المسئولية عن حوادث الطاقة الكهربائية

المسئولية عن حوادث الطاقة الكهربائية

أ.د. عبدالمؤمن شجاع الدين - الأستاذ بكلية الشريعة والقانون جامعة صنعاء

الحوادث التي تتسبب فيها الطاقة الكهربائية ليست نادرة ، وغالباً ما تتداخل أسباب حدوثها بين اهمال المزود للطاقة الكهربائية وبين اهمال المستهلك لها، كما أن سكوت قانون الكهرباء عن الإشارة إلى هذه المسألة قد جعل هذه المسألة غامضة تحتاج إلى تسليط الضوء عليها ، ومن هذا المنطلق جاءت فكرة التعليق على الحكم الصادر عن الدائرة الجزائية بالمحكمة العليا باليمن في جلستها المنعقدة بتاريخ 3/4/2007م في الطعن الجزائي رقم (35845) لسنة 1427هـ وخلاصة أسباب هذا الحكم أنه (بتأمل الدائرة في أوراق القضية فقد تبين لها أن ما أثاره الطاعن بشأن عدم تحديد مقدار المبالغ المحكوم بها على المطعون ضده (المزود بالطاقة الكهربائية) والمبالغ المحكوم بها هي أغرام ومصاريف علاج الطفلة المصابة إضافة إلى ما تكبده والدها (الطاعن) من مخاسير خلال مدة العلاج وما ترتب على ذلك أثناء العلاج من بتر يدي الطفلة المصابة حيث قضى حكم محكمة أول درجة بإلزام المورد للطاقة بدفع تلك التكاليف إلا أنه لم يحدد مقدارها وعند استئناف الطاعن المحكوم له طلب من محكمة الإستئناف تحديد تلك المبالغ حتى يتمكن من اقتضائها ومع أن الحكم الإبتدائي مجهول على هذا النحو إلا أن محكمة الإستئناف لم تلتفت إلى ذلك حيث أيدت الحكم دون أن تقوم بتحديد المبالغ المحكوم بها، وذلك يجعل الحكم الإستئنافي المطعون فيه مشوباً بقصور في التسبيب تترتب عليه جهالة الحكم المؤدية لبطلان الحكم الأمر الذي يتعين معه نقض الحكم وإعادة القضية إلى محكمة الإستئناف لإستيفاء القصور المشار إليه والحكم في الإستئناف مجدداً) وسيكون تعليقنا على هذا الحكم بحسب الأوجه الآتية:

الوجه الأول: الأساس الشرعي والقانوني للمسئولية عن حوادث الطاقة الكهربائية:

من المؤكد أن سوء تزويد أو استهلاك الطاقة الكهربائية تترتب عليه حوادث بالغة الخطورة يترتب عليها هلاك الأشخاص والأموال وتلف الأعضاء كما حدث في القضية التي أشار إليها الحكم محل تعليقنا كما قد يترتب على ذلك تلف الأموال المتمثلة في الأجهزة والألات الكهربائية، وخلاصة القول أن الكهرباء من الوسائل الخطرة في الإستعمال ، وذلك يقتضي من الجهة التي تتولى توريد الطاقة الكهربائية أن تتخذ كافة الإجراءت والإحتياطات والمستلزمات الكافية والمناسبة للحيلولة دون وقوع الحوادث عند قيام المستهلك بإستعمال الطاقة الكهربائية ، وقد أحجم قانون الكهرباء اليمني ولائحته التنفيذية عن تناول هذه المسألة وترك ذلك لقواعد المسئولية التقصيرية المنصوص عليها في القانون المدني في المادة (317) التي نصت على أن ( حائز الشيء الذي يتطلب عناية خاصة أو حراسة كالألآت الميكانيكية يكون مسئولاً عما يحدثه هذا الشيء من الضرر على الغير مالم يثبت أن وقوع الضرر كان بسبب أجنبي لا يد له فيه مع مراعاة ما يرد في ذلك من أحكام خاصة في القوانين والقرارات واللوائح النافذة) وقد سبق القول أن قانون الكهرباء ولائحته لم ينظما هذه المسألة وتبعاً لذلك فإن النص الناظم لها هو النص السابق ذكره من القانون المدني الذي يكرس نظرية حراسة الأشياء الخطرة والذي يجعل الحائز أو الحارس لها هو المسئول عن أية حوادث قد تنجم عنها بإعتبار هذه الأشياء والألآت الخطرة جمادات فيكون الحائز لها هو المسئول عن حوادثها ، والتوصيلات وشبكة التزويد من الألات والوسائل الخطرة التي تحتاج إلى عناية وحراسة، ومن خلال مطالعة الحكم محل تعليقنا نجد أن الحادثة التي تسببت في بتر يدي الطفلة هي سلك الكهرباء المكشوف ولذلك فإن الجهة المالكة للشبكة الكهربائية هي المسئولة عن الأضرار التي تحدث بسبب ذلك ، وهناك حكم لمحكمة النقض المصرية يشابه إلى حد ما الحكم محل تعليقنا حيث قضى حكم محكمة النقض المصرية (وحيث أن النص في المادة (178) من القانون المدني قررا( كل من تولى حراسة أشياء تتطلب حراستها عناية خاصة أو حراسة ألآت ميكانيكية يكون مسئولاً عما تحدثه هذه الأشياء من ضرر مالم يثبت أن وقوع الضرر كان بسبب أجنبي لا يد له فيه) فذلك يدل على أن القانون قصد بهذا النص أن يدفع ظلماً يمكن أن يحيق بطائفة من المضرورين فلم يشترط هذا النص وقوع خطأ من المسئول عن التعويض وقرر على كل من أوجد شيئاً خطراً ينتفع به ان يتحمل تبعات ما ينجم عن هذا الشيء من أضرار سواء أكان مالكاً أو غير مالك فحمل الحارس هذه المسئولية التي أسسها القانون على خطأ مفترض يكفي لتحققه أن يثبت المضرور وقوع الضرر بفعل الشيء ولا يملك المسئول دفع المسئولية إلا إذا ثبت أن الضرر كان بسبب أجنبي، ولما كانت المادة (178) مدني السابق ذكرها قد اشترطت لمسؤولية الحارس عن الشيء أن يكون هذا الشيء آلة ميكانيكية أو شيئاً تقتضي حراسته عناية خاصة وحيث أن مكمن الخطر في الشبكة الكهربائية ليس فيما تتكون منه من أعمدة واسلاك ممدودة ولكن فيما يسري خلالها من طاقة كهربائية وهذه الطاقة لا تقبل بطبيعتها التجزئة ولا يتصور تسليمها من يد إلى يد شأن الأشياء المادية الأخرى ، ولذلك فإن الجهة المشرفة على إنتاج وتوليد وتوزيع الطاقة هي الممسؤولة بإعتبارها الحارسة.

الوجه الثاني: حالات عدم المسؤلية عن الحوادث الكهربائية:

ذكرنا في الوجه السابق أن الأصل أن الجهة التي تتولى توليد وتوزيع الطاقة الكهربائية هي المسئولة عن أية حوادث وأن مسؤوليتها مفترضة قانوناً ولو لم يصدر منها خطأ، إلا أن هناك حالات لا تكون فيها الجهة مسئولة عن هذه الحوادث، وهذه الحالات هي( الحالة الأولى): إذا كان سبب الحادث يرجع إلى المضرور نفسه كمن قام بتسلق عمود الكهرباء والعبث بالسلك فمات جراء ذلك، (الحالة الثانية): السبب الأجنبي للحادث الذي لا يد للجهة المالكة للطاقة فيه مثل إصطدام ناقلة بعمود الكهرباء وإسقاطه على المارة أو حدوث ذلك بسبب زلزال أو غارة جوية أو صاعقة (برق) وفي هاتين الحالتين يجب على الجهة المالكة للطاقة الكهربائية أن تثبت أن وقوع الحوادث الكهربائية كان بسبب لا يد لها فيه لأن مسئوليتها مفترضة قانوناً.

الوجه الثالث: وجوب تحديد المبالغ المحكوم بها:

 من اسباب نقض الحكم الإستئنافي المطعون فيه أنه لم يتم تحديد المبالغ المحكوم فيها وهي دية كاملة عن بتر يدي الطفلة المصابة بالسلك الكهربائي المكشوف ونفقات علاجها ومصاريف التقاضي وغيرها حسبما ورد في الحكم محل تعليقنا، فعدم تحديد المبالغ المحكوم بها يفقد الحكم أهم شرط من شروطه وهو الحسم والفصل في النزاع، لأن عدم تحديد المبالغ المحكوم بها في هذه الحالة يحتاج إلى دعوى جديدة وقضاء جديد وإجراءات تقاضي جديدة وذلك مخالف لشروط الحكم، ولذلك قرر الحكم محل تعليقنا نقض الحكم الإستئنافي، والله أعلم.

صورة لمقال قانوني حول المسؤولية عن حوادث الطاقة الكهربائية على مكتب محاماة مع كتب قانون وملفات قضائية، مدونة الدكتور عبدالمؤمن شجاع الدين.
المسؤولية عن حوادث الطاقة الكهربائية - الأستاذ الدكتور عبدالمؤمن شجاع الدين
تعليقات