استجواب الخصوم وفقاً للمادة (١٦٦) مرافعات

استجواب الخصوم وفقاً للمادة (١٦٦) مرافعات

أ.د/ عبد المؤمن شجاع الدين

الأستاذ بكلية الشريعة والقانون – جامعة صنعاء

الأصل أن استجواب الخصوم وسيلة من وسائل الإثبات المقررة في قانون الإثبات اليمني، وتستعمل المحكمة هذه الوسيلة من تلقاء ذاتها حتى تفهم المحكمة وتحيط بجوانب النزاع الغامضة او المجملة او المتناقضة، فتوجه المحكمة اسئلتها الى الخصوم لإ يضاح نلك المسائل او الجوانب.

وقد يطلب الخصم من المحكمة استجواب خصمه للحصول على اقرار منه بشان مسالة من مسائل النزاع.

وبما انه يجب على المحكمة من تلقاء ذاتها استجواب الخصوم لمعرفة المسائل الغامضة او المجملة او الناقصة او المتناقضة، فانه يجب على القاضي من باب اولى ان يستجوب المدعي بداية لاستيفاء جوانب القصور والاجمال والغموض والتناقض في عريضة دعواه، وفي السياق ذاته يجب ايضا على القاضي استجواب المدعى عليه عن المسائل الغامضة او الناقصة او المجملة في عريضة رده على الدعوى، حتى يتمكن القاضي من الاحاطة الاولية بوقائع القضية وحتى يستطيع القاضي من الامساك بزمام ادارة الدعوى والكشف المبكر عن الكيد في الاجراءات، وحتى يستطيع القاضي الفصل في النزاع بيسر وسرعة وعدل، وقد تضمنت المادة (١٦٦) مرافعات محددات الاستجواب الاولي للمدعي والمدعى عليه التي ينبغي على القاضي اتباعها، فاذا لم تقم المحكمة الابتدائية بهذا الاستجواب فانه يجب على محكمة الاستئناف النهوض بهذا الدور لمعالجة اوجه القصور والغموض باعتبار محكمة الاستئناف محكمة موضوع يجب عليها استدراك اوجه القصور في الحكم الابتدائي، حسبما قضى الحكم الصادر عن الدائرة التجارية بالمحكمة العليا في جلستها المنعقدة بتاريخ ١٥-٦-٢٠١١م، وذلك في الطعن رقم (٤٥٢٧٣)، فقد ورد ضمن اسباب الحكم المشار اليه: (لما كان الامر كذلك وكان الملف الابتدائي وكذا الحكم الابتدائي قد خلا من الاستجواب حول هذه الجوانب فانه كان لازما على المحكمة الاستئنافية باعتبارها محكمة موضوع ان تغطي عيوب المحكمة الابتدائية في هذه الجوانب إعمالا منها للقاعدة الذهبية الواردة في المادة (١٦٦) مرافعات، وعن طريق هذا الدور الايجابي للمحكمة تستطيع محكمة الاستئناف تحديد وصف الدين محل التداعي والرد على دفاع الطاعن وفقا لصحيح القانون)، وسيكون تعليقنا على هذا الحكم حسبما هو مبين في الاوجه الاتية:

الوجه الأول: الاصل ان الاستجواب مقرر في قانون الاثبات كوسيلة إثبات: 

نظم قانون الاثبات اليمني الاستجواب كوسيلة اثبات، فقد صرح القانون ان الاستجواب من ضمن طرق الاثبات المقررة في المادة (13) اثبات التي نصت على أن: (طرق الإثبات هي: -1- شهادة الشهود -2- الإقرار -3- الكتابة -4- اليمين وردها والنكول عنها -5- القرائن الشرعية والقضائية -6- المعاينة (النظر) -7- تقارير الخبرة -8- استجواب الخصوم). 

وقد يتم الاستجواب من قبل المحكمة مباشرة من غير ان يطلب ذلك احد الخصوم، وذلك عندما تجد المحكمة ان هناك مسائل او وقائع في القضية غامضة او مجملة او متناقضة او ناقصة فتوجه المحكمة الاسئلة الى الخصم المعني بشان تلك المسائل للاجابة على الاسئلة وايضاح تلك الوقائع 

 فالمحكمة عندما تقوم بالاستجواب من تلقاء ذاتها لا تهدف الى الحصول على اقرار من خصم لصالح خصمه، لان ذلك يتعارض مع مبدأ حياد القاضي، وانما تهدف المحكمة من استجوابها للخصم هو معرفة الحقيقة حتى يكون حكمها عنوانا للحقيقة.

فيجوز للمحكمة من تلقاء ذاتها ان تستجوب من يكون حاضرا من الخصوم، كما يحق للمحكمة استدعاء الخصوم لاستجوابهم إذا لم يكونوا حاضرين، اذ تقوم المحكمة باستدعاء الخصوم أو الخصم إلى جلسة المحاكمة وتقوم المحكمة بتوجيه الأسئلة إلى الخصم بشأن المسائل التي ترى المحكمة ضرورة الإحاطة بها ومعرفة حقيقتها، ولهذا الغرض تقوم المحكمة بتوجيه الأسئلة إلى الخصم بحسب ما تراه المحكمة لازماً للإحاطة بالمسائل التي ترى المحكمة أنها غامضة أو مجملة أو ناقصة تحتاج إلى توضيح.

 وفي هذا المعنى نصت المادة (176) من قانون الاثبات اليمني على أنه: (يجوز للمحكمة من تلقاء نفسها أو بناءً على طلب الخصم استجواب خصمه للإحاطة بجوانب المسائل المتنازع عليها ويكون توجيه الأسئلة للخصم عن طريق المحكمة أو من تندبه لذلك من قضاتها أو قضاة المحاكم الأخرى، ويبدأ بتوجيه الأسئلة التي ترى المحكمة أو القاضي المنتدب توجيهها ثم اسئلة الخصم، وللخصم المستجوب الإجابة فإن امتنع أثبت امتناعه في المحضر وسببه إن وجد، ولا يخل ذلك بما تستنبطه المحكمة من قرائن تفيد في إثبات أو نفي الحق المتنازع عليه).

 وبحسب ما ورد في النص السابق فانه يحق للخصم ايضا ان يطلب من المحكمة استجواب خصمه وهدف الخصم من طلب الاستجواب هو الخصوم على اعتراف قضائي امام القضاء من خصمه بشان المسالة التي يطلب استجواب خصمه بشانها 

فالاستجواب بحسب ما ورد في النص السابق هو توجيه الأسئلة من القاضي الى الخصم بشان بعض المسائل الغامضة او المجملة المتعلقة بالقضية المنظورة امام القاضي والاستماع الى اجابات الخصم في جلسة المحاكمة واثبات الأسئلة والاجوبة في محضر الجلسة

وفي هذا السياق نصت المادة (177) إثبات يمني على أن (يحرر محضر يثبت فيه الاستجواب وتتلى على الخصم المستجوب إجاباته لإبداء ملاحظاته عليها ويوقع عليه مع رئيس المحكمة أو القاضي المنتدب والكاتب).

 ويشترط في الواقعة المراد الاستجواب عنها ان تكون متعلقة بالدعوى ذاتها ومنتجة فيها وجائز قبولها.

والاستجواب لا يوجه الا للخصوم في القضية، اما ما عداهم فلا تسمع اقوالهم الا في صورة الشهادة او الخبرة، ولا يجوز للخصم المقرر استجوابه ان ينيب عنه في الإجابة على الاستجواب شخصا آخر، وللمحكمة، من تلقاء ذاتها او بناء على طلب الخصوم ان تستجوب من ترى موجبا لاستجوابه من أطراف الدعوى، ولمحكمة الموضوع حق رفض طلب استجواب الخصوم على ان تبين سبب الرفض، خاصة اذا وجدت في عناصر الدعوى ما يكفي لتكوين عقيدتها 

 وقد نصت المادة (176) من قانون الاثبات اليمني على أن لجوء المحكمة إلى إستجواب الخصوم جوازي، ومع ذلك فان استجواب الخصوم قد يكون وجوبياً عندما يحيط الغموض ببعض وقائع النزاع أو بعض ادلتها أو تكون هناك بعض التناقضات في الوقائع والادلة أو يكون فيها إجمال أو نقص أو قصور مما يؤدي إلى عدم إحاطة محكمة الموضوع بوقائع النزاع وادلته سيما اذا كانت هذه الوقائع والادلة مؤثرة في النزاع، يترتب على فهمها تغيير وجه الرأي في القضية، فعندئذ ينبغي على المحكمة استدعاء الخصوم او الخصم لاستجوابه وسؤاله عن الجوانب أو المسائل الغامضة أو الناقصة حتى تظهر للمحكمة الحقيقة، فيكون حكمها عنوانا للحقيقة

الوجه الثاني: استجواب الخصوم بين الوجوب والجواز: 

صرحت المادة (176) من قانون الإثبات اليمني السابق ذكرها أن إستجواب الخصوم أمر جوازي للمحكمة، فيجوز لها أن تستجوب الخصم من تلقاء ذاتها، كما يحق لها أن تستجيب لطلب الخصم باستجواب خصمه الحاضر او استدعاء خصمه لإستجوابه، كما يحق لها أن لا تستجب لذلك، فاستجواب الخصوم في الحالتين يخضع لتقدير محكمة الموضوع في ضوء الأدلة المقدمة أمامها ومدى وضوح وقائع النزاع أمام المحكمة من خلال أقوال الخصوم ومذكراتهم وأدلتهم المقدمة إلى المحكمة، وما إذا كان هناك إجمال أو نقص أو تناقض أو قصور في وقائع النزاع وادلته، فإذا كانت الأدلة المقدمة أو وسائل الإثبات المقدمة من الخصوم واضحة وكافية، وكذا إذا كانت وقائع النزاع واضحة وقد استطاعت محكمة الموضوع الإحاطة التامة بجوانب النزاع وتفاصيله، ففي هذه الحالة لا تلجأ المحكمة إلى استجواب الخصوم، لأن الاستجواب وسيلة إثبات، وقد استطاعت المحكمة الاحاطة بوقائع النزاع وادلته تفصيلا عن طريق وسائل الإثبات الأخرى التي أوضحت حقيقة النزاع وتفاصيله المختلفة، كما ان المحكمة في هذه الحالة لا تستجيب لطلبات الخصم استجواب خصمه اذا كانت المحكمة قد احاطت تفصيلا بوقائع النزاع والادلة عن طريق وسائل الاثبات الأخرى، لأن طلب الخصم استجواب خصمه يكون في هذه الحالة نوع من اللدد والعناد بقصد إرهاق خصمه، لأنه يشترط فى الوقائع المراد توجيه الاستجواب بشأنها ما يشترط فى الوقائع المراد إثباتها، اى يجب أن تكون متعلقة بالدعوى ومنتجة فيها وجائزة الإثبات، فإذا لم تتوفر هذه الشروط قضت برفض طلب الاستجواب. فإقرار الخصم بجوهر الواقعة المراد إثباتها بالاستجواب يجعل طلب الاستجواب غير منتج.

على أنه إذا كان للمحكمة سلطة رفض طلب استجواب الخصم باعتبار أنه من الرخص المخولة لها، إلا أن ذلك مشروط بأن يكون رفضها لهذا الطلب قائما على اعتبارات سائغة لها أصلها الثابت بالأوراق، ذلك أن استجواب الخصوم طريق من طرق تحقيق الدعوى شرع لاستجلاء بعض عناصرها ووقائع المنازعة المنظورة امامها توصلا إلى معرفة وجه الحق فيها.

ويلاحظ أن للمحكمة بعد أن تقرر الاستجواب الحق فى العدول عنه. (استجواب الخصوم أمام القضاء المدني، محمد العيسوي، ص2)

اما إذا كانت بعض مسائل النزاع غير واضحة وكانت الأدلة غير كافية أو غير واضحة او متناقضة او مجملة فانه يجب على المحكمة استجواب الخصم أو الخصوم جميعاً للوقوف على الجوانب الغامضة في وقائع النزاع وأدلته وكذلك لمعرفة التفاصيل للعموم والإجمال الوارد في بعض الأدلة المقدمة إلى المحكمة أو لإزالة أوجه التناقض بين بعض الادلة أو الوقائع. 

فوجوب استجواب الخصوم في هذه الأحوال لا يستفاد من نص المادة (176) إثبات السابق ذكرها التي افادت الجواز، وإنما يستفاد من النصوص والمبادئ والقواعد القانونية والقضائية التي توجب على محكمة الموضوع الإحاطة التامة بكافة تفاصيل وقائع النزاع وأدلة الخصوم، حتى تتمكن المحكمة من المناقشة التفصيلية في أسباب حكمها لوقائع النزاع وأدلة الخصوم تطبيقاً لما ورد في المادة (231) مرافعات وإلا كان حكمها باطلاً.

الوجه الثالث: استجواب القاضي للخصوم وفقا للمادة (١٦٦) مرافعات: 

نصت المادة (١٦٦) من قانون المرافعات اليمني على انه: (في الجلسة المحددة لنظر الدعوى تقبل المحكمة من الخصوم المستندات التي لم يسبق لهم تقديمها مرفقة بعريضة الدعوى والجواب عنها، وتملي ما فيها على خصومهم، وإذا كانت الدعوى مستوفيه شروط صحتها يسأل القاضي المدَعى عليه الجواب عنها، ويجيب على كل وقائعها إجابة خاصة بها مبيناً صراحةً ما ينكره وما يقربه من غير إبهام، وتحدد المحكمة ما أقر به الخصم وما أنكره وتكلف المدعي إثبات ما أنكره المدَعى عليه وتسمع أدلته وشهوده).

وقد استند الى هذا النص الحكم محل تعليقنا في قضائه بوجوب الاستجواب الاولي للخصوم عند توجيه المدعي للدعوى ورد المدعى عليه عليها، فعند مقارنة القاضي بين عريضة الدعوى وعريضة الرد عليها تظهر للقاضي اوجه القصور والغموض والنقص والاجمال، وعندئذ ينبري القاضي لاستجواب الخصوم لتوضيح تلك المسائل حتى يتمكن القاضي من الاحاطة الاولية بوقائع القضية.

ومع ان النص السابق لم يتضمن مصطلح (الاستجواب)، بيد انه تضمن كلمة تدل على الاستجواب وهي كلمة (يسأل القاضي)، وقد سبق ان ذكرنا ان الاستجواب عبارة عن توجيه الاسئلة للخصوم من قبل القاضي، ولذلك اطلق الحكم محل تعليقنا على سؤال القاضي للخصوم بانه استجواب

واستجواب القاضي للخصوم وفقا للنص السابق الوارد في قانون المرافعات لا يحق للخصم طلبه وانما يقوم به القاضي من تلقاء نفسه لاستيفاء جوانب القصور والغموض والاجمال في الدعوى والرد عليها، اما الخصم فمن حقه ان يطلب تصحيح الدعوى او الرد عليها او الدفع بالجهالة وبناء على ذلك يامر القاضي بالتصحيح.

ولاشك ان الغرض من الاستجواب وفقا للمادة (١٦٦) مرافعات السابق ذكرها هو ازالة الغموض والاجمال واستيفاء اوجه القصور والنقص في الدعوى واجابتها لتحديد موضع النزاع منذ البداية

الوجه الرابع: أهمية الاستجواب المقرر في المادة (١٦٦) مرافعات: 

ذكر الحكم محل تعليقنا بان ما ورد في المادة (١٦٦) عبارة عن قاعدة ذهبية يجب على القاضي اتباعها، لأنها تمكن القاضي منذ البداية من الاحاطة بوقائع النزاع وملابساته وتحديد مواضع النزاع بين الخصوم، وفي الوقت ذاته فان تطبيق القاضي لما ورد في النص السابق يمكن القاضي من الادارة الجيدة والرشيدة والحازمة للخصومة وقطع الطريق على الخصوم المكايدين والخصوم الذين يتعمدوا اطالة اجراءات التقاضي

اضافة الى ان تطبيق القاضي للنص السابق يضبط اجراءات التقاضي ويمكن الخصوم من معرفة مراكزهم ومواقفهم القانونية في القضية وتقييمها، مما يؤدي حسم الخلاف بسرعة سواء عن طريق الصلح او الحكم.

الوجه الخامس: الاستجواب المقرر في المادة (١٦٦) مرافعات وجوبي لا جوازي 

سبق القول ان الاستجواب المقرر في قانون الاثبات جوازي وليس وجوبي، فلا يكون وجوبيا على المحكمة الا اذا كانت المسائل الغامضة او المجملة او الناقصة او المتناقضة مسائل جوهرية حسبما سبق بيانه

اما الاستجواب المقرر في المادة (١٦٦) مرافعات السابق ذكرها فانه يكون وجوبيا لان الهدف من الاستجواب هنا استيفاء اوجه القصور والنقص وتوضيح المسائل المجملة والغامضة وازالة التناقض الذي قد يقع في عريضتي الدعوى والاجابة عليها

الوجه السادس: معالجة اوجه القصور والنقص والغموض من قبل محكمة الاستئناف: 

محكمة الاستئناف محكمة موضوع يعاد طرح النزاع امامها في حدود ما فصل فيه الحكم الابتدائي وفي حدود اسباب الاستئناف، ولذلك فان يجب على محكمة الاستئناف ان تستدرك اوجه القصور والنقص في الحكم الابتدائي بما في بيان وايضاح المسائل او الوقائع المجملة او المتناقضة ...الخ. (التعليق على أحكام المحكمة العليا في مسائل الإثبات الجزء الثالث، أ. د. عبد المؤمن شجاع الدين، مكتبة الصادق جولة جامعة صنعاء 2025م، ص٢١٩)، والله اعلم.

صورة لمقال استجواب الخصوم وفقا للمادة 166 مرافعات - مدونة الأستاذ الدكتور عبدالمؤمن شجاع الدين
استجواب الخصوم وفقاً للمادة (166) من قانون المرافعات اليمني- مدونة الأستاذ الدكتور عبدالمؤمن شجاع الدين
تعليقات