مسئولية الشركاء في الشركات غير النظامية

مسئولية الشركاء في الشركات غير النظامية

أ.د. عبدالمؤمن شجاع الدين - الأستاذ بكلية الشريعة والقانون جامعة صنعاء.

من الظواهر الشائعة في أن غالبية الشركات لا تتخذ الاشكال القانونية التي حددها قانون الشركات (شركة مسئولية محدودة – شركة تضامنية – شركة محاصة – شركة توصية – شركة مساهمة) حيث يباشر الكثير من التجار في اعمالهم التجارية بواسطة ما يسمى بالمؤسسات الفردية التي يملكها تاجر واحد حيث يتم تسجيلها لدى وزارة الصناعة والتجارة باسم صاحبها ومالكها, وهناك بعض المؤسسات الفردية يتم تسجيلها باسم احد الشركاء في حين يكون هناك عقد شراكة ينظم علاقة الشركاء وحقوقهم فيما بينهم ومع ان هذه المؤسسات التجارية تعد شركات تتوزع حصصها بين اكثر من شريك الا انها تظل مسجلة كمؤسسة فردية باسم احد الشركاء في المؤسسة, ومن ناحية ثانية هناك شركات لها اسم تجاري تتوزع حصصها بين احد من الشركاء الا انه لا يتم تسجيلها او اشهارها لدى الجهة المعنية في وزارة الصناعة والتجارة, وهناك في اليمن الشركات الفعلية التي تقع بين الورثة الذين لا يقسمون تركة مورثهم او بين الشركاء الذين يعملون في أي نشاط من دون ان يكون هناك أي عقد شراكة نظامي ينظم شراكتهم او من دون ان يتم اشهاره لدى الجهة المختصة, وهذه الوضعية تثير اشكاليات عدة منها مسئولية الشركاء في هذه الشركات غير النظامية, وقد تناولت هذه المسألة احكام كثيرة منها الحكم الصادر عن الدائرة التجارية بالمحكمة العليا في اليمن في جلستها المنعقدة بتاريخ 19\7\2009م في الطعن التجاري رقم (37819) لسنة 1430هـ وتتلخص وقائع القضية التي قضى فيها هذا الحكم ان شركة غير نظامية لم يتم تسجيلها لدى الجهة المختصة تقدمت الى احد البنوك طالبة من البنك اصدار خطاب ضمان بمبلغ مائة وسبعة الف دولار لحساب المستفيد من قيمة الخطاب طلب البنك المستفيد من البنك المصدر للخطاب مصادرة الخطاب وبالفعل تمت مصادرة الخطاب- وعندئذ طلب البنك الذي اصدر خطاب الضمان من الشركة التي طلبت اصدار الخطاب تسديد قيمة الخطاب المصادر وقد سردت تلك الشركة (بان الشركة لم تنشأ بعد ولم ترا النور على ارض الواقع وكل ما تم بشأنها هو مجرد اتفاقية مبدئية وهي عقد التأسيس ولم تستكمل الاجراءات القانونية اللازمة التي حددها قانون الشركات) وقد قررت المحكمة التجارية الابتدائية ادخال المؤسسين للشركة في الدعوى التي رفعها البنك المصدر للضمان, وقد حكمت المحكمة الابتدائية بالزام مدير عام الشركة بدفع قيمة خطاب الضمان على اساس انه المسئول شخصيا عن ذلك وانه الملزم بدفع المبلغ باعتباره الذي حرر طلب الضمان الى البنك والتزم بسداده وان كان ذلك الطلب باسم الشركة لأنه لا وجود قانوني لها وقد استأنف البنك الحكم الابتدائي حيث توصلت الشعبة الاستئنافية الى الحكم بإلغاء الحكم الابتدائي لمخالفته للمادة (247) من قانون الشركات التي تقرر على ان عدم اجراء معاملات الشهر للشركة يترتب عليه بطلان الشركة وقيام المسؤولية التضامنية على المؤسسين جميعهم وليس بعضهم الامر الذي يتبين معه مخالفة الحكم الابتدائي للقانون) فلم يقنع الشركاء الاخرون حيث قاموا بالطعن بالنقض الا ان الدائرة التجارية رفضت الطعن في الحكم الاستئنافي وخلاصة اسباب حكم المحكمة العليا محل تعليقنا (ان خطاب الضمان صدر باسم الشركة وبتوقيع المدير العام للشركة ويؤيد هذا ما ورد في خطاب الضمان وحيث ان تلك الشركة لم تستكمل الاجراءات اللازمة لتأسيسها وفقا للقانون فقد تم ادخال المؤسسين كمسئولين بالتضامن للرجوع عليهم في حصصهم وفقا لأحكام المادة (247) من قانون الشركات التي تنص على انه(يترتب على عدم اجراء معاملات الشهر على الصورة المبينة في المادة السابقة بطلان الشركة والقاء المسئولية التضامنية على المؤسسين) وسيكون تعليقنا على هذا الحكم بحسب الاوجه الآتية:

الوجه الأول: بطلان الشركات غير النظامية التي لا تتخذ الاشكال المحددة في قانون الشركات:

قضى الحكم محل تعليقنا ببطلان الشركة التي يتم اشهار عقد تأسيسها واستكمال اجراءات التأسيس وسند الحكم في ذلك المادتان (246) و (247) من قانون الشركات حيث نصت المادة (246) على انه (على المؤسسين فور صدور قرار الترخيص والمصادقة على النظام الاساسي ان يقوموا بمعاملات الشهر بتقديم طلب تسجيل وبإيداع نسخة عقد التأسيس والنظام الاساسي المصادق عليه لدى ادارة السجل التجاري في المنطقة التي يكون فيها المركز الرئيسي للشركة) وفي هذا نصت المادة (247) على انه (يترتب على عدم اجراء معاملات الشهر على الصورة المبينة في المادة السابقة بطلان الشركة والقاء المسئولية التضامنية على المؤسسين والمديرين) وقد ورد النصان السابقان ضمن الجزء الخاص بالشركة ذات المسئولية المحدودة في قانون الشركات علما عقد تأسيس الشركة التي اشار اليها الحكم محل تعليقنا كان ينص على انها ذات مسئولية محدودة الا انها لم تستكمل اجراءات شهرها وتسجيلها حتى الشخصية الاعتبارية والذمة المالية المستقلة عن الشركاء فيها, لان الشركات لا تكون لها ذمة مالية وشخصية اعتبارية الا اذا تم تسجيلها واشهارها لان ذلك يكون بمثابة اعلان ميلاد الشركة, وبدون الذمة المالية المستقلة للشركة فان الشركاء المؤسسين والمديرين لها يكونوا هم المسئولين عن اية تصرفات او تبعات قد تصدر عنها باسم الشركة غير المشهرة او المسجلة لعدم وجود الشخصية الاعتبارية والذمة المالية المستقلة لها عن الشركاء فيها, والمسئولية التضامنية المذكورة في النص السابق تعني امرين معا) الامر الاول : ان الشركاء لا يسألوا بمقدار حصة كل واحد منهم في الشركة وانما تكون مسئوليتهم مطلقة حيث يتم الرجوع عليهم جميعا وليس على المتصرف وحده او بحسب حصته في الشركة مثلما حصل في القضية التي قضى فيها الحكم محل تعليقنا حيث قرر الحكم على احقية الرجوع على كافة الشركاء وليس على الشريك المتصرف نيابة عن الشركة اما الامر الثاني: فإن المسئولية التضامنية المذكورة في النص السابق تعني ان الشريك في الشركة غير النظامية لا يكون مسئولا بحدود حصته في الشركة النظامية وانما يكون مسئولا في امواله الاخرى غير الداخلة ضمن راس الشركة وحصصها, وهنا تظهر خطورة الشركات غير النظامية .

الوجه الثاني: الوضعية القانونية للمؤسسات الفردية التجارية والشركات الفعلية:

المؤسسات الفردية التجارية هي عبارة عن اسم تجاري مؤسسة كذا ومؤسسة كذا وهذه المؤسسات ليس لها شخصية اعتبارية او ذمة مالية مستقلة عن مالكها او الشركاء فيها ولذلك فان مالك المؤسسة وصاحبها هو المسئول عن كافة التصرفات الصادرة باسم المؤسسة الفردية وتكون مسئوليته تضامنية أي انه يكون مسئولا في كافة امواله داخل المؤسسة وخارجها أي كامل امواله عن التصرفات الصادرة باسم المؤسسة الفردية, واذا كانت المؤسسة الفردية ملكا لأكثر من شخص أي شركاء فيها فان هؤلاء الشركاء يكونوا مسئولون مسئولية تضامنية عن كافة التصرفات الصادرة عن المؤسسة الفردية المشتركة بينهم, وكذلك الحال بالنسبة للشركة الفعلية او شركة الواقع فليس شخصية اعتبارية او ذمة مالية مستقلة عن الشركاء ولذلك فان الشركاء في الشركة الفعلية يكونوا مسئولين عن اية تبعات او تصرفات صادرة عن الشركة الفعلية وهذه المسئولية تضامنية بحسب المفهوم السابق بيانه, وفي هذا الشأن نصت المادة (9) من قانون الشركات على انه ( تتألف الشركات التجارية المشروعة بموجب هذا القانون من النوعين الآتيين من الشركات -أولا -1- شركات الاشخاص وتضم شركات التضامن وشركة التوصية البسيطة وشركة المحاصة -2- شركة الاموال وتضم شركات المساهمة وشركة التوصية بالأسهم والشركة ذات المسئولية المحدودة –ثانيا- مع عدم الاخلال بما ورد في القوانين النافذة فان كل شركة لا تتخذ احد هذه الاشكال تعتبر باطلة ولا يجوز تسجيلها على ان يكون الاشخاص الذين تعاقدوا باسمها مسئولين شخصيا تجاه يعضهم ومسئولين شخصيا بالتضامن تجاه الغير عن الالتزامات الناشئة عن هذا التعاقد) ومن وجهة نظرنا فان اغلب النزاعات تثور بسبب الشركات غير النظامية وهذه النزاعات تعيق عملية النمو والاستقرار في النشاط التجاري و الاقتصادي باليمن بل ان ذلك معوق من معوقات التنمية. حيث ان اغلب النشاط التجاري والصناعي يتم عن طريق المؤسسات الفردية.

الوجه الثالث: نطاق مسئولية الشريك في الشركات غير النظامية:

في الوجه السابق اشرنا بإيجاز الى ان الشركاء في الشركات غير النظامية يكونوا مسئولين بالتضامن عن كافة التصرفات الصادرة عنها ولذلك يقتضي الاشارة الى حدود هذه المسئولية, فنقول ان الشريك نفسه يكون مسئولا عن أي تصرف يصدر منه باسم ولحساب الشركة النظامية كما انه في الوقت ذاته يكون مسئولا عن اية تصرفات قد تصدر من الشركاء الاخرين باسم او لحساب الشركة غير النظامية لان المسئولية تضامنية بين الشركاء جميعا حسبما ورد في النص القانوني السابق, ولان المسئولية تضامنية وليست محدودة بحدود حصص الشركاء فان الشركاء يتأثرون باي تصرفات اخرى قد يبرمها الشريك حتى ولو كانت خارج نطاق الشراكة ولذلك قرر القانون بطلان الشركات غير النظامية لمالها من خطورة وتأثير سلبي على الشركاء ومن ثم على النشاط الاقتصادي باسره .

الوجه الرابع: ضرورة استحداث نظام شركة الشخص الواحد في قانون الشركات اليمني:

شركة الشخص الواحد من اسمها : هي عبارة عن شركة لها راس مال وشخصية اعتبارية وذمة مالية مستقلة عن الشريك الذي يملك كل راس مالها وهو شريك واحد, فهذه الشركة تضمن للشريك الواحد تجنب مخاطر ومضار الشركاء ونزاعاتهم التي تكون سببا في انهيار الشركات وتعطيل اعمالها فقد قال تعالى (وان كثيرا من الشركاء ليبغي بعضهم على بعض الا قليل من المؤمنين) وشركة الشخص الواحد لا وجود لها في قانون الشركات اليمني الذي نص في المادة (4) على ان الشركات عقد بين شخصين او اكثر وهذا يعني عدم جواز شركة الشخص الواحد بما ان المادة (9) شركات قد حددت الشركات التي يجوز للأفراد انشاؤها على سبيل الحصر حسبما سبق بيانه ولم يرد ذكر شركة الشخص الواحد حيث انها مناسبة جدا للوضع الاقتصادي في اليمن ومناسبة لخصوصية العمل التجاري في اليمن حيث ان كثيرا من التجار لا يرغبون الدخول في شراكة مع شركاء اخرين خشية حدوث الخلافات والنزاعات واختلاف وجهات النظر والمصالح التي تكون سببا في تعثر الشركات, والدليل العملي على ذلك ان المؤسسات التجارية الفردية التي يملكها شخص واحد تمثل النشاط التجاري الغالب فهذا الوضع جعل وزارة الصناعة والتجارة تسمح بتسجيل مؤسسات فردية بأسماء ملاكها يكونوا هم المسئولون شخصيا عن تصرفاتها, علما بان شركة الشخص الواحد موجودة في القانون الفرنسي وقد اخذت به مؤخرا قوانين عربية واجنبية كثيرة، والله اعلم.

صورة مقال مسئولية الشركاء في الشركات غير النظامية - مدونة الأستاذ الدكتور عبدالمؤمن شجاع الدين
مسئولية الشركاء في الشركات غير النظامية - دراسة قانونية بقلم أ.د. عبدالمؤمن شجاع الدين
تعليقات