حكم الزام المدين بدفع مبلغ الدين مع أرباحه
أ. د/ عبد المؤمن شجاع الدين
الأستاذ بكلية الشريعة والقانون – جامعة صنعاء
أجمع الفقه الإسلامي على تحريم التزام المدين بسداد الدين الذي بذمته مع ربح او منفعة يقدمها للدائن نظير الدين، لان الدين في هذه الحالة يجر نفعا للدائن، وتلك صورة من صور الربا الذي تحرمه الشريعة الإسلامية بنصوص قطعية.
وكذلك يذهب جمهور الفقهاء المعاصرين الى انه لا يجوز الزام المدين ولو كان مماطلا بتعويض الدائن عن تأخره عن سداد الدين في الوقت المتفق عليه او احتساب فارق سعر العملة ، لان هذه الصور وما شابهها تتحقق فيها شبهة الربا المحرم شرعا.
كذلك يذهب جمهور الفقهاء عدا بعض الحنفية الى تحريم المضاربة وبطلانها اذا كان راس المضاربة عبارة عن دين بذمة المضارب ، كما لو قال الدائن للمدين: ضارب او تاجر او استثمر المبلغ الذي بذمتك واعطني بعض الربح الذي تحصل عليه.
وكذا يذهب جمهور الفقه الاسلامي الى عدم جواز الشرط الجزائي الذي يقضي بان المدين اذا لم يف بمبلغ الدين في الاجل المضروب فانه يدفع مبلغ او غرامة.
ونتيجة للجهل بالأحكام الشرعية للمعاملات المالية المعاصرة يقع كثير من الافراد في مخالفات شرعية، وقد اشار الى بعض هذه المخالفات الحكم الصادر عن الدائرة التجارية بالمحكمة العليا في جلستها المنعقدة بتاريخ ٩/٢/٢٠١١م، وذلك في الطعن رقم (٤٢٤٥٧)، فقد ورد ضمن اسباب الحكم المشار اليه: (وهذه المناعي في محلها جزئيا: ذلك ان الطرفين اتفقا بتاريخ... على تصفية الشراكة وان يدفع المطعون ضده ما تبقى بذمته للطاعن بموجب التصفية وهو مبلغ ... وذلك خلال شهرين من تاريخه ما لم فعليه دفع المبلغ مع الارباح ، وحيث ان المطعون ضده لم يف بما التزم به، وحيث ان المطالبة بالأرباح لم تكن مستندة الى بقاء الشراكة المنتهية بالتصفية ، وانما على اساس الالتزام المذكور انفا من قبل المطعون ضده ، ولان المطعون ضده كان يستغل ذلك المبلغ في التجارة في المحل الذي تمت تصفية الشراكة فيه)، وسيكون تعليقنا على هذا الحكم حسبما هو مبين في الاوجه الاتية:
الوجه الأول: تحريم الدين او القرض الذي يجر نفعا للدائن:
بحمد الله القوانين اليمنية مستفادة من احكام الشريعة الاسلامية عدا بعض المخالفات ، ولذلك فان القانون المدني يحرم القرض الذي يجر نفعا، فاي قرض يجر نفعا للمقرض او الدائن فهو محرم ، ولذلك يطلق الفقه الاسلامي على القرض في الشريعة الاسلامية القرض الحسن الذي يبتغي المقرض منه النفع والثواب والحسنة من الله تعالى امتثالا لقوله تعالى: (من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا فيضاعفه له اضعافا كثيرة).
وبناء على ذلك لا يجوز الاتفاق او التزام المقترض بدفع ربح او تقديم نفع الى المقرض زيادة على القرض او الدين سواء اكان هذا الاتفاق سابقا او لاحقا على تقديم القرض الى المدين. (فقه المعاملات المالية وتطبيقاتها المعاصرة، أ. د. عبد المومن شجاع الدين، مكتبة الصادق جولة جامعة صنعاء الجديدة ٢٠٢١م ، ص١١٣).
الوجه الثاني: حكم الربح على الدين الناتج عن تصفية النشاط التجاري:
تعني التصفية انهاء النشاط او المشروع التجاري او انهاء الشراكة في هذا المشروع، فاذا نتج عن التصفية للمشروع ديون لبعض العملاء او الشركاء، ولم يتم سدادها فبقيت في ذممهم ، فلا يجوز شرعا وقانونا ان يتفق الدائن مع المدين مطلقا على ان يدفع المدين ربحا عن الدين الذي بذمته ولو لم يكن سبب نشوء الدين قرض وانما شراكة سابقة او معاملة سابقة، لان هذه الصورة من صور المضاربة ، وقد ذهب جمهور الفقهاء الى تحريم المضاربة اذا كان راس مال المضاربة عبارة عن دين بذمة المدين المضارب.
كذلك الحال اذا نتج عن التصفية انتهاء الشراكة في مشروع او نشاط تجاري او انهاء المعاملات مع الشركاء او العملاء كلهم او بعضهم ونتج عنها دين بذمة المدين للشركاء او العملاء السابقين ، وبعد التصفية قام المدين بمعاودة النشاط في المشروع ذاته او غيره من المشاريع التجارية، واتفق المدين مع الدائن على ان يقوم المدين بالمتاجرة بالدين الذي بذمته وان يدفع ارباح عن ذلك الى الدائن وكذلك الحكم اذا التزم المدين من تلقاء نفسه بدفع ارباح عن الدين الذي بذمته للشريك او العميل السابق فان الالتزام بالربح او الاتفاق عليه في هذه الحالة باطل يخالف الشريعة الاسلامية.
فقد ذهب جمهور الفقهاء (الشافعية والزيدية والمالكية والحنابلة الى بطلان المضاربة اذا كان راس مال المضاربة دينا سابقا في ذمة المضارب، بل ان ابن المنذر قد حكى اجماع الفقهاء على تحريم المضاربة اذا كان راس مالها دينا سابقا بذمة المضارب لشبهة الربا.
فالصحيح ان يقوم المدين بسداد الدين الذي بذمته اولا الى الدائن وبعد قبض الدائن لدينه يحق له ان يدفعه الى العامل او المضارب للمضاربة او الاتجار به. (الفقه المقارن، أ. د. عبد المؤمن شجاع الدين ، مكتبة الصادق جولة جامعة صنعاء الجديدة ٢٠١٥م، ص١٤٦)
الوجه الثالث: حكم الشرط الجزائي المالي على عدم وفاء المدين بالدين في الميعاد المتفق عليه:
لا يجوز الشرط الجزائي على تأخر المدين في سداد الدين في الميعاد المحدد حتى لو كان المدين موسرا ومماطلا، وقد قرر مجمع الفقه الإسلامي تحريم الشرط الجزائي ، حيث ورد في بعض قرارات مجمع الفقه الاسلامي: (بخصوص الشرط الجزائي في العقود: يؤكد المجلس على قراراته السابقة بالنسبة للشرط الجزائي الواردة في قراره في السلم رقم: 89ـ2ـ95 ـ ونصه: لا يجوز الشرط الجزائي عن التأخير في تسليم المسلم فيه، لأنه عبارة عن دين، ولا يجوز اشتراط الزيادة في الديون عند التأخير)، وكذا قرارمجمع الفقه الاسلامي في الشرط الجزائي رقم: 109 ـ3ـ12 ـ ونصه: (يجوز أن يكون الشرط الجزائي في جميع العقود المالية ما عدا العقود التي يكون الالتزام الأصلي فيها ديناً، فإن هذا من الربا الصريح).
أما اشتراط إلزام المدين الموسر المماطل بنفقات التقاضي إذا اقتضى الأمر مقاضاته، فلا حرج في ذلك، إذ للدائن إلزام المدين بتحمل كافة المصاريف اللازمة للتقاضي، بسبب مطله وظلمه.
وقد ورد في كتاب - الفتاوى الشرعية في الاقتصاد - إدارة التطوير والبحوث - مجموعة دله البركة ندوة البركة الثانية الفتوى رقم (١٣) السؤال الاتي:
هل يجوز للبنك الإسلامي أن يضع شرطا جزائيا على المدين لدفع مبلغ معين من المال إذا لم يقم بتسديد دينه في الموعد المتفق عليه؟ علما بأن البنك يخصص ما يحصل عليه من أموال نتيجة هذا الشرط لتنفق في وجوه البر والإحسان؟
الجواب: لا يجوز.
الوجه الرابع: حكم تعويض الدائن عن مماطلة المدين الموسر:
إذا تأخر المدين الموسر في وفاء الدَّين عن الوقت المحدد المتفق عليه مع الدائن، ومضت مدة طالب الدائن فيها المدين بالوفاء فماطل فيه، ثم ترتب على الدائن ضرر مالي فعلي حقيقي: إما بفوات ربح محقق لماله المماطَل فيه، أو حصول ضرر مالي عليه كغرامات مالية سببها إخلاله بتنفيذ التزامات عقدها الدائن مع أفراد أو مؤسسات ونحوها، أو بسبب بذله أموالاً لتحصيل ماله من المماطل، أو بسبب نقص سعر النقد ، فهذه الاضرار على نوعين:
النوع الاول: الضرر المباشر: وهو الضرر الذي يلحق الدائن بسبب فعل المماطل نفسه ، كخسارة المال في اجراءات التقاضي والمرافعة ودفع أجور المحامين والمحصلين ونحو ذلك.
النوع الثاني: الضرر غير المباشر: وهو الضرر الذي يلحق الدائن بسبب خارج عن المماطل، كفوات ربح محقق أو خسارة مالية تلحق بالدائن لأجل التزامات في عقود لم يستطع الدائن تنفيذها بسبب عدم وفاء المدين بالدين الى الدائن في الميعاد ، وقد يكون الضررُ ضرراً غير مباشر كنقص سعر عملة الدين ونحوه.
ويختلف الحكم في هذين النوعين ، وبيان ذلك كما ياتي:
أولا: حكم التعويض عن الضرر المباشرالفعلي الناتج عن المماطلة في الديون:
وذلك مثل نفقات المطالبة بالدين والمتابعة للمدين ومصاريف التقاضي واتعاب المحاماة....الخ، التي يتكبدها الدائن لأجل حصوله على ماله من مدينه المماطل، فهذه الأضرار المادية يستحق الدائن التعويض عنها إذا كان الدائن قد دفعها بحسب القدر المعتاد والوجه المعروف لا وكس ولا شطط ، وقد نص الفقهاء على هذا الحكم في المدين المماطل ، ومن أقوالهم:
قال ابن فرحون: "إذا تبين أن المطلوب ألدَّ بالمدعي ، ودعاه الطالب إلى الارتفاع إلى القاضي فأبى، فيكون على المطلوب أجرة الرسول إليه، ولا يكون على الطالب من ذلك بشيء ".
وقال صاحب كشاف القناع: "وإن غرم إنسان بسبب كذب عليه عند ولي الأمر، فله تغريم الكاذب لتسببه في ظلمه ، وله الرجوع على الآخذ منه لأنه المباشر ، ولم يزل مشايخنا يفتون به، كما يعلم مما تقدم في الحجر فيما غرمه رب الدَّين بمطل المدين ونحوه؛ لأنه بسببه".
وقال صاحب شرح المنتهى: "وما غرم رب دين بسببه، أي بسبب مطل مدين أحوج رب الدَّين إلى شكواه، فعلى مماطل لتسببه في غرمه ، أشبه ما لو تعدى – أي بالغصب – على مال لحمله أجرة ، وحمله إلى بلد آخر وغاب، ثم غَرِمَ مالكُهُ أجرةً لعوده إلى محله الأول، فإنه يرجع به على من تعدى بنقله ".
ومما سبق يتبين أن الفقهاء قد ذهبوا الى تضمين المدين المماطل- المتسبب في الضرر الحقيقي الذي يلحق بالدائن لما يلي:
1) أن إلجاء الدائن للقضاء، وتغريمه المال لأجل تحصيل حقه ظلم وضرر تجب إزالته، والضرر هنا لا يمكن إزالته إلا بتعويض الدائن ما خسره من نفقات التقاضي والتحصيل.
2) أن هذه الأموال المبذولة لتحصيل الدين والمطالبة به واقعة بسبب امتناع المماطل من السداد، فيضمنها لتسببه فيها، كما لو أتلفها.
3) أن عدم إلزام المدين المماطل بالتعويض عن أضرار التقاضي والترافع يشجع المماطلين على المماطلة، وأكل أموال الناس بالباطل ، ويحمل أصحاب الأموال إلى رفع الدعاوى للمطالبة بـها، فتكثر الخصومات، ويُشْغَل القضاة، وتُتْعَب جهات التنفيذ بغير حق، ويتأخر وفاء الدَّين المدد الطويلة، فتصبح المماطلة مركبة من مماطلة المدين الأول، ومماطلة إجراءات التقاضي والمرافعة، إذ يلزم من الترافع التأخر لأجل النظر في الدعوى، ثم سماع البينة، ثم إثباتـها، ثم الحكم بناء عليها، ومن ثَمَّ يُطْلَب تمييزها، وبعد تمييزها، تذهب لجهات التنفيذ الأخرى ، وهذا الأعمال الطويلة إن قام بـها الدائن بنفسه لحقته مشقة بالغة ، وإن وكَّل بـها من يقوم بالمرافعة والمطالبة غرم له أجرة، والعدل أن لا يجتمع على الدائن ظلمان ، ظلم تأخير حقه ، وظلم غرامة ما بذله لأجل تحصيل حقه الثابت له، فتعين تحميل المماطل الظالم نفقات المطالبة وتحصيل المال.
4) أن عدم تحميل المدين نفقات الدعوى قد يحمل أصحاب الحقوق على ترك حقوقهم، وعدم المطالبة بـها، إذ تُكَلِّف نفقات التقاضي أحياناً أكثر من ماله الذي يطالب به.
وقد ورد في معيار المدين المماطل المعتمد من المجلس الشرعي لهيئة المحاسبة والمراجعة للمؤسسات المالية، ما نصه: " يتحمل المدين المماطل مصروفات الدعوى وغيرها من المصروفات التي غرمها الدائن من أجل تحصيل أصل دينه ". (التعويض عن الأضرار المترتبة على المماطلة في الديون، د. سلمان صالح الدخيل).
ثانيا: التعويض عن الضرر غير المباشر الذي يلحق الدائن بسبب لا يرجع مباشرة الى المدين المماطل:
اختلف العلماء المعاصرون في حكم تعويض الدائن عن الضرر الذي يلحق به كفوات الربح المحقق، أو حصول ضرر مادي بسبب خارج عن المدين المماطل على قولين:
القول الأول: عدم جواز إلزام المدين المماطل بدفع تعويض للدائن عن فوات ربحه المحقق أو حصول ضرر مادي عليه إذا كان بسبب خارج عن المدين المماطل ، وهذا القول هو قول غالبية العلماء المعاصرين ، قد اخذ مجمع الفقه الاسلامي بهذا القول حسبما ورد في قرارات المجامع الفقهية المانعة للتعويض مطلقا، وقد افتت بذلك الهيئات الشرعية في البنوك والمصارف الاسلامية ،وبيان ذلك كما ياتي:
١- جاء في قرار المجمع الفقهي التابع لرابطة العالم الإسلامي في دورته الحادية عشر عام 1409هـ ونصه: "إن الدائن إذا شرط على المدين أو فرض عليه أن يدفع له مبلغاً من المال غرامة مالية جزائية محددة أو بنسبة معينة، إذا تأخر عن السداد في الموعد المحدد بينهما فهو شرط أو فرض باطل ، ولا يجب الوفاء به، بل ولا يحل، سواء كان الشارط هو المصرف أو غيره؛ لأن هذا بعينه هو ربا الجاهلية الذي نزل القرآن بتحريمه "
٢- جاء في قرار مجمع الفقه الإسلامي التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي في دورته السادسة المتعلق ببيع التقسيط، ما نصه:
" ثالثاً: إذا تأخر المشتري المدين في دفع الأقساط عن الموعد المحدد، فلا يجوز إلزامه أي زيادة على الدَّين ، بشرط سابق أو بدون شرط ؛ لأن ذلك ربا محرم.
رابعاً: يحرم على المدين المليء أن يماطل في أداء ما حل من الأقساط ، ومع ذلك لا يجوز شرعاً اشتراط التعويض في حالة التأخر عن الأداء".
٤- جاء في معيار المدين المماطل المعتمد من المجلس الشرعي لهيئة المحاسبة والمراجعة للمؤسسات المالية الإسلامية ، ما يلي: "(ب) لا يجوز اشتراط التعويض المالي ...سواء كان التعويض عن الكسب الفائت (الفرصة الضائعة)، أم عن تغير قيمة العملة. (ج) لا تجوز المطالبة القضائية للمدين المماطل بالتعويض المالي نقداً أو عيناً عن تأخير الدَّين".
٥- جاء في: فتاوى هيئة الرقابة الشرعية للبنك الإسلامي لغرب السودان فتوى رقم (٢٩) السؤال: إن إجراءات تحصيل الديون المتعثرة من المقصرين تحتاج إلى جهد ووقت كما تكلف البنك نفقات إدارية.. مصروفات العربات التليفونات والموظفين إلخ هذا بالإضافة إلى مبلغ ٢% من قيمة المتحصل يتم خصمه لحساب رئيس لجنة التحري في قضايا البنوك.. فهل يجوز مطالبة أو تحميل المقصر هذه التكلفة بأن يطلب منه مثلا تحمل ٥% من الدين المتعثر كنفقات تحصيل تسبب فيها بظلمه ومماطلته؟
الجواب:
إذا كان البنك يتحمل مصاريف نتيجة مماطلة العميل وعدم سداده المطلوب منه في الميعاد المحدد في العقد فإنه لا مانع شرعا من أن يطالب البنك العميل بما تحمله من مصاريف ولكن نرى أن لا تحدد هذه المصاريف مسبقا لأنها قد تختلف من عقد لآخر فيطالب بال ٢% الذي تأخذه لجنة التحري في قضايا البنوك علاوة على المصاريف التي تحملها البنك في سبيل الحصول على الدين المطلوب ولا بأس أن يلزم العميل في العقد بتحمل هذه النفقات نتيجة مماطلته وعدم سداده المطلوب منه في وقته بشرط أن لا تزيد هذه النفقات عن المبالغ التي صرفها البنك مقابل ذلك ودون مطالبته بالتعويض أو الفائدة على المبلغ المطلوب.
القول الثاني: يجوز إلزام المدين المماطل بدفع تعويض للدائن عن فوات ربحه المحقق أو حصول ضرر مادي عليه إذا كان بسبب خارج عن المدين المماطل.
وهو قول بعض العلماء المعاصرين ، وبيان هذه الاقوال كما ياتي:
١-قال الدكتور الصِّدِّيق الضرير في جواب عن استفتاء وجه إليه من أحد البنوك: "يجوز أن يتفق البنك مع العميل المدين على أن يدفع له تعويضاً عن الضرر الذي يصيبه بسبب تأخره عن الوفاء، شريطة: أن يكون الضرر الذي أصاب البنك ضرراً مادياً وفعلياً ، وأن يكون العميل موسراً ومماطلاً ، وخير وسيلة لتقدير هذا التعويض، هو أن يحسب على أساس الربح الفعلي الذي حققه البنك – الدائن- في المدة التي تأخر فيها المدين عن الوفاء".
٢- جاء في: فتاوى هيئة الرقابة الشرعية للبنك الإسلامي لغرب السودان فتوى رقم (١٧)السؤال: هل يقبل شرعا مبدأ إلزام المدين المماطل بالتعويض على الدائن؟
الجواب:
بعد اطلاع الهيئة على فتوى الأستاذ الدكتور صديق الضرير رئيس هيئة الرقابة الشرعية في بنك البركة السوداني وعلى فتوى الأستاذ الدكتور يوسف حامد العالم رئيس هيئة الرقابة الشرعية ببنك التنمية الإسلامي فهي تصدر الفتوى الآتية: أما بالنسبة للتعويض عما فات الدائن من ربح فالهيئة لا ترى مكانا للقول بجواز النص في العقد بتعويض الدائن ولكن الذي تراه الهيئة هو أنه يكون للدائن أن يلزم المدين الموسر المماطل بتعويض عن كل ما تكلفه ويمكن أن ينص في العقد على أن يتكفل المدين الموسر المماطل برد كل ما دفع الدائن بسبب استخلاص الدين من المدين وذلك يوافق ما جاء في المادة (٥) من قانون المعاملات المدنية السوداني لسنة ١٩٨٤ م التي تنص على ما يلي: (مطل القادر يحل عقوبته وعلى القادر غرم الشكاية).، فهذه الفتوى ترد على فتوى الشيخ الضريرالسابق ذكرها
٣- ورد في كتاب - الفتاوى الشرعية في الاقتصاد - إدارة التطوير والبحوث - مجموعة دله البركة الفتوى رقم (٢) السؤال: هل يقبل شرعا مبدأ إلزام المدين المماطل بالتعويض على الدائن؟
الجواب:
أولا: يجوز شرعا إلزام المدين المماطل في الأداء وهو قادر على الوفاء بتعويض الدائن عن ضرره الناشئ عن تأخر المدين في الوفاء دون عذر مشروع لأن مثل هذا المدين ظالم قال فيه الرسول مطل الغني ظلم فيكون حاله كحالة الغصب التي قرر الفقهاء فيها تضمين الغاصب منافع الأعيان المغصوبة علاوة على رد الأصل هذا رأي الأغلبية وهناك من يرى أن يكون الإلزام بهذا المال على سبيل الغرامة الجزائية استنادا لمبدأ المصالح المرسلة على أن تصرف الحصيلة في وجوه البر المشروعة.
ثانيا: يقدر هذا التعويض بمقدار ما فات على الدائن من ربح معتاد كان يمكن أن ينتجه مبلغ دينه لو استثمره بالطرق المشروعة خلال مدة التأخير وتقدر المحكمة التعويض بمعرفة أهل الخبرة تبعا لطرق الاستثمار المقبولة في الشريعة الإسلامية وفي حالة وجود مؤسسة مالية غير ربوية في بلد الدائن (كالبنوك الإسلامية مثلا) يسترشد بمتوسط ما قد حققته فعلا تلك المؤسسات من ربح عن مثل هذا المبلغ للمستثمرين فيها خلال مدة التأخير.
ثالثا: لا يجوز الاتفاق بين الدائن والمدين مسبقا على تقرير هذا التعويض لكي لا يتخذ ذلك ذريعة بينهما إلى المراباة بسعر الفائدة).
٤- جاء في فتاوى: المصرف الإسلامي الدولي (مصر) فتوى رقم (٣) السؤال:
ما الحكم الشرعي عن تعويض المصرف عما أصابه من ضرر ناتج عن التأخير في السداد؟
الجواب:
إذا تأخر المدين عن الوفاء بالدين عند حلول الأجل جاز للدائن أن يطالبه بتعويضه عما أصابه من ضرر بسبب هذا التأخير إلا إذا اثبت المدين أن التأخير حدث بقوة قاهرة أي بسبب لا يد له فيه فعندئذ لا يستحق الدائن تعويضا عن التأخير
وأساس هذا الحكم هو الضمان بالتسبب وشرطه التعدي ولا شك أن تأخير الوفاء بالدين دون عذر شرعي مقبول يعد تعديا لأنه معصية لقوله صلى الله عليه وسلم: مطل الغني ظلم يحل عرضه وعقوبته، وكذا تنص المادة ١٤٣٠ من مجلة الأحكام الشرعية على أن (من تسبب في تلف مال الغير ضمنه)
وتنص المادة ١٤٣١ من المجلة على (أنه يشترط في الضمان بالتسبب التعدي في الفعل الذي تسبب عنه) التلف ويقصد بالتعدي التفريط بأن يكون الفعل مخالفا للشريعة ومطل الغني: ظلم كما تقدم (انظر الحطاب ٣: ٢٢٤) فقد حكى عن المالكية الضمان على من امتنع عن الشهادة على الدين حتى ضاع أو أخفى وثيقة الدين حتى ضاع بل وعلى من قتل الشاهد على حق حتى ضاع وغير ذلك من أمثلة الضمان بالتسبب ويمكن تعويض الدائن تخريجا على قواعد الغصب
وذلك أن عدم الوفاء بالدين عند حلول الأجل وإمساكه عن الدائن دون عذر شرعي يجعل المدين في حكم الغاصب للدين لأن إبقاؤه بعد حلول الأجل يعد تعدي والغصب هو التعدي على حقوق الغير وإذا كان المدين تاجرا أي ممن يقوم باستثمار الدين نفسه أو بإعطائه للغير مضاربة وأخر الدين عن موعد استحقاقه فإن جميع أرباح الدين تكون للدائن ويمكن تقدير هذه الأرباح إما بإقراره بمتوسط أرباحه وإما بواسطة لجنة تحكيم أو بواسطة القضاء كما يمكن عند إبرام الاتفاق معه في مضاربة أو مرابحة مثلا أن يتفق على نسبة الربح من واقع دراسة الجدوى التي قدمها العميل).
والقول المختار هو القول الأول ، وهو عدم جواز إلزام المدين المماطل بدفع تعويض للدائن عن فوات ربحه المحقق، أو حصول ضرر مادي عليه، إذا كان بسبب غير مباشر لا يرجع مباشرة الى المدين المماطل.
الوجه الخامس: امكانية احتساب فارق العملة عند تأخر المدين المماطل عن سداد الدين في ميعاده:
صرح القانون المدني في المادة (545) بأن دفع فارق العملة لا يكون إلا إذا كان البائع قد ضمن ضمان الدرك الشرعي واستحق المبيع للغير، حيث نصت هذه المادة على أنه: (إذا ضمن البائع ضمان الدرك واستحق المبيع للغير فعلى البائع ضمان الرقبة بقيمتها المدفوعة وضمان الغلة وضمان ما غرمه المشتري ويدخل في ذلك فرق العملة في غير الربويات المنصوص عليها فيما يتعلق بالعملة) ، حيث تستند أحكام القضاء إلى هذه المادة في إحتساب فارق سعر صرف العملة في حالة ضمان الدرك الشرعي من قبل البائع. أما في غير ذلك فلا يجوز.
والمقصود بفارق سعر صرف العملة هو: الفارق بين صرف العملة الورقية يوم إستلام الملتزم أو المدين لمبلغ العملة الورقية وبين سعر صرف العملة الورقية قياساً بالنقدين الشائعين وهما الذهب والفضة يوم إرجاع المدين للمبلغ إلى المشتري حسبما ورد بالمذكرة الايضاحية للقانون المدني القديم التي نصت على أن إحتساب الفارق في هذه الحالة يكون على أساس سعر النقدين الشائعين وهما الذهب والفضة خروجا من شبهة الربا، فإذا تغير سعرهما خلال الفترة مابين إستلام المبلغ وارجاعه فيلزم عند إرجاع المبلغ دفع الفارق.
وقد سبق القول ان احتساب فارق سعر صرف العملة لم يجزه القانون اليمني الا في حالة ضمان الدرك الشرعي من قبل البائع وفقا لماهو مقرر في المادة (545) من القانون المدني السابق ذكرها اما في غير هذه فلا يجوز.
وقد جاء في معيار المدين المماطل المعتمد من المجلس الشرعي لهيئة المحاسبة والمراجعة للمؤسسات المالية الإسلامية ، ما يلي: "(ب) لا يجوز اشتراط التعويض المالي ...سواء كان التعويض عن الكسب الفائت (الفرصة الضائعة)، أم عن تغير قيمة العملة. (ج) لا تجوز المطالبة القضائية للمدين المماطل بالتعويض المالي نقداً أو عيناً عن تأخير الدَّين"
ويذهب جمهور الفقهاء المعاصرين الى عدم جواز احتساب فارق صرف او سعر العملة على المدين المماطل ،لان ذلك من قبيل التعويض عن الضرر غير المباشر، ولم يقل بالتعويض عن الضرر غير المباشر إلا قلة من الفقهاء المعاصرين منهم الاستاذ الدكتور الامين الضرير حسبما سبق بيانه. (النظرية العامة للمصرفية الاسلامية، أ.د. عبد المؤمن شجاع الدين، مكتبة الصادق جولة جامعة صنعاء الجديدة ٢٠١٦م، ص٤٣٢)، والله اعلم.