الاستدلال بمستندات صادرة من الغير لا يوجب ادخاله
أ. د. عبد المؤمن شجاع الدين، الأستاذ بكلية الشريعة والقانون - جامعة صنعاء
استدلال الخصم اثناء النزاع بمستندات صادرة من الغير لا يستدعي ادخاله في الخصومة طالما انه ليس طرفا في النزاع ولن يكون الحكم الصادر في النزاع حجة له او عليه، وطالما ان حقوقه ومصالحه لن تتضرر من الحكم في الخصومة القائمة، حسبما قضى الحكم الصادر عن الدائرة التجارية بالمحكمة العليا في جلستها المنعقدة بتاريخ ٩-٥-٢٠١١م، وذلك في الطعن رقم (٤٤٩٨٤)، فقد ورد ضمن اسباب الحكم المشار اليه: (وحيث ان الطاعن قد عجز عن دحض المستندات الصادرة من شركة.... التي استدل بها المطعون ضده، فقد ثبت صحة ما ذكره المطعون ضده، اما طلب الطاعن من الشعبة ادخال الشركة التي صدرت عنها تلك المستندات فانه لا يجوز لأنها ليست طرفا في النزاع، كما ان الادخال الهجومي لا يجوز في مرحلة الاستئناف)، وسيكون تعليقنا على هذا الحكم حسبما هو مبين في الاوجه الاتية:
الوجه الأول: ادخال الغير في الخصومة في القانون اليمني:
الإدخال في قانون المرافعات قد يكون وجوبيا من قبل المحكمة، وقد يكون بناء على طلب من قبل المدعي، وبيان ذلك كما يا تي:
أولاً: الادخال الوجوبي من قبل المحكمة:
صرح قانون المرافعات اليمني في الفصل الخاص بالإدخال في الخصومة بحق الخصم في التدخل في الخصومة، وكذا صرح بالإدخال الوجوبي الذي تقوم به المحكمة من تلقاء ذاتها حسبما هو مقرر في المادة (190) مرافعات التي نصت على أنه: (للمحكمة ولو من تلقاء نفسها أن تأمر بإدخال من ترى إدخاله لمصلحة العدالة أو لإظهار حقيقة، ومن ذلك: -1- من كان خصماً في الدعوى في مرحلة سابقة. -2- من تربطه بأحد الخصوم رابطة تضامن أو التزام لا يقبل التجزئة. -3- الوارث مع المدعي أو المدعى عليه أو الشريك على الشيوع إذا كانت الدعوى متعلقة بالتركة قبل قسمتها أو بعدها أو بالشيوع. -4- شركة التأمين المسئولة عن الحق المدعى به إذا كان مصرحاً بها. -5- من يحتمل أن يلحق به ضرر من قيام الدعوى أو من الحكم فيها إذا ظهرت للمحكمة دلائل جدّية على التواطؤ أو الغش أو التقصير من جانب الخصوم وتعيّن المحكمة ميعاداً للخصوم لا يجاوز ثلاثة أسابيع).
ومن خلال استقراء النص السابق تظهر النتائج الاتية:
أ- لم يتضمن النص حالة استدلال احد الخصوم بمستندات صادرة من غير اطراف الخصومة القائمة
ب- حالات الإدخال الوجوبي المذكورة في النص السابق مذكورة على سبيل المثال وليس الحصر، ومن المعروف ان الاشياء الواجبة يجب ان تكون محددة ومحصورة حتى يقوم المكلف بأدائها كما حددها ووصفها القانون، فلا يخضع الواجب للسلطة التقديرية للقاضي، إضافة الى ان فكرة الإدخال الوجوبي تعني ان الإدخال في هذه الحالة من اختصاص المحكمة من غير حاجة الى طلب من الخصوم.
ت- يجب على المحكمة إدخال الشخص او الجهة التي صدرت منها المستندات التي استدل بها احد الخصوم اذا كانت هذه الجهة تتضرر من رفع هذه الدعوى او من المتوقع ان الحكم الصادر في الخصومة سوف يكون حجة للجهة التي اصدرت المستندات او حجة عليها، فإذا ظهرت للمحكمة دلائل جدّية على التواطؤ أو الغش أو التقصير من جانب الخصوم المتنازعين للأضرار بالغير الذي صدرت منه المستندات التي تم الاستدلال بها فان المحكمة تقرر ادخال الجهة المصدرة للمستندات.
ثانياً: الإدخال في الخصومة من قبل المدعي:
قصر قانون المرافعات اليمني الإدخال في الخصومة على المدعي فقط الذي يحق له مطالبة المحكمة بإدخال الضامن على المدين المدعى، وفي هذا المعنى نصت المادة (193) مرافعات على أنه: (يجب على المحكمة إجابة طلب الخصم بتأجيل الدعوى لإدخال ضامن فيها إذا كان قد كلف بالحضور خلال ثمانية أيام من تاريخ إعلانه بالدعوى أو قيام السبب الموجب للضمان أو كانت الثمانية الأيام المذكورة لم تنقض وفيما عدا ذلك يكون للمحكمة التأجيل لإدخال ضامن).
ويظهر من مطالعة هذا النص النتائج الاتية:
أ- قصر النص حق الخصم في الإدخال على إدخال الضامن، كما قصر النص حق الإدخال على المدعي فقط، فضلا عن أن حق المدعي في هذه الحالة يقتصر على طلب تأجيل الجلسة، حتى أن النص غير صريح في حق المدعي في طلب إدخال الضامن.
ب- بموجب النص السابق لا يحق للخصم ان يطلب إدخال من صدرت منه المستندات التي استدل بها احد الخصوم، ولذلك قضى الحكم محل تعليقنا برفض طلب الطاعن ادخال الشركة التي صدرت عنها الشركة المستندات التي استدل بها المطعون ضده.
الوجه الثاني: متى يستدعي الاستدلال بالمستندات الصادرة من الغير ادخاله:
ضمن الادخال الوجوبي الذي تباشره المحكمة من تلقاء ذاتها من غير طلب اشرنا الى ان يجب على المحكمة إدخال الشخص او الجهة التي صدرت منها المستندات التي استدل بها أحد الخصوم وذلك في الحالات الاتية:
الحالة الأولى: اذا كان مجرد رفع الدعوى يلحق الضرر بالجهة التي اصدرت المستندات او كان من المتوقع ان الحكم الصادر في الخصومة سوف يكون حجة للجهة التي اصدرت تلك المستندات، لأنه اذا حكم القاضي لصالح الجهة المصدرة او عليها فانه حكمه باطلا، لأنه قد حكم لمن لم يكن طرفا او عليه، اضافة الى انه عندما يكون الحق المتنازع عليه مرتبطاً بأشخاص آخرين، فإن إدخالهم في الخصومة يضمن صدور حكم واحد يكون حجة على جميع المعنيين بالحق، مما يحقق استقرار المراكز القانونية ويضمن عدم صدور احكام متناقضة في اوقات مختلفة او من محاكم مختلفة، فضلا عن ان الادخال في هذا الحالة يحقق مبدا الاقتصاد في إجراءات التقاضي.
الحالة الثانية: إدخال المحكمة للجهة التي اصدرت المستندات التي استدل بها احد الخصوم وذلك لتحقيق العدالة: فيجب على المحكمة ادخال الشخص الذي صدرت منه المحررات إذا كان من المحتمل أن يلحق به ضرر من قيام الدعوى أو من الحكم فيها إذا ظهرت للمحكمة دلائل جدّية على التواطؤ أو الغش أو التقصير من جانب الخصوم المتنازعين، فعندما يظهر للمحكمة أن الفصل في النزاع بين (المدعي) و (المدعى عليه) قد يمس حقوق الجهة التي اصدرت المستندات وهي غير ممثلة في الخصومة فان المحكمة تقوم بإدخال تلك الجهة لضمان عدم الإضرار بمصالحها وتمكينها من حق الدفاع في الخصومة.
الحالة الثالثة: اظهار الحقيقة: فعندما يظهر للمحكمة ان المستندات التي استدل بها أحد الخصوم تحتاج الى ايضاح وشرح وتفسير من الجهة التي اصدرتها او اذا ظهر للمحكمة ان هناك مستندات اخرى مكملة او متصلة لازالت لدى الجهة التي اصدرتها، فاذا ظهر للمحكمة بعد تقديم الإيضاحات او تقديم المستندات المكملة او المتصلة مساس تلك المستندات بحقوق ومصالح الجهة التي اصدرت المستندات فان المحكمة تقرر ادخاله.
الوجه الثالث: ادخال الغير لتقديم مستندات تحت يده:
لم ينص قانون المرافعات اليمني في المادتين (١٩٠و١٩٣) السابق ذكرهما على إدخال الغير لإلزامه بتقديم ورقة أو سند موجود تحت يده، ومع ان قانون المرافعات لم ينص على هذه الحالة الا انه تم النص عليها في قانون الاثبات اليمني فقد نصت المادة(119) من قانون الاثبات على انه: (يجوز للمحكمة أثناء سير الدعوى و لو أمام محكمة الاستئناف أن تأذن في إدخال الغير لإلزامه بتقديم محرر تحت يده مع مراعاة الأحوال والأحكام والأوضاع المنصوص عليها في المواد السابقة).
وهذه الاحوال والاحكام والاوضاع المشار اليها في هذا النص هي احكام الزام الخصم بتقديم مستندات موجودة لديه، والادخال في هذه الحالة يجوز ولو امام محكمة الاستئناف.
في حين نصت المادة (120) من القانون ذاته على انه: (-١- كل من حاز شيئا أو أحرزه يلتزم بعرضه على من يدعي حقا متعلقا به متى كان فحص الشيء ضروريا للبت في الحق المدعى به من حيث وجوده ومداه، فإذا كان الآمر متعلقا بسندات أو أوراق أخرى فللقاضي أن يأمر بعرضها على ذي الشأن وبتقديمها عند الحاجة إلى القضاء ولو كان ذلك لمصلحة شخص لا يريد إلا أن يستند إليها في إثبات حق له.
٢- يجوز للقاضي أن يرفض إصدار الأمر بعرض الشيء إذا كان لمن أحرزه
مصلحة مشروعة في الامتناع عن عرضه.
٣- يكون عرض الشيء في المكان الذي يوجد فيه وقت طلب العرض ما لم يعين القاضي مكانا آخر وعلى طالب العرض أن يقوم بدفع نفقاته مقدما وللقاضي أن يعلن عرض الشيء على تقديم كفالة تضمن لمن أحرزه تعويض ما قد يحدث له من ضرر بسبب العرض).
فقد تكون الورقة المنتجة في دعوى منظورة أمام القضاء في حيازة الغير اي شخص غريب عن الدّعوَى , وهو ما جرى الاصطلاح على تسميته بالغير , وقد يمتنع هذا الغير عن تقديم الورقة التي يحوزها إلى أحد الخصوم في الدّعوَى لسبب أو لأخر , لذلك لم يتوانَ قانون الاثبات اليمني عن تنظيم هذه المسألة على النحو السابق بيانه.
إذْ خلط اغلب الفقه بين اختصام الغير والزام الغير بتقديم مستند تحت يده , واعتبر ان الزام الغير بتقديم مستند تحت يده احدى صور اختصام الغير استناداً للنص اعلاه والذي يقرر أنه يجوز للمحكمة اثناء سير الدّعوَى ولو أمام محكمة الاستئناف أن تأذن بإدخال الغير لإلزامه بتقديم مستند تحت يده. (اختصام الغير وادخاله لتقديم مستند تحت يده، د. امير فرحان العابدي، دار المثنى بغداد ٢٠٢٢م ص٥٣).
ونحن نذهب إلى خلاف وجهة النظر السابقة إذْ ان إدخال الغير لتقديم مستند تحت يده يُعد بمثابة اجراء تحقيق أساسي يؤدي إلى ايجاد حل للنزاع , ولا يترتب على ذلك امكانية وصف هذا الغير بأنه أصبح طرفاً في الخصومة بالمعنى القانوني الدقيق ما لم يوجه اليه طلباً معيناً , ويمكن القول: بأنه من تدعوه المحكمة لإلزامه بتقديم محرر تحت يده لا يمكن ان يكون خصماً في الدّعوَى , لان مركز هذا الشخص في هذه الحالة هو اقرب ما يكون إلى الشاهد , فلا يوجه اليه طلب يجعله طرفاً في الدّعوَى القائمة.
وعلى العكس من ذلك حالة اختصام الغير فان هذا الغير المُخْتَصَم بعد صدور قرار من المحكمة بالموافقة على قبول اختصامه يصبح طرفاً في الخصومة. (التعليق على أحكام المحكمة العليا في، مسائل المحررات، أ.د. عبد المؤمن شجاع الدين، مكتبة الصادق جولة جامعة صنعاء الجديدة ٢٠٢٥م، ص٣٥٢)، والله اعلم.