع المتخاصمين أو بعضهم في جريمة الكذب والزور في الأيمان والبينات والبحث عن شهود تلزور، فينبغي أن يكون عرض الصلح بين الخصوم قبل تقديم أحدهم لبينته أو حلف اليمين.

ومما نص عليه الفقهاء - رحمهم الله - أنه لا يجوز للقاضي عرض الصلح بعد أن يستبين له وجه الحق في الدعوى، فإذا استبان له وجه الحق لم يكن له أن يعرض على صاحب الحق الصلح (وهذه مسألة خلافية بين الفقهاء) قال الإمام السرخسي - رحمه الله - في المبسوط: "لا ينبغي للقاضي أن يعجل بالحكم، وأنه مندوب إليه أن يرد الخصوم ليصطلحوا على شيء ويدعوهم إلى ذلك، فالفصل بطريق الصلح يكون أقرب إلى بقاء المودة والتحرز من النفرة بين المسلمين، ولكن هذا قبل أن يستبين له وجه القضاء، أما بعد استبانته فلا يفعله إلا برضا الخصمين". 

 ولان الصلح عقدٌ من العقود فيشترط له التراضي والقبول، ولذلك ينبغي على القاضي عدم إكراه أحد الطرفين على قبول الصلح بطريقة ٍ تشعره أنه إن لم يقبل عرض الصلح، فقد ينقلب القاضي ضده ويكون خصماً له فهذا منكرٌ ومحظورٌ شرعاً يجب أن يتوقاه القاضي.

وينبغي لا يكون ترغيب القاضي للخصوم بالصلح عائقاً أمام نظر القاضي الدعوى وسرعة إيصال الحقوق إلى أصحابها ورفع المظالم عن المظلومين.

الوجه الثاني: عرض الخصم الصلح على خصمه والقبول به: 

معنى ذلك ان يطلب الخصم من خصمه التصالح بشان الخلاف القائم بينمها او لتوقي نزاع من المتوقع ان يقع بينهما مستقبلا، على ان يتم حسم النزاع بينهما بعد ان يتم التوقيع على عقد الصلح من قبلهما، يتنازلا فيه عن بعض حقوقهما.

 وقد يتم عرض الصلح على هذا النحو امام القاضي او المحكم ويقبل الخصم الاخر هذا العرض، فيتم التفاهم بين الطرفبن بالتفاهم بشان شروط عقد الصلح فان تم الاتفاق بين الطرفين على ذلك فان القاضي يحكم بانتهاء النزاع بين الخصم بموجب عقد الصلح الذي تم بينهما، ويصيرعقد الصلح سندا تنفيذيا، وكذلك اذا اتفق الخصمان امام المحكم فانه يحكم بانتهاء النزاع بين الخصمين بموجب عقد الصلح الذي تم بينهما.

اما عندما يقوم الخصم بعرض الصلح على خصمه خارج مجلس القضاء والتحكيم، فان اتفقا بشان بنود عقد الصلح فان هذا العقد يكون محررا ع، فاذا تم توثيقه لدى قلم التوثيق فان العقد يصير محررا رسميا.

الوجه الثالث: عرض الخصم الصلح على خصمه ورفضه: 

فقد يقوم الخصم بعرض الصلح على خصمه امام القاضي او المحكم او خارج المحكمة والتحكيم فيرفض الخصم هذا العرض من خصمه، وعندئذ يثور التساؤل بشان دلالة هذا العرض، بمعنى هل يدل هذا العرض على احقية الخصم الذي رفض عرض الصلح وصحة دعواه على خصمه الذي عرض الصلح ؟

لاشك ان مجرد عرض الخصم للصلح على خصمه لا يدل على ضعف الموقف الشرعي والقانوني للخصم الذي عرض الصلح، كما ان ذلك لا يدل على احقية الخصم الذي رفض العرض وصحة دعواه.

 لان معنى الصلح في الشريعة والقانون هو اسقاط وتنازل عن الحق كله او بعضه من الخصم لخصمه، فربما ان الخصم الذي عرض الصلح اراد رفع النزاع وقطع الخصومة بالتنازل عن حقه كله او بعضه ابتغاء وجه الله تعالى الذي امر بالصلح وحثه عليه وحببه الى النفوس.

بل على العكس من ذلك فان عرض الخصم الصلح على خصمه دليل على شهامته وعلو همته وسلامة طويته وبعده عن الخصام واللدد، وفي الوقت ذاته فان رفض الخصم لعرض الصلح دليل على لدده في الخصام وفجره في الخصومة وبعده عن الحق.

فأدلة صحة الدعاوى هي تلك المقررة في الشريعة والقانون كا لإقرار والشهادة والمستندات ومن طرق إثبات الحقوق، فدعاوى وطلبات الخصوم لا قيمة لها في ميزان القضاء عملا بحديث النبي صلى الله عليه واله وسلم: (لو يعطى الناس بدعواهم لأدعى رجال اموال قوم ودماءهم ولكن البينة على المدعى واليمين على من انكر)، رواه ابن عباس رضي الله عنهما.

وبناء على ذلك فان مجرد عرض الخصم للصلح لا يدل بذاته على صدق دعوى خصمه الرافض للعرض.

الوجه الرابع: الحكم الشرعي لقيام القاضي بترغيب الخصوم بالصلح عند ظهور الحق للقاضي: 

إذا اتضح للقاضي الحق، وانكشفت له الحقيقة، وتبيَّن له الحكم بين المتخاصمين، فهل للقاضي أن يحمل الخصوم على الصلح؟

 اختلف الفقهاء في هذه المسألة على قولين:

القول الأول: لا ينتقل القاضي للصلح إذا استنارت الحجة لأحد الخَصْمين، وتبيَّن للقاضي موضع الظالم، وبه قال عطاء ومالك والمذهب عند أحمد واستحسنه ابن المنذر، وحجتهم قوله صلى الله عليه واله وسلم: ((الصلح جائز بين المسلمين إلا صلحًا حرَّم حلالًا أو أحل حرامًا))، فالصلح مع تبين الحق يحرم حلالًا أو يحل حرامًا.

 القول الثاني: يندب للقاضي الصلح إن ظنه ورأى المصلحة فيه ولو كان القاضي قد استبان المحق والمبطل، وهو مروي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وبه قال أبو حنيفة والشافعي وبعض الزيدية وقول لأحمد، وبه قال شريح وعبدالله بن عتبة والشعبي، وحجتهم ما ياتي: 

أ- قوله تعالى: ﴿ وَالصُّلْحُ خَيْرٌ ﴾ [النساء: 128]، ووجه الدلالة في هذا النص: ان الرد إلى الصلح رد إلى الخير.

ب- ما روي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه: "ردوا الخصوم حتى يصطلحوا، فإن فصل القضاء يورث بين القوم الضغائن".

والمختار هو القول الأول؛ وذلك لأن القضاء نصب من أجل إيصال الحقوق لأصحابها.)التاج والإكليل لمختصر خليل (8/ 134)، الذخيرة (5/ 336)، (10/ 85)،و الفروع (11/ 178)، الإنصاف (28/ 418)، الإقناع في فقه الإمام أحمد بن حنبل (4/ 392)و البحر الرائق شرح كنز الدقائق (6/ 281)، (7/ 202)، الدر المختار شرح تنوير الأبصار، وجامع البحار (1/ 473)، رد المحتار على الدر المختار (5/ 423)و أسنى المطالب في شرح روض الطالب (4/ 310)،و مغني المحتاج إلى معرفة معاني ألفاظ المنهاج (6/ 301).

الوجه الخامس: حكم الصُّلْحُ مَعَ إِنْكَارِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ: 

 كَمَا إِذَا ادَّعَى شَخْصٌ عَلَى آخَرَ شَيْئًا، فَأَنْكَرَهُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، ثُمَّ صَالَحَ عَنْهُ. وَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي جَوَازِهِ عَلَى قَوْلَيْنِ: 

القول الاول: ذهب جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ - مِنَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ وَبعض الزيدية و الْحَنَابِلَةِ -: الى جَوَازُ الصُّلْحِ عَلَى الإْنْكَارِ. بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ الْمُدَّعِي مُعْتَقِدًا أَنَّ مَا ادَّعَاهُ حَقٌّ، وَالْمُدَّعَى عَلَيْهِ يَعْتَقِدُ أَنْ لاَ حَقَّ عَلَيْهِ. فَيَتَصَالَحَانِ قَطْعًا لِلْخُصُومَةِ وَالنِّزَاعِ. أَمَّا إِذَا كَانَ أَحَدُهُمَا عَالِمًا بِكَذِبِ نَفْسِهِ، فَالصُّلْحُ بَاطِلٌ فِي حَقِّهِ، وَمَا أَخَذَهُ الْعَالِمُ بِكَذِبِ نَفْسِهِ حَرَامٌ عَلَيْهِ؛ لأِنَّهُ  مِنْ قبيل أَكْلِ الْمَالِ بِالْبَاطِلِ. 

وَاسْتَدَلُّوا عَلَى ذَلِكَ: 

أ - بِظَاهِرِ قوله تعالي: (وَالصُّلْحُ خَيْرٌ). حَيْثُ وَصَفَ الْمَوْلَى عَزَّ وَجَلَّ جِنْسَ الصُّلْحِ بِالْخَيْرِيَّةِ. ومَعْلُومٌ أَنَّ الْبَاطِلَ لاَ يُوصَفُ بِالْخَيْرِيَّةِ، فَكَانَ كُلُّ صُلْحٍ مَشْرُوعًا بِظَاهِرِ هَذَا النَّصِّ إِلاَّ مَا خُصَّ بِدَلِيلٍ. 

ب - بِعُمُومِ قَوْلِهِ صلي الله عليه واله وسلم: «الصُّلْحُ جَائِزٌ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ». فَيَدْخُلُ ذَلِكَ فِي عُمُومِهِ. 

ج - وَبِأَنَّ الصُّلْحَ إِنَّمَا شُرِعَ لِلْحَاجَةِ إِلَى قَطْعِ الْخُصُومَةِ وَالْمُنَازَعَةِ، وَالْحَاجَةِ إِلَى قَطْعِهَا فِي عِنْدَ الإْنْكَارِ اولى - إِذِ الإْقْرَارُ مُسَالَمَةٌ وَمُسَاعَدَةٌ - فَكَانَ أَوْلَى بِالْجَوَازِ عند الانكار، قَالَ ابْنُ قُدَامَةَ: وَكَذَلِكَ إِذَا حَلَّ مَعَ اعْتِرَافِ الْغَرِيمِ، فَلأَنْ  يَحِلَّ مَعَ جَحْدِهِ وَعَجْزِهِ عَنِ الْوُصُولِ إِلَى حَقِّهِ إِلاَّ بِذَلِكَ أَوْلَى. 

د - وَلأِنَّهُ  صَالَحَ بَعْدَ دَعْوَى صَحِيحَةٍ، فَيُقْضَى بِجَوَازِهِ؛ لأِنَّ  الْمُدَّعِيَ يَأْخُذُ عِوَضًا عَنْ حَقِّهِ الثَّابِتِ لَهُ فِي اعْتِقَادِهِ، وَهَذَا مَشْرُوعٌ، وَالْمُدَّعَى عَلَيْهِ يُؤَدِّيهِ دَفْعًا لِلشَّرِّ وَقَطْعًا لِلْخُصُومَةِ عَنْهُ، وَهَذَا مَشْرُوعٌ أَيْضًا، إِذِ الْمَالُ وِقَايَةُ الأْنْفُسِ، وَلَمْ يَرِدِ في الشَّرْعُ تَحْرِيمِ ذَلِكَ.

هـ - وَلأِنَّ  افْتِدَاءَ الْيَمِينِ جَائِزٌ؛ لِمَا رُوِيَ عَنْ عُثْمَانَ وَابْنِ مَسْعُودٍ: أَنَّهُمَا بَذَلاَ مَالاً فِي دَفْعِ الْيَمِينِ عَنْهُمَا. فَالْيَمِينُ الثَّابِتَةُ لِلْمُدَّعِي حَقٌّ ثَابِتٌ لِسُقُوطِهِ تَأْثِيرٌ فِي إِسْقَاطِ الْمَالِ، فَجَازَ أَنْ يُؤْخَذَ عَنْهُ الْمَالُ عَلَى وَجْهِ الصُّلْحِ، أَصْلُهُ الْقَوَدُ فِي دَمِ الْعَمْدِ. 

القول الثَّانِي: ذهب لِلشَّافِعِيَّةِ وَابْنِ أَبِي لَيْلَى: الى أَنَّ الصُّلْحَ عَلَى الإْنْكَارِ بَاطِلٌ. 

وَاسْتَدَلُّوا عَلَى ذَلِكَ: 

أ - بِالْقِيَاسِ عَلَى مَا لَوْ أَنْكَرَ الزَّوْجُ الْخُلْعَ، ثُمَّ تَصَالَحَ مَعَ زَوْجَتِهِ عَلَى شَيْءٍ، فَلاَ يَصِحُّ ذَلِكَ. 

ب - وَبِأَنَّ الْمُدَّعِيَ إِنْ كَانَ كَاذِبًا فَقَدِ اسْتَحَلَّ مَالَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، وَهُوَ حَرَامٌ، وَإِنْ كَانَ صَادِقًا فَقَدْ حَرَّمَ عَلَى نَفْسِهِ مَالَهُ الْحَلاَلَ؛ لأِنَّهُ  يَسْتَحِقُّ جَمِيعَ مَا يَدَّعِيهِ، فَدَخَلَ فِي قَوْلِهِ صلي الله عليه واله وسلم: «إِلاَّ صُلْحًا أَحَلَّ حَرَامًا أَوْ حَرَّمَ حَلاَلاً». 

ج - وَبِأَنَّ الْمُدَّعِيَ اعْتَاضَ عَمَّا لاَ يَمْلِكُهُ، فَصَارَ كَمَنْ بَاعَ مَالَ غَيْرِهِ، وَالْمُدَّعَى عَلَيْهِ عَاوَضَ عَلَى مِلْكِهِ، فَصَارَ كَمَنِ ابْتَاعَ مَالَ نَفْسِهِ مِنْ وَكِيلِهِ. فَالصُّلْحُ عَلَى الإْنْكَارِ يَسْتَلْزِمُ أَنْ يَمْلِكَ الْمُدَّعِي مَا لاَ يَمْلِكُ، وَأَنْ يَمْلِكَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ مَا يَمْلِكُ، وَذَلِكَ إِنْ كَانَ الْمُدَّعِي كَاذِبًا. فَإِنْ كَانَ صَادِقًا انْعَكَسَ الْحَالُ. 

د - وَلأِنَّهُ  عَقْدُ مُعَاوَضَةٍ خَلاَ عَنِ الْعِوَضِ فِي أَحَدِ جَانِبَيْهِ؛ فَبَطَلَ كَالصُّلْحِ عَلَى حَدِّ الْقَذْفِ. 

الوجه السادس: الصُّلْحُ مَعَ سُكُوتِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ: 

 وَذَلِكَ كَمَا إِذَا ادَّعَى شَخْصٌ عَلَى آخَرَ شَيْئًا، فَسَكَتَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ دُونَ أَنْ يُقِرَّ أَوْ يُنْكِرَ، ثُمَّ صَالَحَ عَنْهُ. 

وَقَدِ اعْتَبَرَ الْفُقَهَاءُ - مَا عَدَا ابْنَ أَبِي لَيْلَى - هَذَا الصُّلْحَ فِي حُكْمِ الصُّلْحِ عَنِ الإْنْكَارِ؛ لأِنَّ  السَّاكِتَ مُنْكِرٌ حُكْمًا. صَحِيحٌ أَنَّ السُّكُوتَ يُمْكِنُ أَنْ يُحْمَلَ عَلَى الإْقْرَارِ، وَعَلَى الإْنْكَارِ، إِلاَّ أَنَّهُ نَظَرًا لِكَوْنِ الأْصْلِ  بَرَاءَةَ الذِّمَّةِ وَفَرَاغَهَا، فَقَدْ تَرَجَّحَتْ جِهَةُ الإْنْكَارِ. وَمِنْ هُنَا كَانَ اخْتِلاَفُهُمْ فِي جَوَازِهِ تَبَعًا لاِخْتِلاَفِهِمْ فِي جَوَازِ الصُّلْحِ عَنِ الإْنْكَارِ. 

وَعَلَى هَذَا الاساس، فَلِلْفُقَهَاءِ فِي الصُّلْحِ عَنِ السُّكُوتِ قَوْلاَنِ:   

القول الاول: ذهب الْحَنَفِيَّةِ والزيدية وَالْمَالِكِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ: الى جَوَازُ الصُّلْحِ عَلَى السُّكُوتِ، وَحُجَّتُهُمْ نَفْسُ الأْدِلَّةِ الَّتِي سَاقُوهَا عَلَى جَوَازِهِ عَنِ الإْنْكَارِ. وَقَدِ اشْتَرَطُوا فِيهِ نَفْسَ الشُّرُوطِ وَرَتَّبُوا ذَاتَ الأْحْكَامِ الَّتِي اعْتَبَرُوهَا فِي حَالَةِ الإْنْكَارِ. 

هَذَا وَقَدْ وَافَقَهُمْ عَلَى جَوَازِهِ ابْنُ أَبِي لَيْلَى - مَعَ إِبْطَالِهِ الصُّلْحَ عَنِ الإْنْكَارِ - حَيْثُ اعْتَبَرَهُ فِي حُكْمِ الصُّلْحِ عَلَى الإْقْرَارِ. 

القول الثَّانِي: ذهب الشَّافِعِيَّةِ: الى عَدَمُ جَوَازِ الصُّلْحِ عَلَى السُّكُوتِ، وَقالوا أَنَّهُ بَاطِلٌ، لأِنَّ  جَوَازَ الصُّلْحِ يَسْتَدْعِي حَقًّا ثَابِتًا، وَلَمْ يُوجَدْ فِي مَوْضِعِ السُّكُوتِ؛ إِذِ السَّاكِتُ يُعَدُّ مُنْكِرًا حُكْمًا حَتَّى تُسْمَعَ عَلَيْهِ الْبَيِّنَةُ، فَكَانَ إِنْكَارُهُ مُعَارِضًا لِدَعْوَى الْمُدَّعِي. وَلَوْ بَذَلَ الْمَالَ لَبَذَلَهُ لِدَفْعِ خُصُومَةٍ بَاطِلَةٍ، فَكَانَ فِي مَعْنَى الرِّشْوَةِ. (التعليق على أحكام المحكمة العليا في مسائل الصلح، أ.د. عبد المؤمن شجاع الدين، مكتبة الصادق جولة جامعة صنعاء الجديدة ٢٠٢٦م، ص١١١)، والله اعلم.

مكتب قانوني للأستاذ الدكتور عبدالمؤمن شجاع الدين يحتوي على ميزان العدالة وكتب قانونية ومخطوطة بعنوان دلالة عرض الخصم للصلح
مقال دلالة عرض الخصم للصلح - الأستاذ الدكتور عبدالمؤمن شجاع الدين
تعليقات