مسئولية الممثل القانوني للشخص الاعتباري - أ.د. عبدالمؤمن شجاع الدين

مسئولية الممثل القانوني للشخص الاعتباري - أ.د. عبدالمؤمن شجاع الدين

الأستاذ بكلية الشريعة والقانون - جامعة صنعاء

الشخص الاعتباري او المعنوي مجموعة من الاشخاص او الاموال كالشركات والهيئات والمصالح وغيرها من الجهات التي تتمتع بالشخصية الاعتبارية والذمة تلمالية المستقلة وفقا للقانون ، فالاشخاص الاعتبارية تتمتع بالشخصية اامستقلة والذمة المالية المستقلة عن الشركاء فيها او الجهة او الجهات التي تقوم بانشاءها .

ولذلك فان الاشخاص الاعتبارية او المعنوية تحتاج الى شخص طبيعي يقوم بتمثيلها امام كافة الجهات والشخصيات ويقوم نيابة عنها بأبرام العقود والتصرفات وتمثيلها في الدعاوى المرفوعة منها او عليها ، فالممثل القانوني للشخص الاعتباري هو الشخص الطبيعي الذي يتم تعيينه لتمثيل الشخص الاعتباري .

ومن المعلوم ان الممثل القانوني للشخص الاعتباري يكون مسئولا مسئولية شخصية عن كافة الاعمال والتصرفات التي يقوم بها بصفته الشخصية ولحسابه الشخصي ، اما التصرفات التي يباشرها نيابة عن الشخص الاعتباري الذي يمثله فان لا يسال عنها طالما انه باشرها وفقا للنظم المتبعة ، حسبما قضى الحكم الصادر عن الدائرة التجارية بالمحكمة العليا في جلستها المنعقدة بتاريخ ١٥-١٢-٢٠١٠م ، وذلك في الطعن رقم (٤١٥٩٧)، فقد ورد ضمن اسباب الحكم المشار اليه: (نعي الطاعنين في غير محله ، فقد اكدت الشعبة في حكمها المطعون فيه ان تعامل المطعون ضده مع الطاعنين كان بصفته ممثلا قانونيا اي مديرا ل...... ، فلم يتعامل المطعون ضده معهما بصفته الشخصية)، وسيكون تعليقنا على هذا الحكم حسبما هو مبين في الاوجه الاتية:

الوجه الأول: تعريف الشخص الاعتباري:

نصت المادة(87) من القانون المدني اليمني على ان : (الاشخاص الاعتباريون هم:

1-الدولة او المحافظات والمدن والمديريات بالشروط التي يحددها القانون، والوزارات والمصالح وغيرها من المنشات العامة التي يمنحها القانون الشخصية الاعتبارية.

2-الهيئات التي تعترف لها الدولة بالشخصية الاعتبارية.

3-الاوقاف.

4-الشركات التجارية والمدنية.

5-الجمعيات والمؤسسات المنشاة وفقا لأحكام الجمعيات والمؤسسات المبينة في هذا القانون.

6-كل مجموعة من الاشخاص والاموال التي تثبت لها الشخصية الاعتبارية بمقتضى القانون).

كما نصت المادة (88) من القانون ذاته على ان : (الشخص الاعتباري يتمتع بجميع الحقوق الا ما كان منها متصلا بصفة الانسان الطبيعية فيكون له:

1-ذمة مالية مستقلة.

2-اهلية، في الحدود التي يعيّنها سند انشائه او التي يقرها القانون.

3-حق التقاضي.

4-موطن مستقل طبقا لما هو مبين في قانون المرافعات.

5-نائب يعبر عن ارادته ويمثله في التقاضي وغيره).

وتطلق بعد القوانين مسمى الشخص الاعتباري في حين تطلق عليه بعض القوانين اسم الشخص المعنوي، وقد اختار القانون اليمني تسمية الشخص الاعتباري وليس الشخص المعنوي ، وهناك تعريفات عدة للشخصية الإعتبارية، فقد عرفها الأستاذ رمضان أبو السعود بأن: “الشخصية المعنوية ماهي إلا مجموعات من الأشخاص الطبيعية أو الأموال يجمعها غرض واحد، ويكون لهذه المجموعة شخصية قانونية لازمة لتحقيق هذا الغرض، منفصلة عن شخصية المكونين أو المنتفعين بها ” .

كما عرفها الدكتور عمار عوابدي بأنها: “كل مجموعة من الأشخاص تستهدف غرضا مشتركا، أو مجموعة من الأموال ترصد لفترة زمنية محددة لتحقيق غرض معين، بحيث تكون هذه المجموعة من الأشخاص أو الأموال كيانا قانونيا ” شخص قانوني” مستقلا عن الأشخاص والأموال المكونة له، له شخصية وذمة قانونية مستقلة وقائمة بذاتها لاكتساب الحقوق وتحمل الالتزامات باسمه ولحسابه، كما أن هذه المجموعة لها مصلحة جماعية مشتركة ومستقلة عن المصالح الشخصية والفردية لأفراد المجموعة “، وهناك أيضا من يعرفها بأنها “مجموعة من الأشخاص أو الأموال تتحد من أجل تحقيق غرض معين، ومعترف لها بالشخصية القانونية، وهو كيان له أجهزة خاصة تمارس عملا معينا وأن هذه الفكرة تنتج عنها مجموعة آثار من الناحية القانونية تجعل من هذا الشخص قادرا على إبرام العقود وله ذمة مالية خاصة به، كما يتمتع بأهلية التقاضي، وقد تم اكتشاف هذه الفكرة لإضفاء الشخصية القانونية على مجموعة أشخاص وأموال سواء في مجال القانون العام، كالدولة، الوزارة والمحافظة المديرية والهيئة والمؤسسة والشركة العامة ، أو في نطاق القانون الخاص كالشركات والجمعيات والمؤسسات والمحلات الخاصة “.

كما عرفها الدكتور سمير عالية ” بأنها تكتل من الأشخاص أو الأموال يعترف له القانون بالشخصية والكيان المستقل، ويعتبره كالشخص الطبيعي من حيث الحقوق والواجبات، وهي متعددة الأشكال إذ من بينها الدولة، المؤسسات العامة، المصالح المستقلة، المحافظات ، الجمعيات، النقابات، الشركات، وكل مجموعة من الأشخاص أو الأموال يعترف لها القانون بالشخصية المعنوية ”( المسئولية الجزائية للشخص المعنوي، أحمد الشافعي، ص٣). 

فالشخص الاعتباري عبارة عن تجمع من الأشخاص أو الأموال التي تتمتع بكيان ذاتي مستقل، كما أن لها أهدافا محددة ومعينة ، والاشخاص الاعتبارية انواع عدة لعضها يهدف تحقيق ربح مادي، وبعضها يهدف الى تقديم خدمة عامة، أو غيرها من الأغراض الأخرى ، وفي كل الاحوال يشترط ان يكون الهدف الذي تنشد تحقيقه هو هدف مشروع.

وقد عرفه بعض الفقه الشخص الاعتباري بأنه “جملة الأشخاص والأموال التي تثبت لها الشخصية القانونية، والمعترف بها من قبل القانون، والتي يمنحها القانون أيضاً كافة الحقوق عدا ما يلازم منها لصفة الإنسان .

وهناك خصائص يختص بها الشخص الاعتباري من أهمها ثبوت اسمٍ مختلفٍ له يميزه عن غيره من الأشخاص الاعتبارية الأخرى، وذلك وفقاً للغرض الذي تم إيجاده من اجله، حيث قد يشتق اسمه من هذا الغرض.

كما يتميز الشخص الاعتباري أيضاً بثبوت أهلية الوجوب له، وهذه الأهلية يكتسبها الشخص الاعتباري منذ لحظة الاعتراف به كشخص اعتباري، وعلى صعيد آخر فإن أهلية الأداء يستحيل ان يتميز بها الشخص الاعتباري، ويرجع ذلك إلى أنها متصلة بشكل مباشر بالتمييز والإدراك، وهما صفتان يرتبطان بالسن، والسن هو سمة بشرية لا تتوافر بدورها في الشخص الاعتباري، كما انهما صفتان ترتبطان بالشخص الطبيعي أما الاعتباري فلا يمكن ان يتصف بهما.

 والشخص الاعتباري مستقل وقائماً بذاته بعيداً عن أشخاص الشركاء فيه، وله ذمته المالية المستقلة عن الذمة المالية للشركاء فيه ، ويثبت له الحق في التقاضي، فيستطيع أن يكتسب الحقوق ويتحمل الالتزامات .

الوجه الثاني: تعريف الممثل القانوني للشخص الاعتباري والاعمال التي يقوم بها لحساب الشخص الاعتباري:

الممثل القانوني الشخص الاعتباري هو: الشخص الطبيعي الذي ينوب عن الشخص الاعتباري ويمثله في كافة الأعمال والتصرفات أمام الجهات الإدارية والقضائية، ويتكلم باسمه ويعبر عنه في تصريف اعماله لتحقيق أهدافه والمحافظة على أمواله ووجوده وذلك وفقا لأحكام القانون.

وقد يكون الممثل القانوني رئيس مجلس إدارة الشركة، أو رئيس الهيئة العامة، أو مدير الشركة، أو الوزير، أو رئيس الوحدة المحلية ….. إلخ.

وللشخص الاعتباري حقوق وعليه التزامات ، ولذلك فانه يحتاج الى شخص طبيعي يقوم بتمثيله للمطالبة بحقوقه والوفاء بالتزاماته ويمثله أمام الجهات الإدارية المختلفة أو ينوب عنه أمام الجهات القضائية، وذلك كله في إطار القانون، ويتم اختيار هذا الشخص وفقا لمعايير معينة وبشروط يحددها القانون او النظام الخاص بالشخص الاعتباري ذاته.

وبناء على ذلك فان الممثل القانوني للشخص الاعتباري يقوم بعدة اعمال منها الاتي :

1- تمثيل الشخص الاعتباري أمام المحاكم والنيابات ، حيث يتم تمثبل الشخص الاعتباري لدى القضاء عن طريق الممثل القانوني أو من ينوب عنه بموجب توكيل، وذلك بعد إعلانه أعلانا قانونيا صحيحا وفقا للقانون في موطنه، ولا يؤثر في صحة اختصامه الخطأ في اسم الممثل القانوني للشخص الاعتباري أو إغفال اسمه، وهو ما قضت به محكمة النقض المصرية في حكم لها بأن “المقرر– في قضاء محكمة النقض – أن النص في الفقرة الثالثة من (المادة ١١٥) من قانون المرافعات على أن “وإذا تعلق الأمر بإحدى الوزارات أو الهيئات العامة أو مصلحة من المصالح أو بشخص اعتباري عام أو خاص ، فيكفى في تحديد الصفة أن يذكر اسم الجهة المدعي عليها في صحيفة الدعوى” يدل – وعلى ما أفصحت عنه المذكرة الإيضاحية – على أنه نظراً لتعدد صور الشخص الاعتباري العام وتنوعها ما بين هيئات ومؤسسات وشركات عامة وغيرها وما قد يحدث من إدماج بعضها أو تغيير تبعيتها أو تعديل شخص من يمثلها، فقد ارتأى المشرع تخفيفاً عن المتقاضين ومنعاً لتعثر خصوماتهم صحة اختصام الشخص الاعتباري متى ذكر بصحيفة الدعوى اسمه المميز له دون أن يؤثر في ذلك الخطأ في بيان ممثله أو اسم هذا الممثل أو إغفاله هذا البيان كلية".

2-التوقيع على كافة أنواع العقود التي يكون الشخص الاعتباري طرفا فيها.

٣- متابعة سير العمل في الشخص الاعتباري على الوجه الذي يحدده القانون واصدار القرارات والتوجيهات نيابة عن الشخص الاعتباري.


الوجه الثالث :مسئولية الممثل القانوني للشخص الإعتباري عند إرتكابه للجريمة لحساب الشخص الاعتباري وبصفته ممثلا للشخص الإعتباري :

لا يمكن للشخص الاعتباري أن يرتكب جريمة بنفسه وإنما يرتكبها عن طريق شخص طبعي معين أو عدة أشخاص طبيعيين يملكون حق التعبير عن إرادته ويمثلونه، وبالتالي فمتى ارتكب الشخص المعنوي جريمة فان القاضي عند بحثه لمدى قيام المسؤولية الجنائية يجب عليه إثبات أن الجريمة قد ارتكبت من طرف شخص طبيعي له علاقة بالشخص المعنوي ثم يبين من ناحية ثانية فيما إذا كانت الظروف التي ارتكبت فيها الجريمة تسمح بإسنادها إلى الشخص المعنوي، وهذا يتطلب بطبيعة الحال معرفة الشخص الطبيعي الذي ارتكب الجريمة وما إذا كان يملك حق التصرف باسم الشخص المعنوي، ففي إطار تحديد الشخص الطبيعي الذي يمثل الشخص المعنوي نجد أن هناك اتجاهين في التشريع المقارن: احدهما يشترط أن تكون الجريمة قد وقعت من طرف شخص طبيعي يحتل وظيفة هامة لدى الشخص المعنوي، أما الاتجاه الثاني فيكتفي لإمكان معاقبة الشخص المعنوي مجرد وقوع الجريمة من احد العاملين لديه دون تفرقة بين الموظف البسيط والذي يقوم بدور رئيسي في إدارة أعمال الشخص المعنوي والرقابة على سيرها.

كما يثار التساؤل بشان حكم تجاوز ممثل الشخص المعنوي حدود اختصاصاته، هل يجوز مساءلة الشخص الطبيعي في هذا الفعل؟ أم يجب إسناد المسؤولية إلى الشخص المعنوي بذاته؟ في هذا السياق يسود في القانون الانجليزي اتجاه يعتبر انه يجب لمساءلة الشخص المعنوي جنائيا أن يكون الشخص الطبيعي قد تصرف في حدود وظيفته وفقا للنظام الأساسي للشخص المعنوي ذاته، وبعكس الاتجاه المذكور قررت التوصية الصادرة عن المجلس الوزاري للدول الأعضاء في الوحدة الأوربية رقم 18-88 في سنة 1988 انه يجب أن يسال الشخص المعنوي جنائيا ولو كانت الجريمة لا تدخل في نطاق الاختصاص العملي بالنسبة لممثله القانوني، ومن تم فان تجاوز الشخص الطبيعي لحدود اختصاصاته لا يحول دون مساءلة الشخص المعنوي عن الجريمة التي ارتكبت بسبب هذا التجاوز، وبعنبر الرأي الأخير هو الأجدر بالتأييد خاصة عند ارتكاب الجريمة غالبا ما يكون ممثل الشخص المعنوي قد تجاوز حدود سلطاته.

فارتكـاب الجريمـة مـــن قبل ممثـل الشخــص الاعتباري، له أهمية بالغة من حيث فصل المسؤولية الجزائية للشخص الإعتباري عن مسؤولية الشخص الطبيعي الممثل للشخص الإعتباري ، الذي قد يرتكب أفعالا لا علاقة لها مع نشاط الشخص الاعتباري، لذا قرر قانون الجرائم والعقوبات اليمني قيام مسؤولية الشخص الاعتباري اذا اقدم على الجريمة الممثل القانوني للشخص الإعتباري أو أحد افراد طاقمه الإداري المختص، وبيان ذلك فيما يأتي :

1-إرتكاب الجريمة من طرف أجهزة الشخص الاعتباري :

وهذه الحالة لا تثير إشكالا بمفهوم القانون أو النظام القانوني الخاص المحدد لأعضاء الشخص الاعتباري وأجهزته، وهم عادة الأشخاص المختصون قانونا كي يتحدثوا ويتصرفوا باسم الشخص الاعتباري ، ويدخل في هذا المفهوم كل من مجلس الإدارة، المدير التنفيذي ، المدير العام رئيس مجلس الإدارة رئيس مجلس الإدارة رئيس مجلس المديرين، مجلس المراقبة، الجمعية العامة للشركاء، أو الأعضاء بالنسبة للشركات، ونجد كل من الرئيس، أعضاء المكتب، الجمعية العامة عندما يتعلق الأمر بالجمعيات والنقابات.

2-إرتكاب الجريمة من طرف ممثل الشخص الاعتباري :

يقصد بممثلي الشخص الاعتباري الأشخاص الطبيعيين الذين يتمتعون بسلطة التصرف باسمه سواء كانت هذه السلطة قانونية، أو بحكم عقد التاسيس أو النظام الأساسي المؤسسة كالرئيس والمدير العام، المدير التنفيذي ، رئيس مجلس الإدارة، المدير العام.

إضافة إلى الممثلين القضائيين الذين يوكل إليهم القضاء مهمة مباشرة إجراءات التصفية عند حل الأشخاص الاعتبارية .

 لذلك فن الأمر يستدعي تحديد الممثل القانوني للشخص الإعتباري بدقة، وفي هذا الشأن فقد إستبعد الفقه الفرنسي أن يكون المدير الفعلي المعين بطريقة مخالفة للقانون أو عقد التاسيس أو النظام الأساسي للمؤسسة أو الشركة من ممثلي الشخص الاعتباري، كما أنه ووفقاً اما جاء في القانون الفرنسي الذي ذكر “ممثلي الشخص الاعتباري يحمل على الاعتقاد بأنه استبعد الأجراء والتابعين، وعليه لا يكون الشخص الاعتباري مسؤولا جزائيا عن الجريمة التي يرتكبها أحد مستخدميه بمناسبة أو أثناء أداء وظيفته بمبادرة منه، حتى وإن استفاد منها الشخص الاعتباري، وبناء على ذلك يستبعد كل من المدير الفعلي، الأجراء، والتابعين من دائرة تجريم الشخص الاعتباري، وفي هذا الشأن هناك إشكاليات خلاصتها كما يأتي :

أ/ وضعية الشخص الاعتباري الجزائية اتجاه العضو أو الممثل الذي يتجاوز حدود سلطاته:

غني عن البيان أنه إذا تصرف العضو أو الممثل للشخص الإعتباري في حدود سلطاته التي يستخدمها بنص القانون أو بموجب الاتفاق أو النظام الأساسي ، فإن هذا التصرف –إن وقع تحت طائلة قانون العقوبات- يرتب مسؤولية الشخص الاعتباري إن توافرت شروط قيام هذه المسؤولية.

ولكن قد يحدث أن يقوم أحد هؤلاء بتجاوز حدود سلطاته، فهل يرتب هذا التصرف -على الرغم من وجود هذا التجاوز- المسؤولية الجزائية للشخص الإعتباري ؟

 يذهب بعض الفقه إلى أن مسؤولية الشخص الاعتباري لا تثور إلا إذا تصرف أحد أعضائه في حدود السلطة المخولة لهم، إلا أن غالبية الفقه في فرنسا ترى من ناحية أخرى أن هذا الشرط لم يستلزمه القانون الفرنسي في نص المادة 121/2 قانون عقوبات وبالتالي لا يجوز الركون إليه.

ومن جهة أخرى فإن الأخذ بهذا الرأي السابق يؤدي من غير مبرر إلى وجود مساحة من عدم المسؤولية الجنائية للأشخاص الاعتبارية .

وقد ذهب القانون الفرنسي في هذه المسألة إلى الأمر بحل الشركة عندما تكون قد انحازت عن الغرض الذي أنشأت من أجله لتجاوز طاقمها الإداري حدود صلاحياته، إلا أن الأمر يبقى أقل وضوحا عندما يتعلق الامر بممثل الشخص الاعتباري، نظرا لصعوبة رسم حدود الاختصاص، وتحديد صفة الممثل مما يدعوا القاضي الى التريث والتدقيق عند البحث في شروط المتابعة الجزائية للشخص الإعتباري .

ب/ مسألة أجهزة الواقع أو بما يعرف بالعضو أو الممثل الفعلي:

قد يكون تعيين أحد المديرين أو دعوة الجمعية العامة أو مجلس الإدارة باطلا لسبب أو لآخر، ومع ذلك يتصرف المدير لحساب الشخص الاعتباري ، فهل يمكن إقرار مسؤولية هذا الشخص الاعتباري عن الأفعال المرتكبة من طرف الممثل الفعلي للشخص الإعتباري ؟

 يذهب غالبية الفقه إلى رفض مسؤولية الشخص الاعتباري في هذه الحالة، إذ هو في نظر البعض ضحية أكثر منه متهما.

وفي نظر البعض الآخر أنه لا يجوز قيام مسؤولية الشخص الاعتباري إلا في الحالات وبالشروط التي نص عليها القانون صراحة، وطالما أن هذا القانون لم ينص على قيام المسؤولية الجزائية في هذه الحالة فمن غير الممكن قياس الإداريين الفعليين على الإداريين القانونيين، وعلى العكس من ذلك يرى جانب من الفقه ضرورة إقرار هذا النوع من المسؤولية حتى لا يتم خلق نوع من الحصانة لصالح الأشخاص الاعتبارية التي يكون فيها مديروها القانونيين مجرد أسماء مستعارة، خاصة في حالة ما إذا كان العضو أو الممثل الفعلي يقوم بمهامه في وضع شبه رسمي، من قبل الشركاء اوالأعضاء.

جـ/ مدى مسؤولية الشخص الاعتباري الجزائية في حالة الأشخاص المتمتعون بتفويض الاختصاص أو حالة إعطاء توكيل للتصرف باسم ولحساب الشخص الاعتباري :

 تفويض الاختصاص يؤدي إلى تفويض المسؤولية، مادام الوكيل كان يتصرف بمثابة ممثل قانوني للشخص الإعتباري ، كتفويض مدير مصنع أو مدير وحدة إنتاج، لذا أفعاله تلزمه إذا توفرت كافة شروط قيام المسؤولية الجزائية، وهو ما ذهبت إليه محكمة النقض الفرنسية في قرارات عدة لها ،فقد قضت بأن الشخص الطبيعي الذي تلقى تفويض سلطات من هيئات الشخص الاعتباري يكون ممثلا له، وهو الرأي الذي نميل إلى اختياره ، ونتمنى أن يكرسه القضاء حتى يعطي لمفهوم المسؤولية الجزائية للشخص الإعتباري الفعالية عند التطبيق، على خلاف ما ذهب إليه بعض الفقه حيث استبعد مسؤولية الشخص الاعتباري عند منح تفويض على أساس أن مدير مصنع أو مدير وحدة لا يمكنه إلزام الشخص الاختياري، لأنه مجرد أجير أو تابع له .

الوجه الرابع: المسؤولية المدنية للممثل القانوني للشخص الاعتباري:

المسؤولية المدنية هي التزام الشخص الذي وقع منه الخطأ بتعويض الضرر لحق بالغير بسبب ذلك الخطأ، سواء أكان هذا الخطأ قد صدر مخالفا لالتزام عقدي او التزام قانوني.

 ولذلك فان المسؤولية المدنية تتكون من صورتين : مسئولية تقصيرية ومسؤولية عقدية ، والمسؤولية العقدية هي: ما يجب في ذمة المتعاقد لصالح غيره لجبر للضرر الذي أصاب هذا الغير من جراء مخالفة الشخص أو إخلاله بالتزاماته التي يقررها عليه العقد المبرم بينهما، والمسئولية التقصيرية وبالتالي فإن المسؤوليتين العقدية والتقصيرية هي : ما يجب في ذمة الشخص لصالح غيره لجبر للضرر الذي أصاب هذا الغير من جراء مخالفة الشخص أو إخلاله بالتزاماته التي يقررها عليه القانون، والمسئولية التقصيرية والعقدية هما صورتا المسؤولية المدنية، ويتفقا في أركانهما، فكليهما يتحققان بتحقق الاركان الثلاثة : الخطأ والضرر وعلاقة السبية التي تربط بين الخطأ والضرر، والاختلاف بينهما يكمن في منشأ الخطأ الذي يكون في المسؤولية العقدية هو خطأ تعاقدي ناشئ عن مخالفة أحكام العقد والتزاماته، بينما في المسؤولية التقصيرية يكون الخطأ متمثلاً في الفعل غير المشروع اي المخالف للقانون ، فالمسؤولية العقدية هي : ضمان الضرر الذي يترتب على وقوع إخلال من أحد أطراف العقد بالالتزامات التعاقدية التي تقع على عاتقه.) الضرر في المسؤولية العقدية. د. احمد عبد السلام ، منشور في موقع حماة الحق الالكتروني).

وبناء على ما تقدم فان الممثل القانوني للشخص الاعتباري لا يسال مدنيا بصفته الشخصية عن المخالفات التي تقع منه تنفيذا لالتزاماته القانونية بالتمثيل القانوني للشخص الاعتباري، فاذا وقعت منه المخالفات بسبب قيامه باعمال التمثيل القانوني الشخص الاعتباري فان الممثل القانوني لا يسال عن ذلك، وانما يتحمل تبعات هذه الأعمال الشخص الاعتباري الذي يتحمل المسؤولية المدنية (التعاقدية والتقصيرية) عن أفعاله وعن أفعال تابعيه، عملا بالمادة (313) من القانون المدني اليمني التي نصت على ان : (يكون المتبوع مسئولا عن الضرر الذي يحدثه تابعه بعمله غير المشروع امره به فان عمل التابع عملا غير مشروع اضر بالغير ولم يامره المتبوع كانت المسئولية على التابع وعلى المتبوع ان يحضر العامل لتعويض الضرر الذي احدثه). 

فما ورد في النص السابق يقرر القاعدة العامة في مسؤولية المتبوع عن أعمال تابعه غير المشروعة، وبناءً على هذا النص إذا ألحق الممثل القانوني (بصفته تابعاً للشخص الاعتباري أو مديراً له) ضرراً بالغير متجاوزاً حدود صلاحياته ، فإنه يُسأل مدنياً مسئولية شخصية عن تعويض الأضرار الناشئة عن ذلك.

فالمسؤولية الأصلية للتعويض تقع على عاتق الشخص الاعتباري ذاته إذا وقع الخطأ من الممثل أثناء أداء وظيفته، وفي هذه الحالة يحق للشخص الاعتباري الرجوع على الممثل القانوني إذا ثبت تعمده أو تقصيره الجسيم. 

المسؤولية الشخصية للممثل: تظهر المسؤولية المدنية المباشرة للممثل القانوني في حال خروجه عن نطاق سلطاته، أو ارتكابه لعمل غير مشروع (فعل ضار) باسم الشركة أضر بالغير. 

 بيد انه من المقرر ان الممثل القانوني للشخص الاعتباري لا يسال عن ديون الشخص الاعتباري التي تنتج من التزاماته، فلا يلتزم الممثل القانوني بدفع ديون الشركة التي يمثلها، إذ ان الدين ينصرف إلى الشركة وليس إلى الممثل القانوني لها، فلا يسأل الممثل القانوني في ذمته المالية عن دين الشركة، وبالتالي لا أثر لوفاته في ذلك الأمر إذ لا يسال كذلك ورثته في هذا الأمر.

وهو ما قضت به محكمة النقض المصرية في حكم لها بأن “إذ كان الثابت في الأوراق أن البنك المطعون ضده أقام دعواه الفرعية ابتداءً ضد مورث الطاعنين …. …. …. …. بصفته الممثل القانوني لشركة …. …. … وشركاه ( … … … ) وعن شركة ( … … … ) بطلب إلزامه بصفته الممثل القانوني للشركتين بدفع مبلغ المديونية المستحق على الشركتين استناداً إلى العقدين المبرمين بينه بصفته الممثل القانوني للشركتين وبين البنك، بما لازمه انصراف آثار محل العقد إلى الشركة دون ممثلها القانوني، إذ إن المقصود والمعنى بالخصومة هو أن تؤدى كل شركة الدين الناشئ عن العقد إلى البنك الدائن ، ولا يسأل الممثل القانوني للشركتين في ذمته المالية الخاصة عن الدينين الناتجين عن الالتزامات المترتبة عن العقدين محل الدعوى، ولا أثر لوفاته على هذه المسئولية ومداها، ويتعلق الأمر باختصام من حل محله في تمثيل الشركتين، ومن ثم فلا يجوز اختصام ورثته من بعده في هذه الخصومة طالما أن أياً منهم لم يصبح ممثلًا قانونيًا للشركة لاتحاد مسئوليته بهذا الوصف، وإذ خالف الحكم المطعون فيه هذا النظر، وقبل اختصام الطاعنين بصفاتهم ورثة الممثل القانوني للشركتين المدينتين في الدعويين الأصلية والفرعية وقضى بإلزامهم بالدين الناشئ عن العقدين سالفي البيان فيما آل إليهم من تركته، فإنه يكون قد خالف القانون وأخطأ في تطبيقه ".

الوجه الخامس: تاثير تغيير الممثل القانوني للشخص الاعتباري على قضاياه:

استقر قضاء محكمة النقض ومحاكم القضاء الادارى في مصر على: ان تغيير ممثل الشخص الاعتبارى لا تتاثر به الخصومة ولا يلزم اصدار توكيل جديد من الممثل الجديد للشخص الاعتبارى ، كما ان اشتراط بعض المحاكم انه يلزم لقيد الدعوى المقامة من أحد المحامين أن يكون بيده سند وكالة عن صاحب الشأن (بما مؤداه أنه إذا لم يكن مع المحامي سند الوكالة عن موكله، لا يتم قيد صحيفة الدعوى)، ـ لا ريب أن ذلك ينطوي على إضافة قيد على مباشرة حق التقاضي لم ينص عليه القانون، مما يجعله مخالفا لصحيح حكم القانون، ويمكن تلخيص وعرض المبادئ التي استقر عليها قضاء محكمة النقض المصرية في الشان كما ياتي :

اولا : لا يلزم اصدار توكيل جديد عند تغيير ممثل الشخص الاعتباري فقد قضت محكمة النقض المصرية بانه إذا صدر التوكيل صحيحاً ممن يمثل الشخص المعنوي وقت صدوره فإن تغيير مصدره أو زوال صفته في مرحلة لاحقة على صدوره سواء بتعيين آخر بدلاً منه أو بإحالته إلى المعاش لا يؤثرفي صحته ولا يوجب توكيل جديد ، لأنه يعتبر صادراً للوكيل من الشخص المعنوي باعتباره المقصود بالخصومة.الطعن بالنقض رقم 3103 لسنة 58 ق جلسة 16-11-1994م.

كما قضت محكمة النقض المصرية بان الشخصية المعنوية للشركة . استقلالها عن شخصية من يمثلها . اثره . استمرار الوكالة الصادرة منه قبل تغييره الطعن رقم 3281 لسنة 60 ق – جلسة 27 / 1 /1994م.

وكذا قضت قضت محكمة النقض المصرية بان : صدور التوكيل صحيحاً من النائب عن الشخص الاعتباري. زوال صفة النائب لا أثر له في صحة التوكيل. عدم لزوم إصدار توكيل لاحق من النائب الجديد-الطعن رقم 4424 لسنة 61 القضائية جلسة 15 من نوفمبر سنة 1997_أحكام النقض – المكتب الفني – مدني الجزء الثاني – السنة 48 – صـ .1245

ثانيا : لا يلزم حصول المحامي الموقع علي صحيفة الطعن علي توكيل سابق علي إيداعها، فقد قضت محكمة النقض المصرية: انه لا يلزم حصول المحامي الموقع علي صحيفة الطعن علي توكيل سابق علي إيداعها . جواز تقديمه إلي ما قبل إقفال باب المرافعة في الطعن -الطعن رقم ٣٣٧٩ لسنة ٨١ قضائية الصادر بجلسة ٢٠١٩/٠٢/٢٨

ثالثا : لا تتاثر الخصومة بتغيير ممثل الشخص الاعتباري، فقد قضت محكمة النقض المصرية بانه : متى كان للشركة شخصية إعتبارية مستقلة عن شخصية من يمثلها قانوناً ، و كانت هى المقصودة بذاتها بالخصومة فلا تتأثر بما يطرأ على شخصية هذا الممثل من تغيير، وكذا قضت محكمة النقض بانه : لما كان ذلك ، و كان الثابت بالتوكيل الذى بموجبه باشر المحامى رفع الطعن بالنقض أنه صادر من المستشار القانونى للشركة الطاعنة إستناداً إلى التوكيل الصادر له من رئيس مجلس إدارة الشركة آنذاك متضمناً تفويضه فى تمثيل الشركة أمام القضاء و الإذن له فى توكيل المحامين فى الطعن بالنقض و كان هذا التوكيل قد صدر صحيحاً ممن يمثل الشركة قانوناً وقت صدوره ، فإن تغيير رئيس مجلس الإدارة فى مرحلة لاحقة لصدور التوكيل لا ينال من شخصية الشركة ، و لا يؤثر على إستمرار الوكالة الصادرة منها و من ثم لا يوجب إصدار توكيل أخر من رئيس مجلس الإدارة الجديد للتقرير بالطعن - الطعن رقم : 1073 لسنة : 70 قضائية بتاريخ : 16-3-2003م. (التعليق على أحكام المحكمة العليا في مسائل الشركات الجزء الثاني، أ.د. عبد المؤمن شجاع الدين، مكتبة الصادق جولة جامعة صنعاء الجديدة ٢٠٢٥م، ص١٩٩)، والله اعلم.

مكتبة قانونية فاخرة تحتوي على كتب وميزان العدالة ومطرقة القاضي، ويتوسطها عنوان مقال: مسؤولية الممثل القانوني للشخص الاعتباري بقلم الأستاذ الدكتور عبدالمؤمن شجاع الدين.
تعليقات