مسئولية الجهة عن المبالغ المودعة بطريقة غير نظامية

مسئولية الجهة عن المبالغ المودعة بطريقة غير نظامية

أ.د. عبدالمؤمن شجاع الدين - الأستاذ بكلية الشريعة والقانون جامعة صنعاء.

من الإشكاليات العملية السائدة في اليمن ان بعض الاشخاص يقومون بتوريد او إيداع مبالغ مالية بطريقة غير نظامية وخارج نطاق الدورة المستندية المقررة في القوانين والنظم للإيداع وخلافا للطريقة المحددة والمتبعة عادة للإيداع والتوريد للمبالغ ويتم ذلك بسوء نية كالتهرب من دفع مبالغ اكبر من المبالغ المدفوعة بطريقة نظامية ويتم ايضا لتمكين المختصين بالتحصيل من اختلاس بعض هذه المبالغ كما قد يكون الشخص الذي يقوم بإيداع النقود او توريدها حسن النية حينما يقوم الموظف المختص باستقبال المبالغ المودعة بالتدليس علي المودع والاحتيال لحمله على سلوك الطريق غير النظامية في الايداع, ولاريب ان الايداع والتحصيل للنقود بطريقة غير نظامية يعد جريمة طبقا للقانون وهذا ليس مجال تعليقنا حيث ان مجال تعليقنا هو المسئولية المدنية للجهة او الشخص الاعتباري عن المبالغ التي قام الموظف التابع لها بتحصيلها او توريدها بطريقة نظامية بمعنى هل تكون الجهة مسئولة عن المبالغ التي يختلسها الموظف التابع لها عند قيام المكلفين بتوريد تلك المبالغ الى الجهة التي يتبعها الموظف بطريقة غير نظامية, ومن الاحكام الصادرة عن المحكمة العليا في اليمن التى تناولت هذه المسألة الحكم الصادر عن الدائرة الجزائية بالمحكمة العليا في جلستها المنعقدة بتاريخ 26\4\2011م في الطعن الجزائي رقم (44521) لسنة 1432هـ وتتلخص وقائع القضية التي قضى فيها هذا الحكم ان موظفا كان يقوم بتحصيل اموال من مودعين بقسائم ايداع تحمل اسم وشعار الشخص الاعتباري الذي يتبعه هذا الموظف الذي كان يسلم نسخ من هذه القسائم الى المودعين وكان هذا الموظف يختلس هذه المبالغ المسلمة له خارج نطاق الدورة المستندية للإيداع المتبعة في الجهة التي يعمل لديها فكان الموظف المختلس ينفرد وحده بعملية التحصيل والايداع. دون علم الموظفين الاخرين وخارج نظام الايداع المعمول به في الشخص الاعتباري الذي يعمل لديه الموظف وقد قضى الحكم محل تعليقنا بان الموظف وحده هو المسئول عن اعادة المبالغ التي قام بتحصيلها من المودعين خارج النظام والدورة المستندية المتبعة والمحددة لعملية الايداع, وخلاصة اسباب الحكم محل تعليقنا (فالمبالغ المدعى إيداعها المدونة في الاشعارات الموجودة بملف القضية استلمها المتهم بموجب الاشعارات التي بيد المودعين التي تم ابرازها امام الشعبة الاستئنافية .فالثابت ان الموظف المتهم قد قام بتحصيل تلك المبالغ وايداعها خارج نطاق الدورة المستندية والمحاسبية في الجهة لذلك فالموظف المتهم هو المسئول عنها منفردا فهو المستلم للمبالغ من العملاء المودعين فهو المفرط فيها ولذلك فلا يلزم الجهة التي يعمل بها الموظف ان تدفع للعملاء المودعين تلك المبالغ) وسيكون تعليقنا على هذا الحكم بحسب الاوجه الآتية:

الوجه الأول: المقصود بالإيداع و التحصيل بطريقة غير نظامية والمسئولية المترتبة على ذلك:

بالنسبة للجهات الحكومية فان القوانين واللوائح والنظم تحدد طريقة وكيفية و اجراءات وضوابط التحصيل والإيداع للمبالغ كما انها تحدد اوقات ذلك والاشخاص المكلفين بالتحصيل واستقبال الايداعات والغرض من ولاشك ان الغرض من تحديد الدورة المستندية والمحاسبية والرقابية للإيداع والتحصيل ضمان سلامة الايداع والتحصيل بما يحفظ الاموال العامة والخاصة, فاذا قام أي مكلف بإيداع المبالغ المستحقة عليه للدولة اوقام بتسديدها وفقا للإجراءات النظامية المحددة في القوانين والنظم وبواسطة الاشخاص المناطة بهم هذه المسئولية فانه لا يكون مسئولا عن أي اختلاس للأموال التي قام بإيداعها بطريقة نظامية حيث ان الجهة تكون هي المسئولة عن ذلك وللجهة الرجوع على الجاني لاستعادة المبالغ المختلسة, اما اذا قام المكلف بدفع الرسوم او الضرائب او قام بإيداع اموال لدى البريد او البنوك او محلات الصرافة على خلاف الطريقة المحددة لذلك قانونا فان هذه الجهات لا تكون مسئولة عن تلك المبالغ المدفوعة حيث يكون المسئول عنها هو الموظف الذي قام بتحصيلها واستلامها من المكلف بصورة غير نظامية مثلما قضى الحكم محل تعليقنا, وكذلك الحال بالنسبة للأشخاص الاعتبارية الخاصة كالشركات والمؤسسات والبنوك ومحلات الصرافة فان أي ايداع او تحصيل لمبالغ نقدية لحساب تلك الجهات ينبغي ان يتم على وفق النظم وبحسب الاجراءات التي تحددها تلك الجهات فاذا تم الايداع على وفق ذلك فان تلك الجهات تكون هي المسئولة عن المبالغ التي تم ايداعها او توريدها على وفق تلك النظم والاجراءات حتى لو قام الموظف باختلاسها بعدئذ, اما اذا تم التوريد او الايداع للمبالغ بطريقة تخالف تلك النظم والاجراءات فان تلك الجهات لا تكون مسؤولة عن تلك المبالغ ولا تضمن اعادة المبالغ الى الشخص الذي قام بتوريدها خلافا للنظام المتبع.

الوجه الثاني: اسانيد عدم مسئولية الجهة عن المبالغ الموردة او المودعة بطريقة غير نظامية:

الشخصيات الاعتبارية العامة والخاصة لها شخصياتها الاعتبارية وذممها المالية المستقلة عن الموظفين العاملين لديها وتحدد القوانين واللوائح والنظم كيفية مباشرة تلك الجهات لأعمالها وعلاقاتها بموظفيها وعملائها والمتعاملين معها كما تحدد الواجبات والمحظورات ويندرج ضمن المحظورات ايداع او توريد النقود بطريقة غير نظامية لان ذلك يعد جريمة, والجريمة يكون المسئول عنها هو الموظف الذي قام بارتكابها باعتباره المسئول جنائيا عنها والمسئولية الجزائية شخصية حيث يكون المسئول عنها هو الشخص الذي ارتكبها وتبعا لذلك يكون هذا الشخص هو المسئول عن المبالغ التي استلمها بطريقة مخالفة للقانون والنظام، والله اعلم.

ميزان عدالة برونزي يحتوي على عملات نقدية فوق مكتب خشبي عتيق وبجانبه كتب قانونية، مع عنوان مقال مسئولية الجهة عن المبالغ المودعة بطريقة غير نظامية
مقال قانوني بعنوان: مسئولية الجهة عن المبالغ المودعة بطريقة غير نظامية - مدونة الأستاذ الدكتور عبدالمؤمن شجاع الدين
تعليقات