مقتضيات دحض الدليل | أ. د. عبد المؤمن شجاع الدين، الأستاذ بكلية الشريعة والقانون - جامعة صنعاء
دعاوى وطلبات الخصوم لا قيمة لها في ميزان القضاء عملاً بحديث النبي صلى الله عليه واله وسلم: (لو يعطى الناس بدعواهم لأدعى رجال أموال قوم ودماءهم ولكن البينة على المدعى واليمين على من انكر)، رواه ابن عباس رضي الله عنهما.
فالتداعي امام القاضي ليس بالمذكرات والاقوال المنمقة وانما بتقديم الادلة التي تثبت الدعوى او تنفيها، فاذا ثبتت الدعوى بدليل امام القضاء فان نفي هذا الدليل يقتضي ان يقدم المدعى عليه الدليل او الادلة التي تدحض الدليل المؤيد للدعوى او الذي قام عليه الحكم، اما اذا لم يقم الطاعن او المدعى عليه بذلك ، فلا يقبل تشكيكه بالدليل الذي قام عليه الحكم او دليل خصمه ، لان ذلك جدلا ومحاولة يائسة لطمس الدليل الذي قام عليه الحكم من غير ابراز دليل اقوى منه، حسبما قضى الحكم الصادر عن الدائرة التجارية بالمحكمة العليا في جلستها المنعقدة بتاريخ ٢٤-١-٢٠١١م، وذلك في الطعن رقم (٤٣٠٨٧)، فقد ورد ضمن اسباب الحكم المشار اليه: (وحيث ان الطاعن يهدف الى طمس الدليل الذي اعتمدت عليه محكمة الموضوع للوصول الى رفض دعوى المدعي دون دليل اقوى يلغيه، فذلك غير مقبول ، ويضحى جدلاً لا جدوى منه) ، وسيكون تعليقنا على هذا الحكم حسبما هو مبين في الاوجه الآتية:
الوجه الأول: معنى دحض الدليل:
المقصود بالدليل هو دليل الاثبات او النفي ، وادلة الاثبات او وسائل الاثبات او طرق الاثبات مثل الشهادة والاقرار والمحررات واليمين وغيرها.
وفي تعليق سابق ذكرنا ان دحض الدليل او تفنيده يعني تكذيب الدليل وبيان اوجه القصور او الخطأ في الدليل وانه غير سليم او غير صالح للاستدلال به على الواقعة او التصرف او ان الدليل ضعيف في دلالته او غير كاف او ان هناك ادلة اخرى تكذبه او تنفيه وتدحضه او تدل على خلافه.
ودحض الدليل او تكذيبه يصدر من الخصم في مواجهة خصمه امام المحكمة عند استدلال خصمه بالدليل في مواجهته وقبل ان تحكم المحكمة في النزاع ، ويهدف الخصم من دحضه لدليل خصمه الى تقويض ذلك الدليل حتى لا تأخذ به المحكمة او على الاقل تشكيك المحكمة بدليل الخصم ، ويتبع الخصم هذا الاسلوب قبل فصل المحكمة في النزاع حتى لا تأخذ المحكمة بالدليل المدحوض ، اما بعد صدور الحكم فان الخصم يهدف من دحض الدليل الى بيان عدم صحة الدليل الذي قام عليه الحكم وبيان عوار الدليل او عدم كفايته لقيام الحكم عليه وبيان الادلة التي تناهضه حتى تحكم محكمة الطعن بإلغاء الحكم المطعون فيه او نقضه .
وفي كل الاحوال يظهر ان دحض الدليل عبارة عن دعوى من الخصم بان الدليل كاذب او غير كاف او غير سليم او ان هناك ادلة اقوى منه تدل على خلافه ، لان الخصم الذي يريد دحض الدليل يكون في مركز المدعي ، لان الاصل في الادلة الصحة وانه يجب على المدعي خلاف هذا الاصل ان يثبت دعواه بعدم صحة الدليل.
الوجه الثاني: كيفية دحض الدليل:
يدحض الخصم أدلة خصمه أمام المحكمة التي تنظر النزاع او امام محكمة الطعن اما عن طريق إثبات تناقضها او الطعن في صحتها بالتزوير، او الادعاء بعدم توفر شروط الشهادة والشهود او الادعاء بتناقض الشهادات ، أو تقديم أدلة معاكسة تفند ادلة الخصم او مطالبة الخصم للمحكمة باستجواب الخصم وتوجيه الاسئلة الى الخصم للحصول من الخصم على اقرارت او افادات من الخصم تنال من الادلة التي سبق له الإستدلال بها فتكشف اجابات الخصم ضعف الادلة التي سبق له الاستدلال بها.
و تختلف طريقة دحض الدليل باختلاف الدليل المطلوب دحضه، ونلخص ذلك على النحو الآتي:
أولاً: دحض الدليل حينما يكون من المستندات والمحررات:
ويتم دحضها من قبل الخصم عن طريق الادعاء بتزويرها إذا كانت هناك قرائن على وجود تزوير فيها كالكشط او الشطب او الحشر او الاضافة او الشك في صحة التوقيع أو البصمة، ويمكن دحض محرر الخصم عن طريق الطعن بعدم صلاحيته للاستدلال به اذا كان صورة وليس اصلا، او ان مضمون المحرر لا يتطابق مع الواقعة او التصرف الذي تم الاستدلال به عليها، ويمكن دحض المستند بانه لم يستوف شروط الإثبات المطلوبة او انه غير مطابق للواقعة او التصرف محل الإستدلال.
ثانياً: دحض شهادة الشهود:
ويدحضها الخصم عن طريق الاعتراض على الادلاء بالشهادة قبل ادائها او القول بعدم تحقق شروط الشاهد او الشهادة (كوجود قرابة، أو مصلحة شخصية في الدعوى)، او القول بوجود تناقض في الشهادة مبطل لها سواء اكان التناقض بين أقوال الشهود أنفسهم أو بين شهادتهم والأدلة الأخرى، كما يتم دحض الشهادة عن طريق توجيه أسئلة دقيقة وموجهة (عبر المحكمة) لشهود الخصم للحصول على افادات تدل على عدم صحة شهادتهم.
ثالثاً: دحض تقارير الخبرة:
ويقوم الخصم بدحضها عن طريق الاعتراض بداية على ندب الخبراء وابداء الملاحظات على تقارير الخبراء او تقديم أدلة فنية مضادة (مثل تقارير الخبراء الموازية).
رابعاً: دحض ادلة الخصم عن طريق استجواب الخصم ومناقشته:
ويتم ذلك عن طريق طلب استجواب الخصم للحصول على افادات او اقرارات تناقض الادلة المطلوب دحضها التي سبق للخصم تقديمها.
خامساً: دحض الدليل عن طريق القول بانه غير منتج او غير كاف:
ويتم ذلك عن طريق القول : ان الدليل المقدم من غير منتج في الدعوى (أي أنه لا يغير من مجرى القضية ولا يثبت الحق المطالب به) او القول ان الدليل غير كاف لإثبات الدعوى او لإقامة الحكم عليه أو فساد الاستدلال بالدليل ، او القول : ان الخصم اصطنع دليلاً لنفسه، وهو ما لا يجوز قانوناً.
سادساً: دحض الدليل عن طريق الدليل العكسي:
اذ يقوم الخصم بدحض الدليل الذي قام عليه الحكم او استدل به الخصم عن طريق تقديم الدليل المعاكس للدليل المطلوب دحضه، الذي يدل على خلاف ما ورد في الدليل المطلوب دحضه ، ويكون الدليل المعاكس اقوى دلالة او مرتبة او تكون الادلة المعاكسة اكثر عدد ا من الادلة المطلوب دحضها.
سابعاً: دحض الدليل عن طريق توجيه اليمين الحاسمة:
فيستطيع الخصم دحض ادلة خصمه عن طريق توجيه اليمين الحاسمة اليه، فاذا نكل عنها الخصم بطلت دعواه ودحضت ادلته.
الوجه الثالث: على المدعي بعدم صحة دليل خصمه ان يثبت ذلك:
ذكرنا في الوجه الاول ان دحض الخصم لدليل خصمه يعني الادعاء بعدم صحة الدليل الذي قام عليه الحكم او الدليل الذي قدمه الخصم قبل الحكم في النزاع ، وبما ان دحض الدليل دعوى فانه يلزم المدعي بعدم صحة الدليل ان يثبت عدم الصحة.
ومن مقتضيات دحض الدليل او عدم صحة الدليل ان يقدم الخصم الادلة التي تثبت عدم صحة الدليل ، وللخصم في هذه الحالة ان يثبت ذلك بكافة طرق الاثبات المقررة في القانون كالإقرار والشهادة وغيرهما ، وقد قضى الحكم محل تعليقنا بانه يجب ان تكون ادلة دحض الدليل اقوى من الدليل او الادلة المطلوب دحضها ، والمقصود بالقوة في هذا الشأن ان تكون ادلة الدحض اكثر عددا او ان تكون سليمة من القادح او ان تكون اعلى مرتبة من الدليل المطلوب دحضه او مساوية له في المرتبة او ان تكون ادلة مباشرة متعلقة بالواقعة مباشرة. (التعليق على أحكام المحكمة العليا في مسائل الإقرار ، أ.د. عبد المؤمن شجاع الدين، مكتبة الصادق جولة جامعة صنعاء الجديدة ٢٠٢٦م، ص٢٠٤)، والله اعلم.