المسئولية عن سداد فواتير خدمات العين المؤجرة | أ.د. عبد المؤمن شجاع الدين

المسئولية عن سداد فواتير خدمات العين المؤجرة | أ.د. عبد المؤمن شجاع الدين

الأستاذ بكلية الشريعة والقانون – جامعة صنعاء

عالجت القوانين العربية المسئولية عن استهلاك الخدمات في العين المؤجرة كالماء والكهرباء،، الخ، فقد اوجبت هذه القوانين موافاة المؤسسات الخدمية كمؤسسة والكهرباء والماء بنسخ من عقود الايجار حيث تقوم هذه المؤسسات بإصدار الفواتير باسم المستأجر الذي يكون هو المسئول مباشرة امام المؤسسات عن سداده قيمة تلك الفواتير واذا لم يتم موافاة المؤسسات الخدمية بنسخ من عقود الإيجار فان مالك العقار يكون هو المسئول عن سداد تلك الفواتير.

أما القانون اليمني فقد عالج هذه المسالة على نحو مختلف فقد نصت المادة(١٨) من قانون تنظيم العلاقة بين المؤجرين والمستاجرين على ان: (يتحمل المستأجر بالإضافة إلى الأجرة المتفق عليها دفع قيمة ما يلي، ما لم يتم الاتفاق على خلاف ذلك: -

‌أ -قيمة المياه التي يقوم المستأجر باستهلاكها.

‌ب -قيمة استهلاك الكهرباء والتلفون.

‌ج -أجرة الحارس ومقابل نور المدخل والسلم المشترك في الحالات التي يلتزم بها المستأجر)، ومعنى هذا النص ان المستاجر للعين يكون هو المسئول المباشر امام المؤسسات الخدمية عن سداد مقابل استهلاكه للماء والكهرباء والهاتف والغاز والصرف الصحي والنت، ولو كانت الفواتير صادرة باسم المؤجر وليس المستأجر، وتتسبب هذه المسالة في اشكاليات عدة.

بيد ان المؤسسات الخدمية المزودة للعقارات بتلك الخدمات الرجوع على المؤجر والمؤجر الذي يطلب من المؤسسات الخدمية تزويد العين بالخدمات، ويتم تزويد العين المؤجرة بتلك الخدمات بموجب عقد اشتراك في الخدمة فيما بين مالك العين والمؤسسات الخدمية المختصة كمؤسسة الكهرباء والماء، ولذلك فان المؤجر يكون هو المسئول مسئولية عقدية امام الجهات الخدمية عن سداد مقابل استهلاك المستأجر للخدمات، لان المالك هو المشترك المتعاقد مع المؤسسات الخدمية، فلا تتعاقد معه تلك المؤسسات الا بعد ان يقدم الى المؤسسات وثيقة تثبت ملكيته للعين، ولذلك فان عقد الاشتراك يكون باسم المالك وتصدر الفاتورة باسمه، فالمالك المؤجر هو الذي يقوم بتزويد العين بتلك الخدمات حتى تكون صالحة لتمام الانتفاع بها، ويقتضي تزويد العين بتلك الخدمات قيام المؤجر بدفع رسوم اشتراك وشراء بعض المستلزمات.

 وبما ان المؤسسات الخدمية تفضل الرجوع على المؤجر مباشرة وفقا لاحكام المسئولية العقدية، اذ يقوم المؤجر بسداد الفواتير وغيرها من مستحقات المؤسسات الخدمية، وعلى هذا الاساس فان المستأجر مسئول امام المؤجر عند سداد مقابل استهلاكه تلك الخدمات، كما يكون المستأجر مسئولا عن تكاليف اعادة الخدمات الى العين اذا كان المستأجر هو المتسبب في قطعها عن العين كما لو لم يقم بدفع قيمة الفواتير مما جعل المؤسسة تقطع الخدمة عن العين المؤجرة، حسبما قضى الحكم الصادر عن الدائرة التجارية بالمحكمة العليا في جلستها المنعقدة بتاريخ ٢٩/١٢/٢٠١٠م، وذلك في الطعن رقم (٤٣٥٧١)، فقد ورد ضمن اسباب الحكم المشار اليه:(فقد وحدت الدائرة ان نعي الطاعن مردود عليه بما ورد في اسباب الحكم المطعون فيه التي توصلت الى ان المستأجر لم يقم بدفع رسوم استخدامه للخدمات مثل الكهرباء والماء والمجاري والهاتف مما تسبب في قيام المؤسسة المختصة بفصل الخدمات الاساسية عن العين المؤجرة ونزع العدادات، ولذلك فان المستأجر مسئول عن سداد رسوم استهلاكه للماء والكهرباء والهاتف ورسوم إعادة الخدمات الى العين وإعادة العدادات كونه المتسبب في ذلك، عملا بالمادة (١٨) من قانون تنظيم العلاقة بين المؤجرين والمستأجرين..)، وسيكون تعليقنا على هذا الحكم حسبما هو مبين في الاوجه الاتية:

الوجه الأول: مسئولية المستأجر عن سداد فواتير الماء والكهرباء والهاتف: 

بموجب عقد الإيجار فان المستأجر يستلم العين المؤجرة صالحة للانتفاع بها مزودة بالخدمات المختلفة كالماء والكهرباء، واثناء انتفاع المستاجر بالعين فان يستهلك ماء وكهرباء وغاز وهاتف ونت، ولذلك فانه يجب على المستاجر ان يدفع تكاليف ما استهلكه اعتباراً من تاريخ تسلمه للعين وحتى تاريخ إعادة تسليمها إلى المؤجر، ما لم يتفقا على خلاف ذلك، حسبما هو مقرر في المادة(١٨) من قانون تنظيم العلاقة بين المؤجرين والمستأجرين التي نصت على ان: (يتحمل المستأجر بالإضافة إلى الأجرة المتفق عليها دفع قيمة ما يلي، ما لم يتم الاتفاق على خلاف ذلك: -

‌أ -قيمة المياه التي يقوم المستأجر باستهلاكها.

‌ب -قيمة استهلاك الكهرباء والتلفون.

‌ج -أجرة الحارس ومقابل نور المدخل والسلم المشترك في الحالات التي يلتزم بها المستأجر).

ومسئولية المستأجر عن دفع تكاليف الخدمات مقررة بموجب هذا النص سواء تم النص عليها في عقد الايجار او لم يتم النص عليها، ولا يعفى المستاجر من هذه المسئولية الا اذا تم النص في عقد الايجار على ان المؤجر هو الذي يتحمل ثمن هذه التكاليف، ويلحق بذلك التكاليف المترتبة عن قطع الخدمات عن العين بسبب عدم قيام المستأجر بدفع تكاليف او ثمن هذه الخدمات او سداد الفواتير.

 ووفقا لهذا النص فان المستأجر المستهلك للخدمة هو المسئول المباشر امام المؤسسات الخدمية عن سداد فواتير استهلاكه للخدمات، بيد ان المؤسسات الخدمية في اليمن تفضل في هذه الحالة الرجوع على مالك العين بموجب احكام المسؤولية العقدية، لان الفواتير تصدر بأسم مالك العين وليس المستاجر، ولان المالك هو المشترك في الخدمة الذي تعاقد مع المؤسسة الخدمية، مع ان المستهلك للخدمة هو المستأجرالشاغل الفعلي للعين المؤجرة.

ولا يخل هذا بحق مالك العين في الرجوع على المستأجر لاقتضاء ما دفعه المالك للمؤسسة، لان المستاجر بحسب النص القانوني السابق هو المسئول عن دفع مقابل استهلاكه للخدمات.

 ووفقا للنص القانوني السابق الذي قرر مسئولية المستأجر عن سداد فواتير استهلاكه للخدمات، لذلك فان مسئولية المستأجر في هذه الحالة من قبيل المسئولية التقصيرية، لان القانون هو الذي قرر هذه المسئولية على عاتق المستأجر. (التعليق على أحكام المحكمة العليا في مسائل الإيجار الجزء الثاني، أ. د. عبد المؤمن شجاع الدين. مكتبة الصادق جولة جامعة صنعاء الجديدة ٢٠٢٥م، ص٢٩٣).

الوجه الثاني: إصدار فواتير الخدمات باسم المستأجر في القوانين العربية:

سبق القول ان فواتير الخدمات في اليمن تصدر باسم مالك العين وليس المستأجر الذي استهلك الخدمات، فالمخاطب بسداد الفاتورة هو مالك العقار وليس المستاجر المستهلك للخدمة، كما ان عقد الاشتراك في الخدمة يتم بين مالك العين والمؤسسة الخدمية.

في حين ان المخاطب بسداد فواتير استهلاك الخدمات هو المستاجر المستهلك الذي تقوم المؤسسة الخدمية بمخاطبته بالسداد والرجوع عليه مباشرة عملا بالمادة (١٨) من قانون الإيجار اليمني التي نصت صراحة على ان المستأجر هو الملزم بسداد قيمة فوا تير الخدمات التي استهلكها الا اذا كان هناك اتفاق يقضي بخلاف ذلك باعتبار المستأجر هو المستهلك الفعلي، بيد ان المؤسسات الخدمية تفضل الرجوع مباشرة على مالك العين الذي قام بتزويد العين بخدمات الماء والكهرباء والهاتف وغاز الطبخ بموجب اتفاقيات اشتراك فيما بين مالك العين والمؤسسات المزودة، وبموجب عقود الاشتراك في الخدمات فان مالك العين هو المسئول عن دفع تكاليف مقابل استهلاك الخدمة، الا اذا كان المستاجر هو الذي تعاقد مباشرة مع الجهات المزودة لتزويده بالخدمة، واساس هذه المسئولية هو عقد الاشتراك او التزويد، ولذلك فان المسئولية في هذه الحالة مسئولية عقدية.

اما القوانين المماثلة في الدول العربية فانها تقوم بتظيم هذه المسالة تنظيما جيدا وعادلا، فمثلا في عمان صدر المرسوم السلطاني رقم (1989/06) وتعديلاته بشأن تنظيم العلاقة بين ملاك ومستأجري المساكن والمحال التجارية والصناعية وتسجيل عقود الايجار الخاص بها والذي ينص على ان: 

1- يتم تسجيل فواتير الكهرباء والماء والهاتف والصرف الصحي وغيرها من الخدمات باسم المستأجر بعد تقديم عقد الايجار المعتمد من البلدية المختصة.

2- يلتزم المستأجر بسداد قيمة استهلاك الكهرباء والماء والهاتف والصرف الصحي ورسوم البلدية، وأية رسوم أخرى يلتزم بأدائها قانونا، وذاك اعتبارا من تاريخ تسلمه المحل المؤجر وحتى تاريخ اعادة تسليمه إلى المؤجر ما لم يتفق على خلاف ذلك.

وتطبيقا لهذا الأحكام فإنه يجب على صاحب العقار (أو المستأجر) تقديم نسخة من عقد الايجار إلى الشركة المزودة بالخدمة، التي تقوم بتغيير اسم المشترك في فاتورة الكهرباء وغيرها من مالك العقار أو المستأجر السابق إلى المستأجر الجديد.

و في هذه الحالة لا يجوز للشركة قطع التزويد بالخدمة عن المستأجر الجديد أو تهديده بقطع الخدمة في حالة وجود مبالغ سابقة مستحقة على مالك العقار أو المستأجر السابق، وفي حالة عدم تقديم نسخة من عقد الايجار للشركة المزودة للكهرباء او غيرها فتكون مسؤولية مستحقات الكهرباء او غيرها من الخدمات على مالك العقار، وفي جميع الأحوال لا يمكن مطالبة المستأجر الجديد للعقار عن المستحقات السابقة لاستئجاره للعقار. (التعليق على أحكام المحكمة العليا في مسائل المسئولية، أ. د. عبد المؤمن شجاع الدين. مكتبة الصادق جولة جامعة صنعاء الجديدة ٢٠٢٦م، ص٥٠١).

الوجه الثالث: جهالة ضم تكاليف الماء والكهرباء الى الايجار الشهري للعين: 

من المعروف ان استهلاك الماء والكهرباء والهاتف والغاز والصرف الصحي يتفاوت ويختلف ما بين شهر واخر وما بين فصل واخر، وبناء على هذا فان ضم مقابل استهلاك الماء والكهرباء.. الى الايجار الشهري يجعل الاجرة الشهرية متغيرة وغير محددة عند التعاقد، ولذلك فانها تكون مجهولة، في حين ان الفقه الاسلامي والقانون اليمني قد اشترطا ان تكون اجرة العين معلومة علما نافيا للجهالة ومحددة تحديدا دقيقا، فيشترط لصحة الإجارة أن تكون الأجرة معلومة وقت ابرام عقد الايجار وجهالة الاجرة تؤدي الى الغرر الفاحش الذي يفضي الى النزاع في المستقبل فيما بين المؤجر والمستأجر.

 وقد اتفق الفقهاء على وجوب ان تكون اجرة العين معلومة علما نافيا للجهالة، وفي هذا الشأن جاء في "منار السبيل" (1/413): "باب الإجارة... (شروطها ثلاثة: معرفة المنفعة) لأنها المعقود عليها، فيشترط العلم بها كالبيع... (معرفة الأجرة). قال في الشرح: لا نعلم فيه خلافاً.

ولأن الاجرة عوض في عقد معاوضة، فاعتُبر علمه، كالثمن. وعن أبي سعيد مرفوعاً: "نهى عن استئجار الأجير حتى يبين له أجره" رواه أحمد.

(كون النفع مباحاً)..." انتهى.

فإذا أضيفت إلى أجرة السكن تكلفة الماء والكهرباء والغاز والمجاري والهاتف والنت، صارت الأجرة مجهولة؛ لحصول التفاوت في استعمال ذلك صيفا وشتاء، ولغير ذلك. (فقه المعاملات المالية وتطبيقاتها المعاصرة، أ.د. عبد المومن شجاع الدين، مكتبة الصادق جولة جامعة صنعاء الجديدة ٢٠٢١م، ص٣٦١)، والله اعلم.

تعليقات