معنى لم يأت الخصم بجديد - أ.د. عبدالمؤمن شجاع الدين
الأستاذ بكلية الشريعة والقانون جامعة صنعاء المقصود بالجديد: هو الدليل الجديد أو الاستخلاص الجديد أو العرض الجديد للدليل او الواقعة او الشرح الجديد لما سبق تقديمه او إضافة نصوص وأقوال وشروح فقهية جديدة.
فعند نظر المحكمة للنزاع يتبادل الخصوم الاقوال والمذكرات وادلة الاثبات والنفي ، ومن خلال ذلك تتكشف للخصوم بعض الاقوال والطلبات التي تحتاج الى الرد او التعقيب عليها ، وقد يجد الخصم اثناء ذلك ان هناك بعض الطلبات او الادلة التي تحتاج الى التوكيد عليها فيكررها الخصم حتى تقرع سمع المحكمة، وبعد بضع جلسات محاكمة تتحدد معالم القضية وتتضح حقيقة النزاع ، ويظهر للخصوم انه لم يعد لديهم ما يمكن قوله او تقديمه، ويظهر للمحكمة من خلال تكرار الخصوم وترديدهم لأقوالهم وطالباتهم وادلتهم انه لم يعد لديهم جديد بشان القضية المنظورة فتحجز المحكمة القضية للحكم فيها.
ومن جهة اخرى قد يكرر الطاعن في عريضة طعنه امام محكمة الطعن الطلبات والحجج والمسائل ذاتها التي سبق له اثارتها امام المحكمة التي اصدرت الحكم المطعون فيه، فعندئذ لم يأت الطعن بجديد ، ونتيجة لذلك لا يتغير حكم محكمة الطعن عن الحكم المطعون فيه، حسبما قضى الحكم الصادر عن الدائرة التجارية بالمحكمة العليا في جلستها المنعقدة بتاريخ ٢٤-١٢-٢٠١١م، وذلك في الطعن رقم (٤٦٩٧٤)، فقد ورد ضمن اسباب الحكم المشار اليه: (بالإضافة إلى إن الطاعن لم يات بشيء جديد امام الشعبة بالرغم من ان الشعبة اعطته فرصة لذلك ، لذلك وللأسباب المذكورة في حيثيات حكم الشعبة المطعون فيه بالنقض المؤيد لحكم اول درجة، وبناء على ما جاء في حيثيات حكم محكمة اول درجة، ولما كان ما اثاره الطاعن في عريضة الطعن مما لا يجوز اثارته امام المحكمة العليا ، ولما لم تتوفر في الطعن حالة من حالات الطعن المقررة في المادة (٢٩٢) مرافعات ، ولذلك فان الطعن مرفوض موضوعا)، وسيكون تعليقنا على هذا الحكم حسبما هو مبين في الاوجه الاتية:
الوجه الأول: مفهوم الجديد في اقوال الخصوم:
لا يظهر الجديد من اقوال الخصوم وطلباتهم وادلتهم وطعونهم الا بعد الوقوف على ما سبق للخصوم تقديمه في إجراءات المحاكمة السابقة ، ويمكن عرض جديد الخصوم غير المكررعلى النحو الآتي:
اولا - الأدلة الجديدة: وهي الادلة التي لم يسبق للخصم تقديمها في إجراءات المحاكمة السابقة، او سبق تقديمها غير ان المحكمة تجاهلتها ولم تناقشها في حكمها او لم تقم باثباتها في محاضر جلسات المحاكمة ، والادلة الجديدة قد تكون شهادات شهود او محررات او غيرها من وسائل الاثبات.
ثانيا - الأسانيد القانونية الجديدة: وهي النصوص القانونية أو اللائحية التي لم يسبق ان استند الخصم اليها او تمسك بها او سبق له الاستناد اليها غير ان المحكمة لم تثبتها في محضر جلسة المحكمة او لم تناقشها في اسباب حكمها..
ثالثا- الاسانيد الفقهية الجديدة: وهي الشروح الفقهية للنصوص القانونية التي لم يسبق للخصم الاستدلال بها او الاستناد عليها ، او ان الخصم اثارها غير انه لم يتم اثباتها في محاضر جلسات المحاكمة او لم ترد عليها المحكمة في اسباب حكمها.
وتندرج ضمن مفهوم الاسانيد الفقهية الجديدة اقوال واراء الفقهاء ذات العلاقة بالقضية واسانيدها حتى لو لم تكن شرحا للنصوص القانونية، لان اقوال الفقهاء تتعرض لتفصيلات كثيرة لا تتعؤض لها النصوص القانونية العامة المجردة والمجملة.
رابعا - المبادئ والسوابق القضائية التي لم يسبق للخصم الاستشهاد بها أمام المحكمة، او قام بالاستشهاد فلم تتم الاشارة اليها في محاضر جلسات المحاكمة او لم تناقشها المحكمة في اسباب حكمها ، لان هذه المبادئ والسوابق تكشف عن كيفية تطبيق وفهم القضاء للنصوص القانونية العامة المجردة.
خامسا- الاستخلاص الجديد : من خلال سير اجراءات المحاكمة السابقة ومذكرات الخصوم واقوالهم ، يستطيع الخصم ان يستخلص منها ادلة له فيستدل بها لنفسه، ويحدث هذا في غالب القضايا.
سادسا - التجديد في عرض الوقائع والأسانيد والأدلة في عريضة الطعن: من خلال دراسة الخصم لأوراق القضية يجد أن هناك أوجه قصور أو غموض او إجمال او نقصو في أسلوب عرض الوقائع والأدلة والأسانيد التي سبق له تقديمها أمام المحكمة التي اصدرت الحكم ، فلا شك ان لأسلوب العرض دوره في بناء قناعة المحكمة.
كما قد يقوم الخصم باستدراك ما فاته امام المحكمة قبل اصدار حكمها طالما ان المحكمة لم تقرر قفل باب المرافعة.
الوجه الثاني: أقوال الخصوم بين التكرار والتوكيد:
من شروط طلبات الخصوم ان تكون صريحة جازمة تقرع سمع المحكمة، ولا تكون طلبات الخصوم كذلك الا اذا كان الخصم مصرا عليها ولم يبديها بهيئة رجاء او امل (نامل من المحكمة ).
ومن اساليب اللغة العربية للتعبير عن الاصرار على الاشياء تكرار القول مثل: (جاء جاء محمد) او (جاء محمد محمد) ، لان التكرار هنا يؤكد مجيء محمد، بيد ان التكرار يجب ان يتم في اللحظة ذاتها التي يتكلم فيها الشخص وليس في جلسات اخرى ، فلم يقل احد من ائمة اللغة بجواز تأخير التوكيد الى جلسات اخرى، لأنه يكون من قبيل التكرار المخل بالبلاغة التي تعني بلوغ المعنى المراد بأقصر عبارة
وعلى هذا الاساس فان تكرار الخصم الذي يدل على التوكيد هو الذي يقع في العريضة الواحدة ذاتها او في الجلسة الواحدة ، والذي يتم اثباته او الاشارة اليه في محضر الجلسة ، اما اذا تجاهلت ذلك المحكمة فيحق للخصم اعادة الطلب او القول او الدفاع.
الوجه الثالث: ظاهرة تكرار مذكرات الخصوم واقوالهم ودورها في تعثر القضايا في اليمن:
من المؤكد ان تكرا ر اقوال الخصوم وترديدها في كل جلسات المحاكمة وفي مذكرات الخصوم بل في كل مراحل التقاضي لاريب ان هذا الامر صار نهجا ثابتا في القضاء اليمني ، ولذلك فقد تسبب ذلك في تضخم ملفات القضايا ومن ثم تعذر احاطة القاضي بالقضايا ومن ثم تعثر الفصل فيها، وللاسف فقد صارت هذه مشكلة بل معضلة في القضاء اليمني، فهناك قضية قيمتها اربعة ملايين ريالا يمنيا واوراقها اربعة كراتين امام عدد ملفاتها فلا يعلم ذلك الا الله وقد تعثر الفصل في هذه القضية عدة سنوات حتى قيظ الله احد القضاة الشباب المبدعين الذي طلب من الخصوم تلخيص ما سبق لهم تقديمه ، وبعد ذلك فصل القاضي الشاب المبدع في القضية في جلستين. (التعليق على أحكام المحكمة العليا في مسائل تبسيط إجراءات التقاضي، أ. د. عبد المؤمن شجاع الدين، مكتبة الصادق جولة الجامعة الجديدة صنعاء 2025م، صـ٤٣١)، والله اعلم.
