مصادقة الخصوم على إجراءات المحاكمة السابقة

مصادقة الخصوم على إجراءات المحاكمة السابقة - أ.د. عبدالمؤمن شجاع الدين

الأستاذ بكلية الشريعة والقانون - جامعة صنعاء

وفقاً للقانون فإن إجراءات المحاكمة السابقة يتم تدوينها وإثباتها في محاضر جلسات المحاكمة السابقة، وهي محاضر رسمية لها حجيتها القانونية الكاملة ، ومع ذلك فقد اعتاد القاضي الخلف في اليمن ان يملي على الخصوم اجراءات المحاكمة السابقة ومن ثم يطلب من الخصوم المصادقة على اجراءات المحاكمة السابقة التي تمت امام القاضي السلف، وبعض القضاة يقوم بإملاء اجراءات المحاكمة السابقة على الخصوم تمهيدا للمصادقة عليها، وعندئذ ينتهز بعض الخصوم هذه الفرصة فعندما ترفض المحكمة اعتراضه على بعض اجراءات المحاكمة السابقة فان الخصم اللدود يطعن في ذلك القرار قد صدور الحكم ، وهذا سبب من أسباب اطالة اجراءات التقاضي، ومع ذلك فان عدم مصادقة الخصوم على اجراءات المحاكمة السابقة لا يترتب على ذلك بطلان الحكم طالما ان الخصوم لم يعترضوا على اجراءات المحاكمة السابقة وطالما انهم صرحوا باكتفائهم بما سبق لهم تقديمهم وطلبوا حجز القضية للحكم فيها، حسبما قضى الحكم الصادر عن الدائرة التجارية بالمحكمة العليا في جلستها المنعقدة بتاريخ ٢٤-١٢-٢٠١٢م، وذلك في الطعن رقم (٤٦٨٤٠)، فقد ورد ضمن اسباب الحكم المشار إليه: (وفي السبب السابع نعى الطاعن على الحكم المطعون فيه ان هيئة الحكم التي اصدرت الحكم قد تم تشكيلها بعد الحركة القضائية ، ومع ذلك لم تقم الهيئة بالمصادقة على اجراءات المحاكمة السابقة بالمخالفة للمادة (٢٢٢) مرافعات، وهذا النعي مردود عليه بان الهيئة التي اصدرت الحكم قد حضرت عدة جلسات بعد تشكيلها وان الخصوم قد طلبوا في الجلسة الاخيرة حجز القضية للحكم واكتفوا بما سبق لهم تقديمه ،ولم يعترضوا على اية إجراءات) ، وسيكون تعليقنا على هذا الحكم حسبما هو مبين في الاوجه الآتية:

الوجه الأول: مفهوم املاء اجراءات المحاكمة السابقة ومصادقة الخصوم عليها:

محاضر جلسات المحاكمة السابقة هي مضابط يتم ضبط وتدوين كافة إجراءات المحاكمة السابقة فيها ، إذ يتم فيها اثبات حضور القاضي جلسات المحاكمة وحضور الخصوم وما قاله الخصوم وما قدموه من مذكرات وحضور الشهود والخبراء وتقاريرهم وملاحظاتهم والقرارات والاجراءات التي اتخذها القاضي في تلك الجلسات، وبحسب هذا المفهوم فان محاضرجلسات المحاكمة السابقة مضابط توثيق لكافة إجراءات المحاكمة السابقة.

وعلى هذا الاساس فان المقصود باملاء اجراءات المحاكمة السابقة هو عرض محاضر جلسات المحاكمة السابقة على الخصوم لإبداء ملاحظاتهم عليها وتنبيه هيئة الحكم الجديدة لاستدراك بعض الاجراءات او تصحيحها، وقد تسفر عملية املاء الاجراءات عن اعتراضات من قبل الخصوم او المصادقة على الاجراءات من غير اي اعتراض ، وفي كل الأحوال يتم اثبات المصادقة او الاعتراض في جلسة الاملاء وهي اول جلسة محاكمة تعقدها هيئة الحكم الجديدة .

ومن اغراض املاء الاجراءات السابقة تمكين هيئة الحكم الجديدة من سماع مرافعات الخصوم السابقة فتتمكن الهيئة الجديدة من الاحاطة بإجراءات المحاكمة السابقة ووصلها بالاجراءات اللاحقة.

الوجه الثاني: إملاء اجراءات المحاكمة السابقة ومصادقة الخصوم عليها اجراء زائد بالنسبة لهيئة الحكم الجديدة:

 ذكرنا فيما سبق ان الغرض من املاء الاجراءات ومصادقة الخصوم هو تمكين هيئة الحكم الجديدة من سماع مرافعات الخصوم السابقة، فتتمكن الهيئة الجديدة من الاحاطة بإجراءات المحاكمة السابقة واللاحقة، وتنبيه الخصوم للهيئة الجديدة لاستدراك او تصحيح بعض الاجراءات السابقة.

وواقع الحال يدل على ان هذه الاغراض تتحقق من غير حاجة الى املاء الاجراءات ومصادقة الخصوم عليها ، لان هيئة الحكم الجديدة ملزمة وفقا للقانون بمطالعة اجراءات المحاكمة السابقة والاحاطة التامة بها قبل كل جلسة تعقدها الهيئة الجديدة، واثناء هذه المطالعة فان الهيئة الجديدة تتمكن من الاحاطة التامة بكافة الاجراءات السابقة وتصحيحها واستدراك ما يلزم على نحو افضل من املاء الاجراءات السابقة ومصادقة الخصوم عليها ، وتبعا لذلك فان املاء اجراءات المحاكمة السابقة ومصادقة الخصوم عليها اجراء زائد بالنسبة لهيئة الحكم الجديدة.

الوجه الثالث: إملاء اجراءات المحاكمة السابقة ومصادقة الخصوم عليها اجراء زائد بالنسبة للخصوم:

من المقرر في القانون والفقه والقضاء في قوانين العالم عدم جواز الطعن في القرارات والاجراءات غير المنهية للخصومة الا مع الحكم النهائي، لان ذلك يؤدي الى تجزئة القضية الواحدة وبعثرتها واطالة اجراءات التقاضي.

وبناء على ذلك فان الخصم وفقا للقانون يستطيع مطالبة الهبئة الجديدة بتصحيح واستدراك ما فات في الاجراءات السابقة دون حاجة الى إعادة املاء الاجراءات السابقة كلها، علما بانه إذا اغفل محضر الجلسة طلبات الخصم أو اعتراضاته فأنه يجب عليه في الجلسة التالية أن يقدم إعتراضه أمام المحكمة في الجلسة التالية على إغفال طلبه أو إعتراضه السابق تقديمه في الجلسة الأولى، ويجب على المحكمة عندئذٍ أن تثبت إعتراضه على الإغفال في محضر الجلسة وأن تثبت الطلب أو المذكرة أو الدليل الذي اغفلته في جلستها السابقة.

وفي كل الاحوال فان الخصم يستطيع الطعن بكافة اجراءات المحاكمة السابقة واللاحقة عند طعنه في الحكم الذي يصدر من الهيئة الجديدة المنهي للخصومة .

الوجه الرابع: إملاء إجراءات المحاكمة السابقة ومصادقة الخصوم عليها اهدار لحجية محاضر جلسات المحاكمة السابقة:

محاضر جلسات المحاكمة السابقة محررات رسمية قررها قانون المرافعات لإثبات حضور القضاة جلسات المحاكمة وكذا إثبات حضور الخصوم جلسات المحاكمة وإثبات أقوال الخصوم وطلباتهم وإعتراضاتهم وأدلتهم والمذكرات المقدمة منهم أثناء جلسات المحاكمة السابقة ، ومحضر جلسات المحاكمة السابقة هو الوسيلة القانونية الوحيدة لإثبات ما قدمه الخصوم اثناء سير إجراءات المحاكمة السابقة.

 فمحاضر جلسات المحاكمة حجة كاملة في إثبات طلبات وأقوال وإعتراضات ومذكرات الخصوم ، إذ ان محضر الجلسة محرر رسمي يتم التوقيع عليه من كاتب جلسة المحاكمة ومن القاضي رئيس الجلسة ، وهما موظفان رسميان، ولذلك فمحاضر جلسات المحاكمة محررات رسمية صادرة من جهة رسمية مختصة وفقاً للقانون ولها حجيتها الكاملة وفقا للقانون.

 ومحضر جلسة المحاكمة هو الوسيلة القانونية الوحيدة لإثبات انعقاد الجلسة وإثبات حضور القضاة الجلسة وحضور الخصوم والشهود والخبراء العدول وإثبات المرافعات المكتوبة والشفهية المقدمة من الخصوم وإثبات طلبات الخصوم ودفوعهم وردودهم وأدلتهم، إضافة إلى أن محضر الجلسة هو الوسيلة الوحيدة لإثبات القرارات والإجراءات التي اتخذتها المحكمة في القضية التي تنظرها المحكمة. 

وفي هذا المعنى نصت المادة (158) من قانون المرافعات اليمني على أنه (يجب أن يحضر في الجلسة وجميع الإجراءات المتعلقة بالإثبات كاتب يحرر المحضر ويوقعه مع رئيس الجلسة فإن غاب الكاتب كان لرئيس المحكمة ندب غيره). 

وبحسب ما تقدم فان املاء الاجراءات السابقة ومنح الخصوم حق الاعتراض عليها بغير الطريقة المقررة في القانون للطعن في المحرر الرسمى وهي دعوى التزوير يخالف القانون ، ومعنى ذلك ان السماح للخصوم بالاعتراض على ماورد في محاضر جلسات المحاكمة السابقة يخالف القانون الذي صرح بان محاضر جلسات المحاكمة السابقة واللاحقة محررات رسمية لا يطعن فيها الا بدعوى التزوير.

 الوجه الخامس: إملاء إجراءات المحاكمة السابقة ومصادقة الخصوم عليها هدر اجرائي واطالة لامد النزاع:

في بعض الحالات يقوم القاضي بتلاوة اجراءات المحاكمة السابقة على الخصوم او املاء تلك الاجراءات ، وفي ذلك اطالة لإجراءات التقاضي، وفي حالات كثيرة يقوم الخصوم بتقديم اعتراضات مكتوبة على إجراءات المحاكمة السابقة فتقرر هيئة الحكم الجديدة رفض تلك الاعتراضات فيقوم الخصم بالطعن في تلك القرارت مما دفع هيئة التفتيش الى اصدار تعميم بهذا الشان .

وعلى هذا الاساس فان املاء الاجراءات السابقة على الخصوم واعتراضاتهم عليها تخالف مبدا الاقتصاد في إجراءات المحاكمة او التقاضي كما ان هذه الطريقة تؤدي بصورة او اخرى الى هدر اجراءات المحاكمة السابقة، فضلا عن هذه الطريقة ذريعة يتوسل بها الخصم اللدود لإطالة اجراءات المحاكمة.

الوجه السادس: عدم قيام هيئة الحكم الجديدة بإملاء إجراءات المحاكمة السابقة وعدم مصادقة الخصوم عليها لا تؤدي إلى بطلان الحكم:

ألمح الحكم محل تعليقما الى ان عدم قيام هيئة الحكم الجديدة بأملاء اجراءات المحاكمة السابقة وعدم مصادقة الخصوم عليها لا تؤدي الى بطلان الحكم، وهذا يتفق مع الاعتبارت والاسانيد السابق ذكرها في الاوجة السابق ذكرها، وهذا الحكم سديد موافق لروح القانون. (التعليق على أحكام المحكمة العليا في مسائل الطعن بالنقض، أ. د. عبد المؤمن شجاع الدين، مكتبة الصادق جولة الجامعة الجديدة صنعاء 2025م، ص343)، والله اعلم.

صورة جرافيكية للمقال القانوني مصادقة الخصوم على إجراءات المحاكمة السابقة للأستاذ الدكتور عبدالمؤمن شجاع الدين تضم كتاباً مفتوحاً ومطرقة قاضٍ.
تعليقات