حجية مذكرة التفاهم السابقة للعقد النهائي

حجية مذكرة التفاهم السابقة للعقد النهائي

أ.د. عبدالمؤمن شجاع الدين

الأستاذ بكلية الشريعة والقانون - جامعة صنعاء

من المعتاد في اليمن أن يسبق أي عقد مساومات ومفاوضات وتفاهمات أولية تمهيداً  لإبرام العقد النهائي الذي ينعقد بالإيجاب والقبول، وقد تستغرق هذه التفاهمات وقتاً يسيراً وبعد ذلك يتم إبرام العقد النهائي وتحرير عقد والتوقيع عليه ففي هذه الحالة لا تتم كتابة مذكرة التفاهم السابقة.

بيد أنه في بعض الحالات تستغرق عملية التفاهم بين الاطراف وقتا طويلا بسبب طبيعة التزامات العقد المزمع توقيعه في المستقبل او بحسب ظروف الاطراف ومدى جاهزيتهم للوفاء بالتزاماتهم قبل إبرام العقد والتوقيع عليه ، ففي هذه الأحوال يقوم اطراف العقد بتحرير مذكرة تفاهم تتضمن الاجراءات والأعمال التي ينبغي عليهم القيام بها توطئة لإ برام العقد النهائي بالتلفظ بالإيجاب والقبول والتوقيع على نسخ العقد النهائي.

ومع ان مذكرة التفاهم السابقة للعقد النهائي غير ملزمة الا انها قد تصير ملزمة اذا كانت صياغة بنود مذكرة التفاهم تفيد الالزام كوجوب تسليم البائع لبعض المبيع او توريد بعض البضاعة المبيعة او قيام المشتري بتوريد بعض الثمن، حسبما قضى الحكم الصادر عن الدائرة التجارية بالمحكمة العليا في جلستها المنعقدة بتاريخ ١٩-٢-٢٠١١م، وذلك في الطعن رقم (٤٣٠٩١)، فقد ورد ضمن اسباب الحكم المشار إليه: (فالثابت ان مذكرة التفاهم بين الطرفين قد تم التوقيع عليها بتاريخ.... بشان بيع المحلين التجاريين بمبلغ ......دولارا ، على ان يقوم المشتري بدفع المبلغ خلال مدة ...... ، غير ان المشتري لم يدفع الا مبلغ ..... ولم يدفع باقي المبلغ، ولذلك فان البائع يستحق بقية الثمن الذي سبق الاتفاق عليه مع استحقاقه للتعويض الذي حدده الحكم الاستئنافي)، وسيكون تعليقنا على هذا الحكم حسبما هو مبين في الاوجه الاتية :

الوجه الأول: ماهية مذكرة التفاهم:

مذكرة التفاهم هي وثيقة تتضمن اتفاقاً بين طرفين أو عدة أطراف، تتضمن الترتيبات التي ينبغي على اطراف العقد القيام بها قبل ابرام العقد النهائي والتوقيع عليه، وفي بعض الأحوال قد تتضمن مذكرة مجرد نية بإبرام عقد في المستقبل وفي هذه الحالة فان مذكرة التفاهم تكون من قبيل ميثاق شرف فلا تكون ملزمة لأطرافها من الناحية القانونية، بيد انه اذا تضمنت صياغة مذكرة التفاهم على وجوب القيام ببعض الالتزامات قبل التوقيع العقد فان مذكرة التفاهم تصير ملزمة حكمها حكم العقد، مثل النص على قيام البائع بتوريد البضاعة على دفعات اوقيام المشتري بدفع الثمن على اقساط او قيام البائع باخلاء العين من المستأجر لبيعها الى المشتري او قيام البائع بتسجيل وثائق ملكيته للعقار حتى يتم بيعه للمشتري او الزام المشتري ببيع عقاره حتى يشتري بثمنه عقار البائع في المستقبل.

فمذكرة التفاهم وثيقة مكتوبة تتضمن اتفاقًا مبدئيًا بين طرفين أو أكثر بشأن موضوع معين، دون أن تصل إلى مستوى العقد الملزم، إلا إذا نصت صراحة على ذلك، وتعد مذكرة التفاهم بمثابة خارطة طريق تحدد الخطوط العامة للنوايا المشتركة، فتعد اتفاقًا مبدئيًّا،لانها تتضمن إطار التفاهم المطلوب بشكل عام قابل للتعديل لاحقًا .

فمذكرة التفاهم وثيقة تعبر عن نوايا الأطراف للعمل معاً في المستقبل، دون أن تكون ملزمة قانونياً في معظم الحالات الا اذا تضمنت التزامات يفهم من صيغتها انها تفيد الوجوب على اطرافها .

 ومن خصائص مذكرة التفاهم انها في الغالب غير ملزمة قانونيًا الا اذا تضمنت التزامات واجبة على اطرافها، فالغالب ان مذكرة التفاهم تُستخدم لبيان النوايا اي بيان نوايا اطرافها عن التعاقد في المستقبل وفق شروط معينة ، ولذلك يطلق عليها البعض خطاب النوايا.

فمذكرة التفاهم ( MOU) هي اتفاق يتم ابرامه بين طرفين أو أكثر، يُعبّر عن إرادتهما المشتركة في تنظيم علاقة تعاون أو تفاوض، ويُجسد التفاهم المتبادل بينهما بشأن موضوع محدد، مع بيان النوايا والتطلعات والمسؤوليات الأولية لكل طرف، وذلك في إطار تمهيدي سابق على إبرام العقد الملزم قانونًا.

وتُعد مذكرة التفاهم من الآليات التمهيدية للتعاقد، التي يلجأ إليها أطراف العلاقة القانونية في مراحل ما قبل التعاقد النهائي، حين لا تزال الالتزامات المتبادلة غير محددة المعالم، أو حين يسعى كل طرف إلى استجلاء ما قد يترتب على العقد النهائي من التزامات ومسؤوليات مستقبلية، أو عندما تكون الخدمات أو المقابل محل التعاقد غير واضحة.

كما تمثل المذكرة أداة توثيقية تهدف إلى تثبيت النقاط الجوهرية محل التفاهم بين الأطراف، لتكون مرجعًا يُستند إليه عند استكمال المفاوضات أو في حال نشوء منازعة بشان ما تم الاتفاق عليه مبدئيًا.

ومن خصائص مذكرة التفاهم الآتي:

أولاً: الطابع التمهيدي:

فهي تسبق عادة إبرام العقد.

ثانياً: غياب الالتزام الكامل: 

فهي تحتوي على بنود غير ملزمة إلا إذا تم النص على العكس، مثلما قضى الجكم محل تعليقنا.

ثالثاً: المرونة:

فتسمح المذكرة للأطراف بتعديلها بسهولة قبل الوصول إلى عقد نهائي

رابعاً: الطابع الكتابي:

لضمان وضوح النوايا وتوثيقها.

ولا ريب أن هناك فروق بين مذكرة التفاهم والعقد من اهمها ما يأتي:

أولاً: العقد يتضمن أركانًا إلزامية (صيغة، وعاقدان و محل)، أما مذكرة التفاهم فقد تفتقر إلى بعضها.

ثانياً: العقد يرتب التزامات قانونية قابلة للتنفيذ قضائيًا، بينما المذكرة قد لا تكون قابلة للتنفيذ إلا إذا تمت صياغتها بلغة إلزامية.

الوجه الثاني: الطبيعة القانونية لمذكرة التفاهم:

تختلف مذكرة التفاهم عن العقد الملزم في جوهرها، إذ انها لا تُنشئ – كأصل عام – التزامات قانونية مُلزمة على عاتق أطرافها، ولا يترتب على إخلال أحدهم بها جزاء قانوني مباشر، ما لم تتضمن نصًا صريحًا بإنشـاء التزام محدد. ومن ثمّ، لا يجوز إجبار أي طرف على إبرام العقد النهائي لمجرد توقيعه على مذكرة التفاهم، وإن كان يُمكن – في بعض الحالات – الاستناد إليها أمام القضاء لإثبات بعض الوقائع التمهيدية.

وكثيرًا ما تُستخدم مذكرات التفاهم للتعبير عن نوايا الدول او الهيئات في التعاون فيما بينها في المستقبل ، وكذلك تستخدم بين الافراد في الأنشطة ذات الطبيعة التكنولوجية أو الإلكترونية، حيث تتسم المعاملات فيها بعدم وضوح كامل لالتزامات الأطراف أو لطبيعة الخدمات المقدمة، أو حين يغيب عنصر الثقة الكاملة بين المتعاملين، فيُراد من المذكرة أن تُحدد الإطار العام للتعاون قبل الانتقال إلى مرحلة التعاقد الملزم.

وكذلك تختلف مذكرة التفاهم عن الوعد بالتعاقد، إذ إن الأخير يرتب التزامًا قانونيًا على عاتق أطرافه بإبرام العقد في المستقبل، بينما تبقى مذكرة التفاهم في حدودها الطبيعية تعبيرًا عن نية وتفاهم غير ملزم. وغالبًا ما تكون مدة مذكرة التفاهم محددة، تتراوح في العادة ما بين ثلاثة أشهر وسنة واحدة، وفقًا لمدى تعقيد الموضوع محل التفاهم.

ومع ان مذكرة التفاهم ليست وثيقة إلزامية من حيث التنفيذ، وإنما وثيقة تنظيمية وتعبيرية، تعبّر عن نية الأطراف في التعاون، وتضع الخطوط العريضة للمشروع أو العلاقة المستقبلية، لكن الخطر يكمن هنا بالضبط.

لان كثير من الناس يظنوا أن مذكرة التفاهم ورقة ودّية لا أثر قانوني لها، فيكتبونها بلا عناية، ويوقعونها بلا مراجعة، غير أن الصياغة قد تجعل مذكرة التفاهم في الواقع عقدًا مُلزِمًا دون قصد.

فإذا وقعت شركتان مذكرة تفاهم تنص على التزام الطرفين بإبرام عقد توريد خلال 30 يومًا، وتحديد الأسعار والالتزامات الجوهرية عند توقيع مذكرة التفاهم، ففي هذه الحالة، تكون مذكرة التفاهم بمثابة عقد مبدئي ، ولكن إذا نصت المذكرة على أن الأطراف يبدون رغبتهم في التعاون مستقبلًا وفقًا لشروط يتم التفاوض بشانها لاحقًا، فهي إذًا مجرد تعبير عن النية وليس التزامًا قانونيًا.

فالفرق بين العبارتين ليس لغويًا فقط، بل جوهري في التكييف القانوني، كلمة واحدة قد تنقل مذكرة التفاهم من ضفة “النية” إلى ضفة “الالتزام” ، وقد اوضح الحكم محل تعليقنا هذه المسالة تفصيلا حيث اعتبر مذكرة التفاهم عقدا ملزما بالنظر الى صيغة بنود مذكرة التفاهم.

فمذكرة التفاهم (Memorandum of Understanding – MOU) هي وثيقة مكتوبة تنظم المبادئ الأساسية للتعاون بين طرفين أو أكثر، وتُستخدم كمرحلة تمهيدية قبل الدخول في مفاوضات تفصيلية وإبرام عقد نهائي. اذ تُعد مذكرة التفاهم (MOU) واحدة من أكثر الأدوات استخدامًا في الحياة العملية والتجارية، خصوصًا عندما تسعى الأطراف المختلفة إلى تحديد إطار للتعاون قبل الدخول في اتفاقات ملزمة. فهي أداة تمهيدية تساعد على رسم الخطوط العريضة للعلاقة المستقبلية وتوضيح نوايا الأطراف.

الوجه الثالث: تحول مذكرة التفاهم إلى عقد ملزم:

يختلف طابع الالزام في مذكرة التفاهم بحسب صياغة بنود المذكرة وبيان ذلك كما يأتي: 

أولاً: مذكرات تفاهم غير ملزمة:

فيقتصر دورها على تنظيم النوايا المستقبلية دون إلزام قانوني، مثل: مذكرة تفاهم بين شركتين لاستكشاف فرص تعاون تجاري دون التزام بالصفقة.

ثانياً: مذكرات تفاهم ملزمة جزئياً:

عندما تتضمن بعض البنود الملزمة مثل: السرية، عدم المنافسة، تقاسم التكاليف المبدئية ، مثل: مذكرة تفاهم في مشروع استثماري تنص على التزام الأطراف بتحمل نفقات دراسات الجدوى بشكل مشترك. ثالثا : مذكرات تفاهم ملزمة بالكامل : عندما تحتوي على جميع عناصر العقد ( الصيغة والأطراف والمحل، المقابل، الرضا).

ففي هذه الحالة تتحول مذكرة التفاهم تلقائيًا إلى عقد ملزم ولو سُميت “مذكرة تفاهم”، وكي تتحول مذكرة التفاهم إلى عقد واجب التنفيذ أمام القضاء، يجب أن تتوافر فيها الشروط التالية:

1- وجود نية صريحة في الإلزام : اي النص في المذكرة بوضوح على أن الأطراف “ملتزمون قانونيًا” بما ورد فيها، ويظهر ذلك من استخدام عبارات في المذكرة مثل: “اتفق الطرفان على…” بدلاً من “ينوي الطرفان…”.

2- توافر أركان العقد : وهي الصيغة والعاقدان والمحل ، وتحقق الرضا وهو: توافق إرادتين خاليتين من العيوب ، ويشترط أن يكون محل الاتفاق مشروعًا وممكنًا ، كما يشترط أن يكون السبب مشروعًا غير مخالف للنظام العام، وتوفرالشكل القانوني للعقد اذا كان القانون يشترط شكلاً معينًا للعقد (مثلاً: كتابة العقود العقارية)، وتضمين المكرة تحديد المقابل أو الالتزامات المتبادلة بين الطرفين ،فلا بد أن تتضمن المذكرة التزامات واضحة مثل: دفع مبلغ، تقديم خدمة، تسليم بضاعة، وكذا ينبغي ان تكون صياغة مذكرة التفاهم دقيقة، كي يتم اعتبارها عقدًا ملزمًا، وينبغي ايضا توقيع الأطراف على المذكرة ، لان التوقيع من أهم عناصر القوة القانونية. (التعليق على أحكام المحكمة العليا في مسائل عقد البيع ، أ.د. عبد المؤمن شجاع الدين، مكتبة الصادق جولة جامعة صنعاء الجديدة م٢٠٢٥م، ص٣٦١).

الوجه الرابع: مذكرة التفاهم في الفقه الإسلامي: 

يذهب جماعة من الفقهاء الا انه لا حرج على المتعاملين في إبرام "مذكرة تفاهم" عامة على إنشاء عقود تمويل في المستقبل، سواء اتفقا على مبالغ التمويل، أو مدته الزمنية، أو غير ذلك من الشروط، وتعتبر هذه "التفاهمات" من باب المواعدة بين الطرفين، ولا تأخذ صيغة العقود ولوازمها.

وقد أقر مثل ذلك المجلس الشرعي لهيئة المحاسبة والمراجعة للمؤسسات المالية الإسلامية، انظر: المعيار الشرعي رقم (13) في البند (3 /1).

ولا تعتبر هذه "المذكرات التفاهمية" ملزمة إلا عند توقيع عقد التمويل الفعلي بين المتعاملين، فتكون حينئذ الشروط التي تم الاتفاق عليها جزءاً من عقد التمويل، إلا إن تم الاتفاق على تعديل بعض الشروط، مع التنبه إلى أن لكل عقد شروطه وأحكامه الشرعية الخاصة التي تحدد صحة العقد أو عدمه. (النظرية العامة للمصرفية الإسلامية ، أ.د. عبد المؤمن شجاع الدين، مكتبة الصادق جولة جامعة صنعاء الجديدة ٢٠١٦م، ص٤٥١)، والله اعلم.

شعار مدونة الأستاذ الدكتور عبدالمؤمن شجاع الدين مع عنوان مقال حجية مذكرة التفاهم السابقة للعقد النهائي بجانب ميزان العدالة ومطرقة القاضي
مدونة الأستاذ الدكتور عبدالمؤمن شجاع الدين - حجية مذكرة التفاهم.
تعليقات