المحامي لا ينوب عن موكله في الإستجواب

المحامي لا ينوب عن موكله في الإستجواب 

أ.د. عبدالمؤمن شجاع الدين

الأستاذ بكلية الشريعة والقانون - جامعة صنعاء

نصت المادة (176) من قانون الاثبات اليمني على أنه: (يجوز للمحكمة من تلقاء نفسها أو بناءً على طلب الخصم استجواب خصمه للإحاطة بجوانب المسائل المتنازع عليها ويكون توجيه الأسئلة للخصم عن طريق المحكمة أو من تندبه لذلك من قضاتها أو قضاة المحاكم الأخرى، ويبدأ بتوجيه الأسئلة التي ترى المحكمة أو القاضي المنتدب توجيهها ثم اسئلة الخصم، وللخصم المستجوب الإجابة فإن امتنع أثبت امتناعه في المحضر وسببه إن وجد، ولا يخل ذلك بما تستنبطه المحكمة من قرائن تفيد في إثبات أو نفي الحق المتنازع عليه).

فهذا النص صرح بان الإستجواب يكون عن طريق توجيه الاسئلة الى الخصم شخصيا وليس المحامي، فاستجواب الخصوم طريقة من طرق الإثبات العامة المقررة في قانون الإثبات اليمني في المادة (13) إلا ان الاستجواب ليس طريقة اثبات مستقلة وانما هو وسيلة للحصول على اقرار من الخصوم بشان المسائل الناقصة أو المجملة أو الغامضة أو استيفاء الأدلة الناقصة، ويتم الاستجواب عن طريق توجيه الاسئلة الخصم وتدوين تلك والاجابات عليها في محضر الجلسة ، وتتعلق هذه الاسئلة بوقائع النزاع الغامضة المتعلقة بالخصوم التي حدثت قبل رفع القضية الى المحكمة وقبل توكيل المحامي للترافع فيها، فالمعلومات والبيانات التفصيلية تكون لدى الخصوم وليس المحامي، كما ان الغرض من الاستجواب في الغالب هو الحصول على اقرار من الخصم في حين انه لا يجوز للمحامي الاقرار نيابة عن خصمه ، والاهم من هذا وذاك ان القانون قد نص صراحة على ان الاستجواب يكون للخصم وليس للمحامي ، حسبما قضى الحكم الصادر عن الدائرة التجارية بالمحكمة العليا في جلستها المنعقدة بتاريخ ١٠-١٢-٢٠١١م، وذلك في الطعن رقم (٤٦٢٠٩)، فقد ورد ضمن اسباب الحكم المشار اليه: (ومعلوم انه يقصد باستجواب الخصوم في قانون المرافعات وقانون الإثبات استجواب الخصوم بأشخاصهم او ممثليهم قانونا، ولا ينصرف ذلك الى استجواب المحامي الموكل في الخصومة)، وسيكون تعليقنا على هذا الحكم حسبما هو مبين في الاوجه الآتية:

الوجه الأول: معنى استجواب الخصوم:

الاستجواب لغة الاستنطاق، اما في الاصطلاح فيعرف الاستجواب بانه توجيه الأسئلة من القاضي الى الخصم بشان بعض المسائل الغامضة او المجملة المتعلقة بالقضية المنظورة امام القاضي والاستماع الى اجابات الخصم في جلسة المحاكمة واثبات الأسئلة والاجوبة في محضر الجلسة.

والاستجواب طريق من طرق تحقيق وقائع النزاع الغامضة او المجملة او تلك التي لم يرد بشانها دليل إثبات بالإيجاب او النفي، فالغرض من الاستجواب هو بيان وإيضاح المسائل الغامضة او المجملة او الناقصة او المتناقضة او الحصول على اقرار الخصم او نفيه للمسالة محل الاستجواب .

 فالقصد من الاستجواب الحصول على إقرار أو اعتراف الخصم أمام القضاء بواقعة قانونية مدعى بها عليه، وذلك أثناء السير فى الدعوى المتعلقة بهذه الدعوى، فالاستجواب وثيق الصلة بالإقرار، اذ غالبا ما يؤدي الاستجواب بعد مناقشة الخصم في مجلس القضاء الى اقراره بالواقعة المستجوب بشأنها واعترافه بالحق كليا او جزئيا. (قواعد الترجيح بين أدلة الإثبات المتعارضة في الدعوى المدنية ،د. حسبن رجب الزيدي ، صـ61).

 فاستجواب الخصوم طريقة من طرق الإثبات وفقاً للمادة (17) من قانون الإثبات اليمني، ولكن الاستجواب في الواقع ليس طريقة اثبات مستقلة ، فهو وسيلة للحصول على اقرار الخصم عن طريق استنطاق الخصم او استجوابه في جلسة المحكمة للحصول على اقراره. وتوضيح الجوانب الغامضة او المجملة او الناقصة.

 وقد نصت المادة (176) من قانون الاثبات اليمني على أن لجوء المحكمة إلى إستجواب الخصوم جوازي، ومع ذلك فان إستجواب الخصوم قد يكون وجوبياً عندما يحيط الغموض ببعض وقائع النزاع أو بعض ادلتها أو تكون هناك بعض التناقضات في الوقائع والادلة أو يكون فيها إجمال أو نقص أو قصور مما يؤدي إلى عدم إحاطة محكمة الموضوع بوقائع النزاع وادلته سيما اذا كانت هذه الوقائع والادلة مؤثرة في النزاع ، يترتب على فهمها تغيير وجه الرأي في القضية، فعندئذ ينبغي على المحكمة إستدعاء الخصوم او الخصم لإستجوابه وسؤاله عن الجوانب أو المسائل الغامضة أو الناقصة حتى تظهر للمحكمة الحقيقة ، فيكون حكمها عنوانا للحقيقة ، 

وقد جاء استجواب الخصوم ضمن طرق الإثبات العامة المقررة في قانون الإثبات اليمني في المادة (13) التي نصت على أن : (طرق الإثبات هي: -1- شهادة الشهود -2- الإقرار -3- الكتابة -4- اليمين وردها والنكول عنها -5- القرائن الشرعية والقضائية -6- المعاينة (النظر) -7- تقارير الخبرة -8- إستجواب الخصوم). 

الا ان الاستجواب ليس طريقة اثبات مستقلة وانما هو وسيلة للحصول على اقرار من الخصوم بشان المسائل الناقصة أو المجملة أو الغامضة أو إستيفاء الادلة الناقصة.

 فالاستجواب اداة قانونية قررها القانون لتمكين القاضي من الحصول على الايضاحات والدلائل اللازمة حتى يحيط القاضي بكافة مسائل وجوانب ووقائع القضية ، ولذلك صرح قانون الاثبات على حق القاضي باستجواب الخصوم .

الوجه الثاني: إستجواب الخصوم واجراءاته في قانون الاثبات اليمني:

يتم الاستجواب بناء على طلب من الخصم، كما يصح للمحكمة من تلقاء ذاتها ان تستجوب من يكون حاضرا من الخصوم ، كما يحق للمحكمة إستدعاء الخصوم لاستجوابهم إذا لم يكونوا حاضرين ، اذ تقوم المحكمة باستدعاء الخصوم أو الخصم إلى جلسة المحاكمة وتقوم المحكمة بتوجيه الأسئلة إلى الخصم بشأن المسائل التي ترى المحكمة ضرورة الإحاطة بها ومعرفة حقيقتها، ولهذا الغرض تقوم المحكمة بتوجيه الأسئلة إلى الخصم بحسب ما تراه المحكمة لازماً للإحاطة بالمسائل التي ترى المحكمة أنها غامضة أو مجملة أو ناقصة تحتاج إلى توضيح.

 ويحق للخصم الآخر أن يوجه الأسئلة إلى خصمه عن طريق المحكمة شريطة ان تكون هذه الأسئلة متعلقة بالجوانب الغامضة أو المتناقضة أو الناقصة أو المجملة التي جعلت المحكمة تقرر استدعاء الخصم للاستجواب.

ويشترط في الواقعة المراد الاستجواب عنها ان تكون متعلقة بالدعوى ذاتها ومنتجة فيها وجائز قبولها.

 وفي كل الأحوال يتم تدوين الأسئلة الموجهة إلى الخصوم وإجاباتهم عليها وذلك في محضر جلسة المحكمة المخصصة لاستجواب الخصوم، ثم تقوم المحكمة بتلاوة الأسئلة وإجاباتها على الخصم، وبعدها يقوم الخصم بالتوقيع على المحضر، وفي هذا المعنى نصت المادة (176) من قانون الاثبات اليمني على أنه (يجوز للمحكمة من تلقاء نفسها أو بناءً على طلب الخصم استجواب خصمه للإحاطة بجوانب المسائل المتنازع عليها ويكون توجيه الأسئلة للخصم عن طريق المحكمة أو من تندبه لذلك من قضاتها أو قضاة المحاكم الأخرى، ويبدأ بتوجيه الأسئلة التي ترى المحكمة أو القاضي المنتدب توجيهها ثم اسئلة الخصم، وللخصم المستجوب الإجابة فإن امتنع أثبت إمتناعه في المحضر وسببه إن وجد، ولا يخل ذلك بما تستنبطه المحكمة من قرائن تفيد في إثبات أو نفي الحق المتنازع عليه)، وفي السياق ذاته نصت المادة (177) إثبات يمني على أن (يحرر محضر يثبت فيه الاستجواب وتتلى على الخصم المستجوب إجاباته لإبداء ملاحظاته عليها ويوقع عليه مع رئيس المحكمة أو القاضي المنتدب والكاتب). 

ويتم الاستجواب بناء على طلب الخصم، كما أن للمحكمة من تلقاء ذاتها أن تستجوب من يكون حاضرا من الخصوم أو تطلب حضوره لاستجوابه.

فإذا لم ينازع الخصم المطلوب استجوابه فيما يوجه إليه من أسئلة أو نازع فيها وقضت المحكمة بقبول الاستجواب، يوجه رئيس المحكمة الاسئلة التى يراها إلى الخصم، ويوجه اليه أيضا ما يطلب الخصم الآخر توجيهه منها، ويكلفه بالإجابة عليها فى الجلسة ذاتها ، على أنه يحق للخصم عند استجوابه له أن يطلب مهلة للإجابة، وللمحكمة أن تجيبه، ولا يجوز الاستعانة بمذكرات أو بمحام عند الإجابة على الأسئلة.

ويجب تدوين الأسئلة والأجوبة بالتفصيل بمحضر الجلسة، وبعد تلاوتها يوقع عليها الرئيس والكاتب والمستجوب، وإذا امتنع المستجاب عن الإجابة أو التوقيع ذكر فى المحضر سبب امتناعه.

 فالاستجواب لا يوجه الا للخصوم في القضية ، اما ما عداهم فلا تسمع اقوالهم الا في صورة الشهادة او الخبرة، ولا يجوز للخصم المقرر استجوابه ان ينيب عنه في الإجابة على الاستجواب شخصا آخر، وللمحكمة، من تلقاء ذاتها او بناء على طلب الخصوم ان تستجوب من ترى موجبا لاستجوابه من أطراف الدعوى ، ولمحكمة الموضوع حق رفض طلب استجواب الخصوم على ان تبين سبب الرفض، خاصة اذا وجدت في عناصر الدعوى ما يكفي لتكوين عقيدتها . 

الوجه الثالث: الاستجواب بين الوجوب والجواز:

صرحت المادة (176) من قانون الإثبات اليمني السابق ذكرها أن إستجواب الخصوم أمر جوازي للمحكمة ، فيجوز لها أن تستجوب الخصم من تلقاء ذاتها، كما يحق لها أن تستجيب لطلب الخصم باستجواب خصمه الحاضر او إستدعاء خصمه لإستجوابه، كما يحق لها أن لا تستجب لذلك، فإستجواب الخصوم في الحالتين يخضع لتقدير محكمة الموضوع في ضوء الأدلة المقدمة أمامها ومدى وضوح وقائع النزاع أمام المحكمة من خلال أقوال الخصوم ومذكراتهم وأدلتهم المقدمة إلى المحكمة وما إذا كان هناك إجمال أو نقص أو تناقض أو قصور في وقائع النزاع وادلته ، فإذا كانت الأدلة المقدمة أو وسائل الإثبات المقدمة من الخصوم واضحة وكافية ، وكذا إذا كانت وقائع النزاع واضحة وقد استطاعت محكمة الموضوع الإحاطة التامة بجوانب النزاع وتفاصيله، ففي هذه الحالة لا تلجأ المحكمة إلى إستجواب الخصوم، لأن الاستجواب وسيلة إثبات، وقد استطاعت المحكمة الاحاطة بوقائع النزاع وادلته تفصيلا عن طريق وسائل الإثبات الأخرى التي أوضحت حقيقة النزاع وتفاصيله المختلفة ، كما ان المحكمة في هذه الحالة لا تستجيب لطلبات الخصم استجواب خصمه اذا كانت المحكمة قد احاطت تفصيلا بوقائع النزاع والادلة عن طريق وسائل الاثبات الأخرى ، لأن طلب الخصم استجواب خصمه يكون في هذه الحالة نوع من اللدد والعناد بقصد إرهاق خصمه، لانه يشترط فى الوقائع المراد توجيه الاستجواب بشأنها ما يشترط فى الوقائع المراد إثباتها، اى يجب أن تكون متعلقة بالدعوى ومنتجة فيها وجائزة الإثبات، فإذا لم تتوفر هذه الشروط قضت برفض طلب الاستجواب. فإقرار الخصم بجوهر الواقعة المراد إثباتها بالاستجواب يجعل طلب الاستجواب غير منتج.

على أنه إذا كان للمحكمة سلطة رفض طلب استجواب الخصم باعتبار أنه من الرخص المخولة لها، إلا أن ذلك مشروط بأن يكون رفضها لهذا الطلب قائما على اعتبارات سائغة لها أصلها الثابت بالأوراق، ذلك أن استجواب الخصوم طريق من طرق تحقيق الدعوى شرع لاستجلاء بعض عناصرها ووقائع المنازعة المنظورة امامها توصلا إلى معرفة وجه الحق فيها.

ويلاحظ أن للمحكمة بعد أن تقرر الاستجواب الحق فى العدول عنه .(استجواب الخصوم أمام القضاء المدني ، محمد العيسوي، ص2)

اما إذا كانت بعض مسائل النزاع غير واضحة وكانت الأدلة غير كافية أو غير واضحة او متناقضة او مجملة فانه يجب على المحكمة إستجواب الخصم أو الخصوم جميعاً للوقوف على الجوانب الغامضة في وقائع النزاع وأدلته وكذلك لمعرفة التفاصيل للعموم والإجمال الوارد في بعض الأدلة المقدمة إلى المحكمة أو لإزالة أوجه التناقض بين بعض الادلة أو الوقائع. 

فوجوب استجواب الخصوم في هذه الأحوال لا يستفاد من نص المادة (176) إثبات السابق ذكرها التي افادت الجواز وإنما يستفاد من النصوص والمبادئ والقواعد القانونية والقضائية التي توجب على محكمة الموضوع الإحاطة التامة بكافة تفاصيل وقائع النزاع وأدلة الخصوم ،حتى تتمكن المحكمة من المناقشة التفصيلية في أسباب حكمها لوقائع النزاع وأدلة الخصوم تطبيقاً لما ورد في المادة (231) مرافعات وإلا كان حكمها باطلاً.

الوجه الرابع: لا ينوب المحامي موكله في الاستجواب: 

سبق القول ان الاستجواب طريقة من طرق الاثبات ، فيتم الاستجواب عن طريق توجيه الاسئلة الخصم وتدوين الأسئلة والاجابات عليها في محضر الجلسة ، وتتعلق هذه الاسئلة بوقائع النزاع الغامضة المتعلقة بالخصوم التي حدثت قبل رفع القضية الى المحكمة وقبل توكيل المحامي للترافع فيها، فالمعلومات والبيانات التفصيلية تكون لدى الخصوم وليس لدى المحامي، كما ان الغرض من الاستجواب في الغالب هو الحصول على اقرار من الخصم ، في حين انه لا يجوز للمحامي الاقرار نيابة عن موكله ، والاهم من هذا وذاك ان القانون قد نص صراحة على ان الاستجواب يكون للخصم وليس للمحامي، فالاستجواب لا يوجه الا للخصوم في القضية ، اما ما عداهم فلا تسمع اقوالهم الا في صورة الشهادة او الخبرة، ، ولا يجوز للخصم المقرر استجوابه ان ينيب عنه في الإجابة على الاستجواب شخصا آخر .

 وصفوة القول: أن الإستجواب لا يقبل الوكالة أو الإنابة، وبناء على ذلك لا يجوز للمحكمة ان تستجوب المحامي نيابة عن موكله ، ولا يحق للخصم ان يوكل المحامي بالرد على استجواب المحكمة .

فمجال عمل المحامي يشمل تمثيل موكله والمرافعة عنه امام القضاة والدفاع عن حقه أمام الجهات القضائية، وتقديم الاستشارات القانونية، وصياغة العقود، وإعداد اللوائح، وتسوية النزاعات. (التعليق على أحكام المحكمة العليا في مسائل المحاماة، أ. د . عبد المؤمن شجاع الدين ، مكتبة الصادق جولة جامعة صنعاء الجديدة ٢٠٢٣م، صـ١٢٢)، والله اعلم.

مكتبة قانونية تضم كتباً فقهية ومطرقة قاضٍ، مع لافتة باسم مدونة الأستاذ الدكتور عبدالمؤمن شجاع الدين وعنوان المقال المحامي لا ينوب عن موكله في الاستجواب.
تعليقات