استخلاص إرادة الكيد في الطعن - عبدالمؤمن شجاع الدين
أ.د. عبدالمؤمن شجاع الدين
الأستاذ بكلية الشريعة والقانون - جامعة صنعاء
نية الكيد في التقاضي او نية السوء في التقاضي امر خفي لا يعلمه إلا الله سبحانه وتعالى ، ولكن هناك علامات ومظاهر خارجية تدل عليه يستطيع القاضي من خلالها الوقوف على نية الخصم في الكيد في التقاضي ، ومن هذه المظاهر قيام الخصم بالطعن في الاجراء الذي يقوم به خصمه بناء على طلبه ، فبعد ذلك يقوم الخصم المكايد بالطعن في ذلك الاجراء ، حسبما قضى الحكم الصادر عن الدائرة التجارية بالمحكمة العليا في جلستها المنعقدة بتاريخ ٢٩-٣-٢٠١١م، وذلك في الطعن رقم (٤٣٨٦٤)، فقد ورد ضمن اسباب الحكم المشار اليه : (فقد ظهرت للدائرة ارادة الكيد من الطاعن في طعنه ، لانه قد سبق له ان دفع طلب الدائن التنفيذ على العقار المرهون، إذ ذكر الطاعن آنذاك في سياق دفعه انه كان يجب الطاعن ان يرفع دعوى بالمديونية ويطلب فيها التنفيذ على العقار المرهون ، فلما قام المطعون بتقديم تلك الدعوى وتم الحكم على الطاعن بموجب تلك الدعوى قام الطاعن باستئناف الحكم الابتدائي ، لأنه قبل الدعوى ، ثم اعاد الطاعن ذلك في نعيه على الحكم الاستئنافي حينما طعن بالنقض، ويستشف من ذلك ارادة الطاعن الكيد والمماطلة والتسويف في سداد المديونية من وراء الطعن ليس الا مما يقتضي الحكم بتعويض المطعون ضده عملا بعجز الفقرة الاخيرة من المادة (٣٠٠) مرافعات)، وسيكون تعليقنا على هذا الحكم حسبما هو مبين في الاوجه الاتية:
الوجه الأول: ماهية التقاضي الكيدي:
استعمل قانون المرافعات اليمني مصطلح الكيد في التقاضي في حين استعملت قوانين عربية أخرى مصطلحات مثل (التعسف في استعمال حق التقاضي) ومصطلح (إساءة استعمال حق التقاضي) ومصطلح (الانحراف في إجراءات التقاضي).
ولم يعرف قانون المرافعات مصطلح (الكيد في التقاضي) ، إذ ترك ذلك للفقه، وقد تعددت تعاريف الفقه للكيد في التقاضي أو إساءة استعمال حق التقاضي.
فالتقاضي الكيدي يتحقق حينما لا يهدف المتقاضي حماية حق او المطالبة به وانما الكيد والارهاق لخصمه في وقته وماله وجهده، وكذا يكون التقاضي كيدياً اذا كان الحق الذي يطلبه المتقاضي او يحميه تافهاً أو عديم الجدوى، وكذا يكون التقاضي كيدياً اذا تعمد المتقاضي إطالة اجراءات التقاضي عن طريق الدفوع والطلبات والطعون التي ليس لها اساس صحيح في القانون أو اذا قصد المتقاضي الاساءة والتشهير أو السب لخصمه أو محاميه في المرافعات، وكذا يكون التقاضي كيدياً اذا قام الخصم برفع دعواه قبل اوانها أو رفعها امام محكمة غير مختصة مكانياً أو نوعياً وهو يعرف المحكمة المختصة أو رفع دعوى سبق الحكم فيها أو التصالح والتحكيم بشأنها وغير ذلك من الامثلة والشواهد التي لا يتسع المجال لذكرها في هذا التعليق الموجز.
وقد اشار ابن فرحون في كتابه (تبصرة الحكام) الى التقاضي الكيدي فقال : (لو أدعى الصعاليك على أهل الفضل دعاوى باطلة وليس لهم من قصد الا التشهير بهم وايقافهم أمام القضاء ايلاماً وبهتاناً فلا تسمع الدعوى ويؤدب المدعي).
وقد قضت محكمة النقض المصرية بان : (حق التقاضي وان كان من الحقوق العامة التي تثبت للكافة الا انه لا يسوغ لمن يباشر هذا الحق الانحراف به عما شرع له واستعماله كيدياً ابتغاء مضارة الغير وإلا حقت مساءلته والزامه بتعويض الاضرار التي تلحق الغير بسبب اساءة استعمال هذا الحق) ، وقضت في حكم اخر بان : (حق الالتجاء الى القضاء هو من الحقوق التي تثبت للكافة فلا يكون من استعمله مسؤولاً عما ينشأ من استعماله من ضرر للغير الا اذا انحرف بهذا الحق عما وضع له واستعمله استعمالاً كيدياً ابتغاء مضارة الغير) ، وكذا قضت محكمة النقض المصرية بانه : ( لما كان حق الالتجاء الى القضاء مقيداً بوجود مصلحة جدية مشروعة فاذا تبين ان المدعي لم يقصد بها الا مضارة خصمه فانه لا يكون قد باشر حقاً مقرراً بمقتضى القانون بل يكون عمله خطأ يجيز الحكم عليه بالتعويض).
وقد قضى الحكم محل تعليقنا بان استجابة المحكمة او الخصم لطلب الخصم المكايد وقيام الخصم المكايد بعد ذلك بالطعن في الاجراء الذي قام به الخصم استجابة للخصم المعاند قضى الحكم بان ذلك مظهر يدل على ارادة الطاعن الكيد بخصمه .
الوجه الثاني: نية او ارادة الكيد في التقاضي امر خفي تدل عليه مظاهر خارجية:
ارادة او نية الكيد في التقاضي امر خفي لا يعلمه الا الله تعالى ، ولذلك نصب الفقهاء علامات خارجية للاستدلال بها على نية الخصم الكيد في التقاضي ، فهذه العلامات هي عبارة عن مظاهر تظهر في سلوك الخصم المكايد اثناء مباشرته لحقه في التقاضي،
ويمكن تلخيص بعض مظاهر التقاضي الكيدي على النحو الآتي:
أولاً: لجوء الخصم المكايد إلى القضاء مع أن الخصم الآخر ممتثل للوفاء وباذل للحق:
حيث نلاحظ انه في حالات كثيرة يقوم بعض الخصوم برفع الدعاوى أمام القضاء ليس بقصد الحصول على الحق وإنما بقصد مشاغلة خصمه أو تغريمه، فلا يكون مقصد المدعي في هذه الحالة هو الحصول على الحق وإنما يكون قصده شغلة المدعى عليه ومضارته، ومن الطرائف ان احد الأخوة المتقاسمين قام يوعظ بقية إخوانه الورثة بان تتم القسمة بينهم بالتراضي وانه مفوض لأي من اخوانه للقيام بالقسمة واضاف الأخ الواعظ: بان القسمة الجبرية بنظر المحكمة سوف تضر الورثة وتسبب لهم مشاكل مع المجاورين لأموالهم نتيجة تسليم مستنداتهم إلى المحكمة، فما كان من احد الاخوة المشاغلين بعد ان سمع الموعظة إلا أن بادر برفع دعوى قسمة جبرية أمام المحكمة لمخلف ابيه، وكان من أول طلباته الزام الورثة تسليم مستندات تركة والده إلى المحكمة!!!! وفرض الحراسة القضائية على اموال التركة ومنع اخيه الواعظ من السفر !!!!؟
ففي هذه الحالة يكون التقاضي كيدي، لان الخصم لا يقصد من رفع دعواه إلا الكيد والإضرار بخصومه مع انهم باذلون لحقه، وينطبق على هذه الحالة تعريف التقاضي الكيدي السابق ذكره.
وقد قضى الحكم محل تعليقنا بان قيام الطاعن بالطعن في الطلب الذي قدمه الخصم استجابة لطلب الخصم الطاعن المكايد دليل على ارادة الكيد.
ثانياً: رفع الدعاوى للمطالبة بحقوق تافهة القيمة:
فهناك دعاوى كثيرة تبلغ مصاريف ومخاسير الدعوى واتعاب المحاماة فيها اضعاف الشيء أو الحق المطلوب في الدعوى، وهذا المظهر موجود في اليمن بكثرة، سيما عندما تكون هناك أسباباً خفية للخلاف غير الحق المطلوب مثل الكلام الجارح او الاحقاد .
ثالثاً: تقديم دفع من غير وجه:
فغالبية الدفوع التي يقدمها الخصوم تستهدف تعطيل إجراءات نظر الدعاوى المرفوعة من الخصم الآخر بصرف النظر عما إذا كان هناك مقتضى للدفع ام لا، فبعض الخصوم يقوم بإعداد الدفع قبل ان يستلم نسخة من صحيفة الدعوى وبعضهم يقوم بإعداد الدفع قبل ان يطالع الدعوى!!! فالخصم لا يهدف اصلا من الدفع الدفاع عن الحق أو التمسك بحق فهو لا يهدف من دفعه الكيدي إلا تعطيل دعوى خصمه فحسب من غير حق او وجه.
رابعاً: التلاعب في الإعلانات:
فالهدف القانوني للإعلان هو إعلام الخصم بالمواعيد والإجراءات حتى يكون الخصم المعلن على بينة من أمره ولذلك فإن الانحراف بالإعلانات عن هذا الهدف يعد من قبيل الكيد في التقاضي، حيث نلاحظ إلى أنه في حالات كثيرة لا يتم تنفيذ الإعلان بالطريقة القانونية حيث لا يصل الإعلان إلى الشخص المقصود بالإعلان، فكثير من الخصوم تتم مفاجئتهم بالإحضار القهري او الحجز او غيره، لأنه قد سبق امر الاحضار القهري التلاعب في الإعلانين السابقين!!!.
خامساً: تعمد الخصم الغياب المتقطع اثناء سير اجراءات المحاكمة:
فيعد هذا مظهراً من مظاهر الكيد ، لأنه يترتب على ذلك إرهاق الخصم الآخر وإرهاق العدالة حيث تتم إعادة إعلانه في كل مرة يتغيب فيها وهو بالطبع يتعمد الغياب المتقطع عن حضور جلسات المحاكمة فتطول إجراءات المحكمة.
سادساً: المماطلة في تنفيذ قرارات المحكمة في اثناء المحاكمة:
فعندما تكلف المحكمة الخصوم بموافاتها ببعض المستندات أو غيرها ، فعندئذ يتعمد الخصم المماطلة في تنفيذ قرارات المحكمة فتطول الإجراءات ويضار الخصم الآخر.
سابعاً: الكيد في الطلبات العارضة:
إذ يتعمد بعض الخصوم الكيد بخصومهم عن طريق طلبات الحجز والحراسة والمنع من السفر...إلخ، حيث تتركب القضايا وتتعقد، فلا يهدف الخصم من طلبه العارض إلا إرهاق خصمه والإضرار به فعندئذ يكون الطلب كيديا.
ثامناً: الكيد في الطعون:
ففي حالات كثيرة يظهر للخصوم الحق والباطل في المرحلة الابتدائية لدى محكمة أول درجة حيث يتصالح بعض الخصوم قبل الحكم عندما يظهر لهم الحق، وفي حالات أخرى يظهر الحق والباطل بصدور الحكم الابتدائي فيقنع بعض الخصوم بما قضى به الحكم الابتدائي ، غير أن بعض الخصوم يقوم بالطعن في الحكم بالاستئناف أو النقض وهو يعلم علم اليقين ان الطعن غير مجد إلا أنه يفعل ذلك بقصد الإضرار وإطالة اجراءات التقاضي حتى لايصل الخصم الى حقه الا بعد زمن بعيد وجهد جهيد ، وقد اشار الحكم محل تعليقنا لهذا المظهر من مظاهر التقاضي الكيدي.
تاسعاً: رفع الخصم الدعوى قبل اوانها:
مثل رفع دعوى الدين قبل حلول اجله، من اجل تشكيك في القدرة المالية للخصم المدين ، او رفع الدعوى قبل القيام بتكليف المدعى عليه بالوفاء .
عاشراً: رفع الخصم لدعواه امام محكمة غير مختصة مكانياً أو نوعياً وهو يعرف المحكمة المختصة، بقصد التشهير بالخصم وتكبيده مخاسير إضافية.
حادي عشر : رفع الخصم دعوى سبق الحكم فيها بحكم قضائي او بحكم تحكيم أو سبق التصالح بشأنها.
ثاني عشر: قصد الاساءة والتشهير بالخصم او محاميه:
فقد ذكرنا في الوجه الاول ان من تعاريف التقاضي الكيدي الاساءة او التشهير بالخصم او محاميه ، وبناء على ذلك فاذا قصد الخصم الاساءة والتشهير أو السب لخصمه أو محاميه في مرافعاته الكتابية والشفهية ، فإن ذلك من قبيل التقاضي الكيدي، لان الخصم في هذه الحالة يترك موضوع الدعوى وادلتها واوجه الدفاع فيها وبدلا من ذلك يتعمد سب خصمه او الاساءة اليه او التشهير به او محاميه، وللأسف الشديد فان هذه الصورة قد صارت ظاهرة بعاني منها القضاء اليمني، وتتسبب هذه الظاهرة في توليد الاحقاد والضغائن بين الخصوم مما يتسبب في اطالة اجراءات التقاضي.
ثالث عشر: رفع الخصم للدعوى من غير ان يكون له حق لدى المدعى عليه:
فإذا كان من المسلم به ان التقاضي يكون كيديا اذا كان الحق الذي يطالب به المدعي تافها، فانه من باب اولى تكون الدعوى كيدية اذا لم يكن للمدعي حق .
رابع عشر: ارهاق الخصم في وقته وماله وجهده:
فالغرض من التقاضي هو المطالبة بالحقوق او الدفاع عنها وحمايتها، فاذا خرج الخصم عن هذا النطاق واتجه الى ارهاق خصمه في وقته وجهده وماله ، فان ذلك من ابرز مظاهر التقاضي الكيدي. (إجراءات التقاضي الكيدي وطرق مواجهتها، د علي عوض حسن ، ص153).
الوجه الثالث: الموقف المتخاذل لقانون المرافعات اليمني في مواجهة التقاضي الكيدي:
من المؤكد ان موقف قانون المرافعات اليمني كان في غاية من التخاذل في مواجهة التقاضي الكيدي بل ان موقفه كان مشجعا لظاهرة التقاضي الكيدي، وإلا كيف نفسر موقفه من تبادل عبارات الاساءة والسب والتشهير بين الخصوم في مرافعاتهم امام القضاء حينما اكتفى بحذف عبارات السب مع توجيه التحية والاحترام للخصم قليل الادب بدلا من زجره ومعاقبته.
ومع ان ظاهرة التقاضي الكيدي سائدة في اليمن ضمن منظومة ثقافة المغالطة والشطارة والفهلوة التي يتباهى بها الخصوم ومحاميهم الا ان موقف قانون المرافعات اليمني كان سلبيا حيث اكتفى قانون المرافعات بتقديم الموعظة الحسنة والامنية الطيبة في المادة (18) التي نصت على ان : (ممارسة حق التقاضي تقوم على حسن النية) إضافة إلى أن قانون المرافعات أجاز للقاضي ان يحكم بالغرامة والتعويض على الخصم اذا كانت دعواه او دفعه كيديا، إذ نصت المادة (170) مرافعات على أنه: (يجوز للمحكمة ان تحكم للخصم بناء على طلبه بغرامة!!!! على خصمه عن كل دعوى او دفاع يقصد به الكيد، كما يجوز لها دون طلب ان تحكم على ذات الخصم لذات الأسباب بغرامة مناسبة للخزانة العامة وان تبين اسباب ذلك في حكمها).
وعيب هذا النص ظاهر - كيف غرامة تسلم للخصم؟ في حين انه من المعلوم ان الغرامة عقوبة وليس تعويضا، ولذلك فإن كثيرا من القضاة يحكم بغرامة رمزية للخصم، لان الغرامة لا يشترط ان تكون مساوية للضرر الذي لحق بالخصم، في حين ان التعويض يشترط فيه ان يكون مناسبا للضرر ومساويا له، ولذلك فأننا نوصي بتعديل هذا النص.
وكذا قصر القانون حق المطالبة بالتعويض على الموكل الذي يطالب محاميه بتعويضه اذا كان محاميه قد تعمد القيام باجراءات غير صحيحة حيث نصت المادة (260) مرافعات على انه : (للموكل حق طلب الحكم بالتعويض على المحامي الذي تعمد مباشرة اجراءات غير صحيحة حكم ببطلانها)، وعلاوة على ذلك فقد نصت المادة (300) مرافعات على أنه يجوز للمحكمة العليا اذا تبين لها ارادة الكيد من الطاعن في الطعن بالنقض ان تحكم على الطاعن بالغرامة للخزينة العامة والتعويض للمطعون ضده، وهذا النص افضل من حيث صياغته من المادة (170) السابق ذكرها، الا ان العادة قد جرت في القضاء اليمني على ان يكون التعويض المحكوم به في هذه الحالة يكون رمزيا مثل مصاريف الدعوى ، مثل الحكم بعشرين الف ريالا يمنيا . (التعليق على أحكام المحكمة العليا في مسائل التعويض ، أ.د. عبد المؤمن شجاع الدين، مكتبة الصادق جولة جامعة صنعاء الجديدة ٢٠٢٥م، ص٢٠٨)، والله اعلم.