الدفع بعدم تنفيذ الالتزام في القانون اليمني
أ.د/ عبد المؤمن شجاع الدين
الأستاذ بكلية الشريعة والقانون – جامعة صنعاء
نصت المادة (225) من القانون المدني اليمني على ان: (عقود المعاوضة اذا كانت الالتزامات المتقابلة مستحقة الوفاء جاز لكل من المتعاقدين ان يمتنع عن تنفيذ التزامه حتى يوافيه المتعاقد الاخر بما التزم به ويكون له حبس العين في يده تبعا لذلك).
فعقود المعاوضة غايتها أن يقوم المتعاقدان بتنفيذ التزاماتهما التي اتفقا عليها في العقد، وينبغي عند الخلاف اثبات تنفيذ المتعاقد لالتزامه، فإذا لم يقم أحد المتعاقدين بتنفيذ التزاماته المقررة في العقد جاز للمتعاقد الآخر أن يتوقف او يمتنع عن تنفيذ التزاماته، وهو ما يسمى بالدفع بعدم التنفيذ، حسبما قضى الحكم الصادر عن الدائرة التجارية بالمحكمة العليا في جلستها المنعقدة بتاريخ ٢٥/٤/٢٠١١م، وذلك في الطعن رقم (٤٤٦٧٥)، فقد ورد ضمن اسباب الحكم المشار اليه:(فيكفي المدعى عليهم عندما يطالبهم المدعي الطاعن بتنفيذ التزامهم العقدي بدفع اتعابه يكفيهم عندئذ ان يطالبوه بتقديم الدليل على تنفيذه التزامه العقدي المقابل الذي لم يقم به حتى يستحق الطاعن الاتعاب التي يطالب بها)، وسيكون تعليقنا على هذا الحكم حسبما هو مبين في الاوجه الاتية:
الوجه الأول: معنى الدفع بعدم التنفيذ:
نصت المادة(225) من القانون المدني اليمني على ان: (عقود المعاوضة اذا كانت الالتزامات المتقابلة مستحقة الوفاء جاز لكل من المتعاقدين ان يمتنع عن تنفيذ التزامه حتى يوافيه المتعاقد الاخر بما التزم به ويكون له حبس العين في يده تبعا لذلك).
ويقابل هذا النص (المادة 161) من القانون المدني المصري التي نصت على أنه: (في العقود الملزم لجانبين إذا كانت الالتزامات المتقابلة مستحقة الوفاء جاز لكل من المتعاقدين أن يمتنع عن تنفيذ التزامه إذا لم يقم المتعاقد الأخر بتنفيذ هذا الالتزام).
وكذا نصت المادة (٢٠٣) من القانون المدني الأردني على أنه: (“في العقود الملزمة للجانبين إذا كانت الالتزامات المتقابلة مستحقة الوفاء جاز لكل من المتعاقدين أن يمتنع عن تنفيذ التزامه إذا لم يقم المتعاقد الآخر بتنفيذ ما التزم به”).
ويستفاد من النصوص السابقة أن الدفع بعدم تنفيذ الالتزام هو وسيلة للدفاع عن الحق وحمايته، يلجأ إليها المتعاقد عند إخلال المتعاقد الآخر بتنفيذ التزامه، فهذه الوسيلة وسيلة دفاعية الغرض منها تمكين المتعاقد من استيفاء حقه في حالة عدم التزام الطرف الآخر بتنفيذ ما تم الاتفاق عليه عن طريق عدم تنفيذ الالتزام الخاص به.
وعندما يلجا المتعاقد الى هذه الوسيلة او الدفع بالامتناع عن تنفيذ التزامه لحماية حقه لا يحتاج وفقا لنص المادة السابقة إلى إعذار أو إنذار أو اللجوء إلى القضاء، فبمجرد امتناع أحد الأطراف عن تنفيذ التزامه في العقود الملزمة لجانبين يحق للمتعاقد الآخر استعمال حقه في الدفع بعدم التنفيذ، ولا يجوز للمتعاقد التمسك بهذا الحق إلا اذا كان التزام الطرف الآخر سابقا علي التزامه.
واختلف الفقه في تعريف الدفع بعدم التنفيذ فقد عرفه العلامة الدكتور عبد الرازق السنهوري بأنه: إذا كان للدائن في العقد الملزم لجانبين أن يطلب فسخ العقد إذا لم يقم المدين بتنفيذ التزامه فيتحلل الدائن بذلك من تنفيذ ما ترتب في ذمته من التزام فله من باب أولى بدلا من أن يتحلل من تنفيذ التزامه أن يقتصر على وقف تنفيذه حتى ينفذ المدين التزامه.(الوسيط نظرية الالتزام، العلامة الدكتور عبد الرازق السنهوري ١/ 728(
وهناك من يذهب الى تعريف هذا الدفع بانه: (حق لكل متعاقد في عقد ملزم للجانبين في الامتناع عن تنفيذ التزامه حتى ينفذ المتعاقد الآخر ما التزم به بموجب العقد)، ويذهب بعض الفقه القانوني الى تعريف الدفع بعدم التنفيذ بانه: الاتيان بدعوى من جانب المدعى عليه تدفع دعوى المدعي وتستلزم ردها كلا او بعضا, فالدفع بعدم التنفيذ هو الوسيلة التي يجوز بها للمدعي عليه الاستعانة بها للرد على مزاعم خصمه, بقصد تفادي مطالبة خصمه او تفادي الحكم لخصمه بما يدعيه.
حيث ترتبط الالتزامات في العقود التبادلية الملزمة للجانبين بصورة تجعل مصير التزام كل واحد من المتعاقدين متوقفا على تنفيذ الالتزام المقابل له اذا لم يكن التنفيذ مقررا وفق وجه معين في العقد يتوجب على المتعاقدين عندها الوفاء بالتزاماتهما في وقت واحد, ويتعذر في هذه الحالة على اي من المتعاقدين اجبار المتعاقد الاخر على تنفيذ التزامه طالما انه لم يقم بوفاء ما التزم به.
ويعد امتناع احد المتعاقدان عن تنفيذ التزامه عملا غير مشروعا يبرر للطرف الآخر الامتناع عن الوفاء بما التزم به وذلك لان قواعد العدل والانصاف توجب الا يقوم احد المتعاقدان بطلب تنفيذ العقد مادام هو ممتنع عن الوفاء بالتزامه.
فهذا الدفع بحسب المعنى السابق يعد: وسيلة يلجأ اليها المتعاقد في العقود التبادلية للضغط على العاقد الآخر وحمله على تنفيذ التزامه دون حاجة الى الترافع امام القضاء، اي ان هذا الدفع يشكل وسيلة دفاعية وليست هجومية تقع في مرحلة وسط بين التنفيذ وعدم التنفيذ يقررها القانون ولا داعي للجوء فيها الى القضاء فهي دفع وليست دعوى.
وهذه الوسيلة تتضمن الاحتجاج في مواجهة الدائن بانه اذا لم ينفذ التزامه الحال الأداء والمستحق للمدين, فلا يجوز له ان يطلب من المدين تنفيذ التزامه, حيث ان المدين بذلك يجبر الدائن على التنفيذ ؛ تلافيا لطلب الفسخ, وبذلك يجمد العقد حتى يحمل الدائن على تنفيذ التزامه. وبذلك يعد هذا الدفع وسيلة اقل كلفة بالنسبة للمتعاقد الذي يتمسك بالدفع بعدم التنفيذ مقارنة بسلوك الفسخ القضائي.
والفكرة الاساسية التي يقوم عليها الدفع بعدم التنفيذ هي انه (اذا اردت ان تأخذ ما لك, فعليك ان تفي بما عليك, فلا عهد لمن لا عهد له).
ولقد نصت (المادة 157) فقرة (1) من المذكرة الإيضاحية للقانون المدني الأردني على أنه ” من الأصول التي يقوم عليها نظام العقود الملزمة للجانبين ارتباط تنفيذ الالتزامات المتقابلة فيها على وجه التبادل أو القصاص. فاذا استحق الوفاء بهذه الالتزامات فلا يجوز تفريعا على ما تقدم أن يجبر أحد المتعاقدين على تنفيذ ما التزام به قبل قيام المتعاقد الآخر بتنفيذ الالتزام المقابل وعلى هذا الأساس يتعين أن تنفذ الالتزامات المتقابلة في وقت واحد. ويجوز الاستعانة بإجراءات العرض الحقيقي لمعرفة المتخلف عن الوفاء من المتعاقدين. فلكل من المتعاقدين إزاء ذلك إن يحتبس ما يجب أن يوفى به حتى يؤدي إليه ما هو مستحق له وهو باعتصامه بهذا الحق أو الدفع إنما يوقف أحكام العقد لا أكثر، فالعقد لا يفسخ في هذه الصورة ولا تنقضي الالتزامات الناشئة عنه على وجه الإطلاق، بل يقتصر الأمر على وقف تنفيذه وهذا هو الفارق الجوهري بين الفسخ والدفع بعدم تنفيذ العقد”.
ويتضح مما سبق اتفاق القوانين العربية بشان معنى الدفع بعدم التنفيذ على النحو السابق بيانه.
اما القانون الفرنسي فان موقفه من الدفعبعدم تنفيذ الالتزام كان اكثر وضوحا عندما نص على هذا الدفع في القانون المدني الفرنسي بعد تعديله بالأمر رقم (131) لسنة 2016 الصادر في 10 فبراير 2016 المتعلق بإصلاح قانون العقود والنظام العام واثبات الالتزامات, حيث خصص القسم الخامس منه الى الدفع بعدم التنفيذ (عدم تنفيذ العقد). فقد نصت المادة (1217) منه على انه يحق للطرف الذي لم ينفذ العقد حياله, او انه قد نفذ بشكل ناقص ان:
- يرفض تنفيذ التزامه او يعلق تنفيذه
- يسعى الى التنفيذ الجبري العيني للالتزام.
- يطلب تخفيض الثمن
- يطلب فسخ العقد
- يطلب التعويض عما ترتب من نتائج عن عدم التنفيذ
يجوز الجمع بين الجزاءات غير المتعارضة ويجوز اضافة التعويض اليها دائما).
وقد تناول القانون الفرنسي الدفع بعدم التنفيذ في مادتين صريحتين وهما المادتان (1219)، (1220)، فقد نصت المادة (1219) فرنسي على انه: (يحق لاحد الطرفين ان يرفض تنفيذ التزامه على الرغم من كونه مستحقا اذا لم ينفذ الطرف الاخر التزامه واذا كان عدم التنفيذ هذا جسيما بما فيه الكفاية).
بينما نصت المادة (1220) فرنسي على انه: (يجوز لاحد الاطراف ان يوقف تنفيذ التزامه اذا تبين ان المتعاقد معه لن يقوم بالتنفيذ عند استحقاقه, وان نتائج عدم التنفيذ ستكون على قدر كافٍ من الجسامة بالنسبة اليه, ويجب ان يتم الاخطار بهذا الوقف بأقرب وقت)..
ونلاحظ ان القانون الفرنسي قد اعتبر الدفع بعدم التنفيذ قاعدة عامة تسري على كل العقود الملزمة للجانبين بينما اكتفى قبل هذا التعديل بان يورد بعض التطبيقات المتفرقة لها دون ان يقرر عمومية هذه القاعدة. (مفهوم قاعدة الدفع بعدم التنفيذ، د علي عبد الحسين الغانمي، ص١٣٧، بغداد ٢٠٢٤م).
الوجه الثاني: نوع الدفع بعدم تنفيذ الالتزام:
الدفع بعدم تنفيذ الالتزام من الدفوع الموضوعية التي تتجه الى موضوع الحق او اصل الحق، فالدفع الموضوعي يهدف منه الدافع اثبات ان دعوى خصمه على اساس غير قانوني، فالدفع الموضوعي يتعلق بأساس الدعوى وموضوعها, والدفوع الموضوعية لا حصر لها، إذ تتعدد تبعا لتعدد مواضيع الدعوى, ويدخل ضمن هذه الدفوع الموضوعية الدفع بعدم تنفيذ الالتزام، ويترتب على قبول الدفع بعدم التنفيذ رد دعوى المدعي كليا او جزئيا,
فالدفع بعدم التنفيذ هو عبارة عن وقف تنفيذ العقد من جانب احد المتعاقدين حتى يقوم المتعاقد الآخر بالتنفيذ، وهو بذلك يمهد اما الى التنفيذ، واما الى الفسخ، لذلك فهذا الدفع يتصل بالجزاء الذي يترتب على القوة الملزمة للعقد.
ولا يقصد بالدفع بعدم التنفيذ انه لا يتم التمسك به الا امام المحكمة بل انه مقرر في الاصل كي يتم التمسك خارج المحكمة من قبل المتعاقد من تلقاء نفسه.(فكرة الترابط بين الالتزامات المتقابلة واثرها في العقود الملزمة للجانبين, د. محمد حنون جعفر, مجلة كلية القانون للعلوم القانونية والسياسية, جامعة كركوك العراق , المجلد الثاني, العدد الرابع, السنة 2013, ص 26).
الوجه الثالث: نطاق الدفع بعدم التنفيذ:
اتفق الفقه القانوني على ان المتعاقد الذي يحق له ان يتمسك بهذا الدفع هو المتعاقد الذي يكون تنفيذ التزامه تاليا لالتزام المتعاقد الاخر، ولذلك فان من ضمن اهم قواعد الصياغة القانونية الجيدة للعقود ان تتضمن صيغة العقد تحديد المتعاقد الذي يجب عليه ان يبدأ اولا بتنفيذ التزامه، فيكون هذا المتعاقد في ترتيب العقد هو ما يسمى (بالطرف الاول) حتى يكون من المفهوم انه الذي يجب يبدأ بتنفيذ التزامه.
ومن هذا المنطلق فان جميع فقهاء الشريعة الاسلامية عدا الحنفية ذهبوا الى ان الايجاب يجب ان يصدر اولا من (المملك) وهو مالك الشىء او المال او مالك التصرف في الشىء..(مهارات الصياغة القانونية، ا.د. عبد المؤمن شجاع الدين، مكتبة الصادق جولة جامعة صنعاء الجديدة ٢٠١٥م، ص٣٩).
وقد حصرت القوانين المختلفة نطاق تطبيق الدفع بعدم التنفيذ في العقود الملزمة للجانبين، وفي هذا المعنى نصت المادة(225) من القانون المدني اليمني على ان: (عقود المعاوضة اذا كانت الالتزامات المتقابلة مستحقة الوفاء جاز لكل من المتعاقدين ان يمتنع عن تنفيذ التزامه حتى يوافيه المتعاقد الاخر بما التزم به، ويكون له حبس العين في يده تبعا لذلك)، والمقصود بعقود المعاوضات في النص السابق هي العقود الملزمة لجانبين.
ويمكن تعريف العقد الملزم لجانبين بأنه: العقد الذي ينشئ التزامات متقابلة في ذمة كل من المتعاقدين، كالبيع الذي يلتزم فيه البائع بسليم المبيع او بنقل ملكية المبيع في مقابل أن يلتزم المشتري بسداد الثمن، والظاهرة الجوهرية في العقد الملزم لجانبين هو هذا التقابل القائم ما بين التزامات أحد الأطراف والتزام الطرف الآخر.
ويترتب على هذا التقابل عدة نتائج من أهمها: انه يحق للمتعاقد الذي ياتي التزامه تاليا ان يدفع مطالبة المتعاقد الاخر بالتنفيذ، وذلك بالدفع بعدم التنفيذ عملا بالنص القانوني السابق بيانه، كما يترتب على التقابل بين الالتزامات انه يحق للمتعاقد الذي ياتي التزامه تاليا يحق له مطالبة المتعاقد الاخر بتنفيذ التزامه اولا او المطالبة بفسخ العقد مع التعويض وفقا لما ورد في المادة(221) مدني يمني التي نصت على ان: (عقود المعاوضة الملزمة للعاقدين اذا لم يف احدهما بالتزامه جاز للاخر بعد اعذاره ان يطالب بتنفيذ العقد او بفسخه مع تعويضه بما غرم في الحالتين، ويجوز للقاضي ان يمنح الملتزم اجلا للتنفيذ اذا اقتضت الظروف ذلك، كما يجوز له ان يرفض الفسخ اذا كان ما لم يف به الملتزم قليل الاهمية بالنسبة للالتزام في جملته).
ومن الواضح انه يترتب على التمسك بالدفع بعدم تنفيذ الالتزام وقف تنفيذ العقد دون انقضاء الالتزام, ويستمر هذا الوقف الى ان يقوم الطرف الاخر الذي يستخدم هذا الدفع في مواجهته بتنفيذ التزامه.
فاذا نفذ المتعاقد ما فرض عليه العقد من التزامات ظل العقد واستمر في ترتيب اثاره, واما لو اصر على الامتناع عن تنفيذ التزامه فان هذا قد ينتهي بالطرف الاخر الى طلب الفسخ.
فالدفع بعدم التنفيذ بحسب هذا المعنى وسيلة يلجأ اليها المتعاقد في العقود التبادلية الملزمة لجانبين للضغط على العاقد الآخر وحمله على تنفيذ التزامه دون حاجة الى الترافع امام القضاء، اي ان هذا الدفع وسيلة دفاعية وليست هجومية تقع في مرحلة وسط بين تنفيذ العقد وعدم تنفيذه، ويقررالقانون هذه الوسيلة كي يستخدمها المتعاقد داخل القضاء وخارجه لمواجهة اية مطالبات من المتعاقد الاخر، فهذا الدفع مجرد دفع اي وسيلة سلبية محضة.
فهذ الدفع وسيلة تتضمن احتجاج المتعاقد في مواجهة متعاقد اخر لم يقم بتنفيذ التزامه، ومضمون هذا الدفع ان المتعاقد لن ينفذ التزامه الحال المستحق الاداء مادام المتعاقد الاخر لم يسبق له ان قام بتفيذ التزامه، وبذلك فان الدافع يجمد العقد حتى يحمل المتعاقد الاخر على تنفيذ التزامه، وبناء على ذلك فان الدفع بعدم التنفيذ وسيلة اقل كلفة بالنسبة للمتعاقد الذي يتمسك بالدفع بعدم التنفيذ مقارنة بسلوك الفسخ القضائي.
ومن خلال ما تقدم يظهر ان الدفع بعدم التنفيذ وسيلة مقررة لمصلحة المتعاقد الذي ياتي تنفيذ التزامه لاحقا لتنفيذ التزام المتعاقد الاخر، والاختيار من هذه الوسائل مقرر لمصلحة المتعاقد الذي ياتي تنفيذ التزامه لاحقا لتنفيذ التزام المتعاقد الاخر. ولان التقابل بين الالتزامات في العقود الملزمة للجانبين يبرر لاحد اطراف العقد فسخه عند عدم تنفيذ المتعاقد الاخر لالتزامه , فمن باب اولى يحق للمتعاقد الامتناع عن تنفيذ التزامه في العقد الى ان ينفذ المتعاقد الآخر التزامه.
وبناء على ما سبق فأنه يخرج عن تطبيق الدفع بعدم التنفيذ العقود غير اللازمة والتي نص عليها القانون المدني اليمني في المادة (١٤٥) التي نصت على انه: (العقد غير اللازم هو الذي يجوز لكل من طرفيه او احدهما الرجوع فيه بإرادته المنفردة كالوكالة).
الوجه الرابع: الدفع بعدم تنفيذ الالتزام وحق الحبس:
نصت المادة(225) من القانون المدني اليمني على ان: (عقود المعاوضة اذا كانت الالتزامات المتقابلة مستحقة الوفاء جاز لكل من المتعاقدين ان يمتنع عن تنفيذ التزامه حتى يوافيه المتعاقد الاخر بما التزم به، ويكون له حبس العين في يده تبعا لذلك).
فقد وردت في نهاية النص السابق عبارة: (ويكون له حبس العين في يده تبعا لذلك)، فقد قرر هذا النص حق المتعاقد في حبس العين في يده حتى يقوم المتعاقد الاخر بتنفيذ التزامه المقابل.
وقد سبق ان تعرضنا في الوجهين السابقين الى ماهية الدفع بعدم التنفيذ، اما حق الحبس فهو ضمانة قررها القانون اذا لم يقم المتعاقد بالوفاء بالتزامه المحدد في العقد ففي هذه الحالة يحق للمتعاقد الاخر حبس ما تحت يده حتى يقوم المتعاقد بالوفاء بالتزامه.
وقد نظم القانون اليمني الدفع بعدم تنفيذ الالتزام مع حق حبس العين في نص واحد بيد انهما يختلفان في مجال اعمال كلا منهما حيث ان مجال عمل الدفع بعدم التنفيذ يقتصرعلى العقود ألتبادلية الملزمة للجانبين فقط, في حين لا يقتصر الحق في الحبس على نوع معين من العقود (سواء كانت ملزمة للجانبين او ملزمة لجانب واحد فهو يطبق في جميع الالتزامات أيا كان منشأها).
كما ان الدفع بعدم التنفيذ وحبس العين يختلفان في اساس كل منهما حيث ان الحق في الحبس يقوم على اساس الموازنة او المساواة بين مصالح متضادة متعارضة, بينما يقوم الدفع بعدم التنفيذ على اساس التقابل والترابط بين الالتزامات، اذ يمثل التقابل في الالتزامات الاساس الذي يستمد منه الدفع بعدم التنفيذ وجوده فهو يتلاءم مع طبيعة العقود الملزمة للجانبين بما تقتضيه من ارتباط في تنفيذ الالتزامات الناشئة عنها على وجه التبادل.
كما ان الدفع بعدم التنفيذ في نطاق العقود التبادلية يكون اعم من حق الحبس, اذ يباشر للامتناع عن جميع الالتزامات وليس فقط الالتزام بتسليم الشيء، كما ان مجال تطبيق حق الحبس يشمل العقود وغيرها فهو اوسع من مجال تطبيق حق الدفع بعدم التنفيذ.
والدفع بعدم التنفيذ هو عبارة عن وقف تنفيذ العقد من جانب احد المتعاقدين حتى يقوم المتعاقد الآخر بالتنفيذ وهو بذلك يمهد اما الى التنفيذ، واما الى الفسخ لذلك فهو يتصل بالجزاء الذي يترتب على القوة الملزمة للعقد.
والحق في الحبس قد نص عليه القانون المدني المصري في (المادة 246) التي نصت على أنه:(لكل من التزم بأداء شيء أن يمتنع عن الوفاء به مادام الدائن لم يعرض الوفاء بالتزام مترتب عليه بسبب التزام المدين ومرتبط به أو مادام الدائن لم يقم بتقديم تأمين كاف للوفاء بالتزامه هذا، ويكون ذلك بوجه خاص لحائز الشيء أو محرزه إذا هو أنفق عليه مصروفات ضرورية أو نافعه فإن له أن يمتنع عن رد هذا الشيء حتى يستوفي ما هو مستحق له إلا أن يكون الالتزام بالرد ناشئا عن عمل غير مشرو ع).
الوجه الخامس: شروط الدفع بعدم تنفيذ الالتزام:
نصت المادة(225) من القانون المدني اليمني على ان: (عقود المعاوضة اذا كانت الالتزامات المتقابلة مستحقة الوفاء جاز لكل من المتعاقدين ان يمتنع عن تنفيذ التزامه حتى يوافيه المتعاقد الاخر بما التزم به ويكون له حبس العين في يده تبعا لذلك).
فمن خلال مطالعة النص السابق تظهر شروط التمسك بالدفع بعدم تنفيذ الالتزام، وبيان هذه الشروط كما ياتي:
اولا: ان يكون العقد من عقود المعاوضة الملزمة للمتعاقدين: إذ يشترط لتطبيق الدفع بعدم التنفيذ وجود طرفين متعاقدين يقرر العقد على كل واحد منهما التزامات ملزمة في ذمة الطرف الآخر.
ثانيا: الالتزام الذي يدفع بعدم تنفيذه يجب أن يكون واجب النفاذ.:فيشترط للدفع بعدم التنفيذ أن يكون الالتزام الذي يتم الدفع بعدم تنفيذه التزام حال واجب الأداء فلا يمكن الدفع بعدم تنفيذ الالتزام إذا كان الالتزام مؤجلا.
ثالثا: يشترط ألا يكون التزام الذي يدفع بعدم تنفيذه سابق على التزام الطرف الآخر، فلا يجوز الدفع بعدم التنفيذ في هذه الحالة وقد جرى قضاء محكمة النقض المصرية على هذا المبدأ حيث قضت أنه: ” يشترط لاستعمال الدفع بعدم التنفيذ تطبيقا لنص المادة 161 من القانون المدني أن يكون الالتزام الذي يدفع بعدم تنفيذه مستحق الأداء أي واجب التنفيذ حالا فإذا كان العقد يوجب على أحد المتعاقدين أن يبدأ بتنفيذ التزامه قبل المتعاقد الآخر فلا يحق للمتعاقد المكلف بالتنفيذ أولا أن ينتفع بهذا الدفع “.(نقض 23/5/1982 – طعن رقم 1432 لسنة 48ق)
ويستفاد من ذلك أنه يشترط للتمسك بالدفع بعدم التنفيذ ألا يكون التزام المتمسك بذلك الدفع سابق على التزام المتعاقد الاخر.
رابعا: أن لا يكون الدافع هو البادئ بعدم التنفيذ: فيشترط للتمسك بالدفع بعدم التنفيذ ألا يكون الدافع هو الذي أخل بتنفيذ التزامه أولا، لإن العقود الملزمة لجانبين والتي تتقابل فيها الالتزامات إذا حل ميعاد تنفيذ أحد المتعاقدين لالتزاماته وامتنع عن تنفيذها فأقام المتعاقد الآخر ضده دعوى فلا يحق له في هذه الحالة التمسك بالدفع بعدم التنفيذ، وقد قضت محكمة النقض المصرية بان: هذا الشرط من شروط الدفع بعدم التنفيذ حيث قضت بالآتي:” أنه مادامت المحكمة قد اعتبرت أن التقصير جاء من جانب المشتري دون البائع فلا يحق للمشتري قانونا أن يتحدى بعدم قيام البائع بتنفيذ ما التزم به وليس ثمة بعد ذلك ما يحول القضاء للبائع بالفسخ “. (نقض 8/3/1951 طعن رقم 85 لسنة 19 ق).
خامسا: ألا يتضمن الدفع إساءة لاستعماله: لإن الحقوق ليست على إطلاقها ولكنها مقيدة، وتطبيقا لذلك فإن مبدأ عدم التعسف في استعمال تلك الحقوق يعتبر مقيدا لها فلا يكفي للدفع بعدم التنفيذ أن يكون العقد ملزم لجانبين وأن يكون الدين حالا، بل يشترط أيضا ألا يتم إساءة استعمال هذا الدفع بحيث يتم النظر إلى الجزء الذي لم ينفذ من الالتزام فإذا كان قليل الأهمية بالنسبة لباقي الالتزامات فلا يسمح باستعمال الدفع بعدم التنفيذ.
سادسا: ألا يكون قد تم الاتفاق على الحرمان من الدفع: فقد نصت المادة (١٣٨) من القانون المدني اليمني على أن: (العقد إيجاب من أحد المتعاقدين يتعلق به قبول الآخر او مايدل عليهما على وجه يترتب أثره في المعقود عليه (المحل) ويترتب على العقد التزام كل من المتعاقدين بما وجب به للآخر ولا يشترط التقيد بصيغة معينة بل المعتبر مايدل على التراضي).
وبالتالي فإن اتفاق المتعاقدين على بنود العقد هو اتفاق ملزم لكل منهم وهو ما عبر عنه القانون المدني المصري الذي نص على: أن العقد شريعة المتعاقدين، بل أن في بعض الأحيان يكون لبنود العقد قوة تفوق قوة القواعد القانونية فإذا ما تعارضت بنود العقد مع قاعدة آمرة أو قاعدة مكملة يتم إعمال بنود العقد.
وعلى هذا الأساس إذا تم الاتفاق على الحرمان من التمسك بالدفع بعدم التنفيذ سيما اذا كان هذا الدفع غير متعلق بالنظام العام، فيجوز التنازل عنه أو الاتفاق على مخالفته، فلا يكون من حق أطراف هذا العقد التمسك بذلك الدفع بعد الاتفاق على الحرمان من التمسك به.
الوجه السادس: الأثر المترتب على الدفع بعدم تنفيذ الالتزام:
ينقسم الأثر المترتب على الدفع بعدم التنفيذ بحسب إذا ما كان العقد محدد التنفيذ بمعنى أن التزامات الطرفين في العقد معروفة ومحددة أو إذا كان العقد من العقود احتمالية التنفيذ، وبيان ذلك على النحو الاتي:
اولا: اثر الدفع بعدم التنفيذ العقود النافذة من وقت التوقيع عليها او المحددة:
قضت محكمة التمييز الاردنية بصفتها الحقوقية في حكمها رقم 819 لسنة 2007 بان: تعتبر الاتفاقية الجارية بين طرفي الدعوي من العقود الملزمة لجانبين، وبما أن الطاعن – المدعي – لم يقم بتنفيذ التزامه فإن من حق المدعي عليها الامتناع عن تنفيذ التزاماتها تجاه المدعي، والتي التزمت بها بموجب الاتفاقية عملا بنص (المادة 203) من القانون المدني والتي تنص على أنه: ” في العقود الملزمة لجانبين إذا كانت الالتزامات المتقابلة مستحقة الوفاء جاز لكل من المتعاقدين أن يمتنع عن تنفيذ التزامه إذا لم يقم المتعاقد الأخر بتنفيذ ما التزم به”. وينبني على ذلك كله أن دعوي المدعي لا تقوم على أساس قانوني سليم مما يتعين ردها ".
ونكتفي هنا بالاشارة فقط الى تاثير الدفع بعدم التنفيذ على عقد البيع والايجار والعمل، وذلك كما باتي:
أ_ عقد البيع:
يتشابه الدفع بعدم التنفيذ في عقد البيع مع حق الحبس، ففي هذه الحالة إذا كان الالتزام بتسليم المبيع فللبائع الحق في الامتناع عن تنفيذ التزامه إذا أخل المشتري بتنفيذ التزامه بسداد الثمن فانه يترتب على ذلك انه يحق للبائع الامتناع عن تسليم المبيع الى المشتري وحبس المبيع حتى يدفع المشتري الثمن، وعندئذ لا يؤثر هذا الدفع الا اذا كان المبيع لازال بحوزة البائع، فاذا كان المبيع لازال بحوزة البائع فانه يحبسه، فيثبت له حق امتياز على المبيع المحبوس، ومن مقتضيات ذلك انه يجب على البائع المحافظة على المبيع.
كما ان تبعة هلاك المبيع تكون على المشتري الا إذا كان الهلاك بفعل البائع.
ب_ عقد الايجار:
يعد عقد الإيجار من العقود المحددة التي ترتب التزامات متقابلة في ذمة المتعاقدين، فيمكن لكل متعاقد فيهم الامتناع عن تنفيذ التزامه في حالة امتناع المتعاقد الآخر عن تنفيذ التزامه، ولذلك يحق للمستأجر الامتناع عن سداد الأجرة المعجلة(الاجرة المقدمة) إذا امتنع المؤجر عن تسليم العين او اذا قام المؤجر بمنع المستأجر من الانتفاع بها.
وكذا يحق للمؤجر الامتناع عن تسليم العين المؤجرة اذا لم يلتزم المستأجر بسداد الأجرة مقدما.
وقد قضت محكمة التمييز الاردنية بصفتها الحقوقية في حكمها رقم 2141 لسنة 2020م بان: المادة (203) من القانون المدني توجب الامتناع عن دفع الأجور في حال لم يقم المؤجر أو المالك بتنفيذ ما التزم به.
ج_ عقد العمل:
يعد عقد العمل من العقود الملزمة لجانبين والتي يترتب فيها التزامات متقابلة بين كل من العامل وصاحب العمل وبالتالي فإنه يجوز الدفع فيها بعدم التنفيذ إذا توافرت شروطه ويختلف ويتميز وقف عقد العمل عن الدفع بعدم التنفيذ في الأوجه الآتية:
الدفع بعدم التنفيذ يتمسك به الدائن في مواجهة مدينه أما وقف عقد العمل يكون من الجانبين فلا يشترط إخلال أحد الأطراف.
وقف عقد العمل يمنع معه التنفيذ الجبري.
الدفع بعدم التنفيذ يوقف الالتزامات فترة معينة ولا يؤدي إلى الإعفاء منها أما وقف عقد العمل إذا توافرت شروطه يؤدي إلى الإعفاء من الالتزامات طوال مدة الوقف.
مدة الدفع بعدم التنفيذ تكون متوقفة على إرادة الدائن بينما وقف عقد العمل يخضع لإرادة الطرفين
ثانيا: اثر الدفع بعدم التنفيذ على العقود الزمنية او الاحتمالية:
و تعرف هذه العقود بالعقود الزمنية، ومن أهم أمثلتها عقد التأمين الذي يرتب التزامات مستقبلية محتملة الحدوث أو عدم الحدوث، ولقد أجاز القانون الدفع بعدم التنفيذ في هذه العقود في بعض الحالات مثل كتم المتعاقد أسرار تتعلق بالخطر المؤمن ضده أو قدم بيانات خاطئة،، ففي هذه الحالة يحق لشركة التأمين الدفع بعدم التنفيذ.) الدفع بعدم تنفيذ العقد، الأستاذ كريم عبد السلام، الموقع الالكتروني الاردني حماة الحق).
الوجه السابع: وجوب إثبات تنفيذ المتعاقد لالتزاماته:
محرر العقد هو وثيقة تدل على وجود العقد وتمامه، ويجب على من يتولى تحرير العقود ان لا يطلب من اطراف العقد التوقيع عليه الا بعد ان يتثبت كاتب العقد من قيام المتعاقدين بتنفيذ التزاماتهم في العقود التي تقتضي الفورية في تنفيذ الالتزام مثل شراء الاراضي والعقارات والسيارات، بيد ان هناك عقود يستمر تنفيذ الالتزامات فيها خلال مدة العقد المستقبلية مثل عقد البيع بالتقسيط او عقد الايجار او المساقاة او المزارعة او المغارسة..الخ، ففي هذه العقود وامثالها فانه عند الخلاف يجب على اطراف العقد اثبات قيامهما بتنفيذ التزاماتهم. (التعليق على أحكام المحكمة العليا في مسائل الدفوع، أ.د. عبد المؤمن شجاع الدين، مكتبة الصادق جولة الجامعة الجديدة صنعاء، 2025م، ص٣٠٣). والله أعلم.