الوضعية القانونية لتأجير المنشاة الطبية - أ.د. عبدالمؤمن شجاع الدين
الأستاذ بكلية الشريعة والقانون - جامعة صنعاء
إنشاء وتشغيل المنشات الطبية كالمستشفى أو المركز او المستوصف يستلزم الحصول على التراخيص اللازمة للمنشاة والعاملين فيها ولذلك من الجهة المختصة (وزارة الصحة) للتأكد من صلاحية المبني للخدمة الطبية وتوفر الشروط والمواصفات اللازمة كما ان تشغيل المنشاة وتزويده بالاجهزة الطبية والاطباء والممرضين والفنيين المختصين يستلزم حصول هولاء على المؤهلات والتراخيص اللازمة، لان المنشاة الطبية وان كانت منشاة تجارية تهدف الى الربح الا انها قبل ذلك تهدف الى تقديم خدمة انسانية جليلة.
ولذلك يجب مراعاة هذه الوضعية عند تأجير المنشاة الطبية ، ويجب على القاضي عند نظره في النزاع بشان تأجير المنشاة الطبية ان يبحث ويدقق في هذه الوضعية عندما يفصل في النزاع ، فتأجير المنشاة الطبية ليس تاجير عقار ، حسبما قضى الحكم الصادر عن الدائرة التجارية بالمحكمة العليا في جلستها المنعقدة بتاريخ ٧-١-٢٠١٢م، وذلك في الطعن رقم (٤٦٦٩٨)، فقد ورد ضمن اسباب الحكم المشار اليه: (كما ان الشعبة لم تقم بمناقشة المؤجر لمعرفة التزاماته مقابل الايجار ، وهذا يستلزم من الشعبة بحث هذه المسالة والتأكد عمن هو المسئول عن استخراج التراخيص للعيادة التعاونية محل استئجار الطاعن وكذا الترخيص للأطباء والممرضين العاملين في العيادة ، كما يجب على الشعبة ان تستوضح المطعون ضده عن مفهوم تأجير عيادة تعاونية من حيث انه يتطلب ان يكون لها مقر واسم وكادر طبي ومعدات...الخ، فيجب على المحكمة ان تستجوب الخصوم لمعرفة هذه المسائل والحكم في ضوء ذلك)، وسيكون تعليقنا على هذا الحكم حسبما هو مبين في الاوجه الآتية:
الوجه الأول: تأجير المنشات الطبية في قانون المنشات الطبية اليمني:
نظم تأجير المنشآت الطبية قانون المنشات الطبية والصحية الخاصة رقم (٦٠) لسنة ١٩٩٩م، وقد عرف هذا القانون المنشات الطبية والصحية ،وذلك في المادة (٢) فعرفها بانها : (المنشآت الطبية والصــحية: كل مكان معد للكشف على المرضى أو علاجهم أو تمريضهم أو لإجراء الفحوصات أو صرف أو تحضير المستحضرات الصيدلانية وكذا المساهمة في تقديم خدمات الرعاية الصحية الأولية وتشمل:-
1- المستشفيات 7- مراكز السمعيات والبصريات الطبية.
2- المستوصفات 8- مراكز العلاج الطبيعي وإعادة التأهيل.
3- المراكز الطبية 9- معامل الأسنان.
4- مراكز الأشعة 10- العيادات الطبية.
5- المختبرات الطبية 11- الصيدليات.
6- مراكز الطب الرياضي 12- المنشآت الفنية الصحية المقابلة (عيادات القبالة والتوليد الطبيعي- عيادات الإسعافات الأولية- مخازن الأدوية وغيرها).
ومعنى ذلك ان احكام تأجير المنشات الطبية تسري على المنشات المحددة في النص السابق.
اما المادة (7) من القانون المشار اليه فقد اشترطت في المستأجر للمنشاة الطبية ان يكون لديه ترخيص من وزارة الصحة ، إذ نصت هذه المادة على انه: (يشترط في من يؤسس أو يشغل منشأة طبية أو صحية خاصة أن يكون حاصلاً على الترخيص من الإدارة المختصة وفقاً للشروط والإجراءات الواردة في هذا القانون ولائحته التنفيذية)، ووفقا لهذا النص فانه يشترط لتأجير المنشاة الطبية ان يكون لدى المستأجر ترخيص بتشغيل المنشاة، ويجب ان يصدرهذا الترخيص فبل تشغيل المنشاة .
وقد الزمت المادة (8) من ذلك القانون ألزمت المتقدم بطلب ترخيص تشغيل منشأة طبية بتقديم عقد الإيجار أو وثيقة الملكية للمبنى المراد استخدامه.
وفي السياق ذاته اشترط قانون المنشات الطبية تجديد هذا الترخيص كل سنتين حسبما ورد في المــادة(17) من القانون المشار اليه التي نصت على انه : (يجدد ترخيص المنشاة كل سنتين من الادارة المختصة).
في حين منعت المادة (12) من القانون المشار اليه نقل ترخيص انشاء او تشغيل المنشاة الطبية الا بعد الحصول على موافقة كتابية من وزارة الصحة، وفي هذا المعنى نصت هذه المادة على انه : (يحظر نقل ملكية أي ترخيص لمنشأة إلى شخص أخر إلا بعد موافقة كتابية من الإدارة المختصة وفي حالة وفاة المرخص له تؤول ملكية المنشأة المعمدة من المحكمة إلى الورثة الشرعيين، وعليهم تقديم طلب إلى الإدارة المختصة لتحويل الترخيص إليهم)، وقد اجاز هذا النص انتقال ترخيص المنشاة الطبية الى الورثة وعليهم طلب تحويل الترخيص باسمهم ، ومفاد هذا النص ان تأجير المنشاة الطبية يستدعي موافقة وزارة الصحة.
ومن المعلوم ان تشغيل الاطباء والمهنيين في المنشاة الطبية يجب ان يكون بموجب عقود تحفظ حقوقهم هؤلاء وتبين واجباتهم ، ويجب ان يكون هؤلاء قد سبق ان حصلوا على تراخيص مزاولة المهنة من وزارة الصحة، حسبما هو مقرر في المادة (31) من قانون المنشآت الطبية التي نصت على ان :(-أ- لا يجوز لأي منشأة طبية أو صحية تشغيل ذوي المهن إلا بعد حصولهم على ترخيص مزاولة المهنة وعليهم إفادة الإدارة المختصة بمن يتم تشغيلهم ورقم وتاريخ ترخيص كل منهم، كما تخطرها بأي تغيير يطرأ على العاملين بها.
ب- على المنشأة الخاصة التقيد بقانون العمل ولائحته وكذا التشريعات المنظمة للنسب المحددة في توظيف العمالة اليمنية والأجنبية.
ج- على المنشأة الطبية الخاصة تحرير عقود عمل مع العاملين لديها وإفادة الإدارة المختصة بصورة من بتلك العقود).
ومن ضوابط تأجير المنشاة الطبية انه لا يجوز نقلها من العين المملوكة او المؤجرة الى عين اخرى إلا بعد الحصول على موافقة كتابية من وزارة الصحة ، وفي هذا الشان نصت المادة (15) من قانون المنشات على انه : (لا يجوز تغيير أو نقل مكان أو نشاط المنشأة إلا بموافقة كتابية من الإدارة المختصة عدا العيادات الطبية- معامل الأسنان- المراكز السمعية البصرية- مراكز العلاج الطبيعي وإعادة التأهيل- مراكز الطب الرياضي-المنشآت الفنية الصحية المقابلة وعليهم إشعار الإدارة المختصة شريطة توافر نفس الشروط الفنية الخاصة بالمنشأة الجديدة وإبلاغ الإدارة المختصة بالموقع الجديد).
ووفقا للمادة (62) من قانون المهن الصحية لا يجوز التنازل عن ترخيص المنشأة الطبية للغير أو تغيير صاحب الترخيص إلا بعد الحصول على موافقة رسمية من الوزارة.
ويترتب على مخالفة الضوابط السابقة سحب ترخيص المنشاة حسبما هو مقرر في المادة (34) التي نصت على سحب ترخيص المنشأة الطبية في حال الإخلال بأحكام القانون أو عدم التقيد باللوائح التنظيمية الخاصة بوزارة الصحة.
الوجه الثاني: تأجير المنشات الطبية في قانون تنظيم العلاقة بين المؤجرين والمستأجرين:
تباشر المنشاة الطبية اعمالها في مبنى ، وهذا المبني قد مملوكا لصاحب الترخيص ،وعندئذ لا تسري احكام قانون الايجار، بيد انه في حالات كثيرة تباشر المنشاة نشاطها من مبني مؤجر لها ، ففي هذه الحالة تسري على المنشاة احكام قانون المنشات الطبية إضافة الى احكام الايجار المقررة في قانون تنظيم العلاقة بين المؤجرين والمستأجرين.
ومن هذه الاحكام ان مدة إيجار المنشاة الطبية عشر سنوات اذا لم يتم الاتفاق في عقد الايجار على مدة اقل او اكثر ، حسبما هو مقرر في المادة (٢٨) من قانون تنظيم العلاقة الايجارية.
كما لا يجوز للمنشاة الطبية او صاحب الترخيص ان يقوم بتأجير المنشاة من الباطن او التنازل عنها للغير الا اذا تم الاتفاق على ذلك مع مالك العين، حسبما هو مقرر في المادة (59) من قانون تنظيم العلاقة الايجارية التي نصت على انه: (لا يجوز للمستأجر التنازل عن منفعة العين المؤجرة للغير، كما لا يجوز له التأجير من الباطن في كل ما أستأجره أو بعضه ما لم يتم الاتفاق على خلاف ذلك مع المؤجر.)
اما المادة (٦٠) من قانون تنظيم العلاقة الايجارية فقد صرحت بانه في حالة موافقة المؤجر للمنشاة الطبية على تاجيرها من الباطن فان كافة الحقوق والالتزامات المقررة في عقد الايجار الاصلي للمنشاة الطبية تنتقل الى المستاجر لها من الباطن او الذي تم التنازل له ، فقد نصت هذه المادة على انه : (في حالة موافقة المؤجر على التأجير من الباطن أو التنازل عن منفعة العين المؤجرة يجب ألا يتعارض عقد التأجير من الباطن أو التنازل عن الإيجار مع عقد الإيجار الأصلي ولا يكسب المستأجر من الباطن والمتنازل له حقوقاً لم تكن للمستأجر الأصلي) .
وفي السياق ذاته نصت المادة (٦١) من القانون المشار اليه على انه: (إذا كان الاستئجار للمبنى خاصاً لإنشاء مصنع أو متجر أو نحوهما وأراد المستأجر أن يبيع المصنع أو المتجر استمرت الإجارة بنفس شروط العقد حتى تكتمل مدة الإيجار، وعلى أن لا يلحق ضرر بالمؤجر، وعلى المشتري الالتزام بما ينص عليه عقد الإيجار)، وكذلك الحال اذا المبنى مؤجرا لمنشاة طبية .فان المشتري لها تنتقل له الحقوق المقررة في عقد الايجار الاصلي المبرم فيما بين البائع للمنشاة ومالك العين كذلك نصت المادة (62) من القانون المشار اليه على انه: (مع مراعاة ما جاء في المادتين (59، 60) في حالة التنازل عن منفعة العين المؤجرة أو التأجير من الباطن يظل المستأجر الأصلي ضامناً للمستأجر من الباطن انتفاعه بالعين المؤجرة وتنفيذ التزاماته التعاقدية في العقد من الباطن)، فتقرر هذه المادة ان المؤجر للمنشاة من الباطن يظل ضامنا للمستاجر من الباطن .
وكذا نصت المادة (٦٣) على انه: (يجوز للمؤجر أن يستوفي من المستأجر من الباطن ما يكون له من حقوق قبل المستأجر الأصلي) .
كما نصت المادة (٦٤) من القانون المشار اليه على انه: (تبرأ ذمة المستأجر الأصلي قبل المؤجر سواءً فيما يتعلق بضمان المستأجر من الباطن أو فيما يتعلق بما يفرضه عقد الإيجار من التزامات قبله إذا وافق المؤجر على ذلك) . فاذا كان مالك العين المؤجر قد وافق على تأجير المنشاة من الباطن فان المؤجر لها من الباطن لا يضمن المستاجر لها . (التعليق على أحكام المحكمة العليا في مسائل الإيجار الجزء الثاني ، أ. د. عبد المؤمن شجاع الدين، مكتبة الصادق جولة الجامعة الجديدة صنعاء 2025م، ص٤٣١)، والله اعلم.
