وقت رد السلعة المعيبة - أ.د. عبدالمؤمن شجاع الدين
الأستاذ بكلية الشريعة والقانون - جامعة صنعاء
تحرص الشريعة الإسلامية والقانون اليمني على استقرار المعاملات ومنها البيع والشراء، و تطبيقاً لذلك يجب أن يقوم المشتري بفحص البضاعة وقت استلامه لها للتأكد من خلوها من العيوب ، فإذا وجدها المشتري معيبة فإنه يقوم بإخطار البائع ويقوم بردها خلال ثلاثة أيام من تاريخ استلامه للبضاعة، وكذلك الحال في القانون المدني اليمني، فإذا تراخى المشتري في فحص البضاعة ولم يقم بردها في الوقت المحدد فلا يحق له بعد ذلك الادعاء بأن البضاعة معيبة أو المطالبة بردها، حسبما قضى الحكم الصادر عن الدائرة التجارية بالمحكمة العليا في جلستها المنعقدة بتاريخ ٨-١-٢٠١١م، وذلك في الطعن رقم (٤٣٣٣٩)، فقد ورد ضمن اسباب الحكم المشار إليه: (فالمقرر فقهاءً وقضاءً أن المشتري مسئول عن التحقق من حالة المبيع بمجرد أن يتمكن من ذلك وفقاً للمألوف في التعامل، فإن أهمل في فحص الشيء فأنه يعد قابلاً للمبيع بحالته ويسقط ضمان العيب)، وسيكون تعليقنا على هذا الحكم حسبما هو مبين في الأوجه الآتية:الوجه الأول: وقت رد السلعة المعيبة في الفقه الإسلامي:
اختلف الفقهاء في هذه المسألة على قولين:
القول الأول: الردّ على الفور، وهو قول الشافعيّة والمالكية فقد قال صاحب مغني المحتاج:
"والردّ على الفور بالإجماع كما قاله ابن الرفعة، ولأنّ الأصل في البيع اللزوم، والجواز عارض فيه، ولأنه خيار ثبت بالشرع لدفع الضرر عن المال فكان فورياً كالشفعة فيبطل بالتأخير بغير عذر"، والمراد بالفور عند هؤلاء الزمن اليسير من غير إضرار بالمشتري.
ولا يعد تراخيًا في العادة اشتغال المشتري بصلاةٍ أو أكل ونحوه فلا يعد متراخيًا، والسبب في اشتراط الفور هو ألاَّ يلحق العاقد الآخر ضررا من التأخير، فإذا تأخَّر في رد المعقود عليه مع إمكانية الرد بدون عذر، سقط حقه في خيار الرد بالعيب ولزم العقد.
وقد جاء في "مغني المحتاج" : "والرد على الفور، فليبادر على العادة، فلو علمه وهو يصلي أو يأكل، فله تأخيره حتى يفرغ، أو ليلاً حتى يصبح، فإن كان البائع بالبلد رده عليه بنفسه أو وكيله، أو على وكيله، ولو تركه ورفع الأمر إلى الحاكم، فهو آكد، وإن كان غائبًا، رفع الأمر إلى الحاكم، والأصح أنَّه يلزمه الإشهاد على الفسخ إن أمكنه حتى ينهيه إلى البائع أو الحاكم، فإنْ عجز عن الإشهاد لم يلزمه التلفُّظ بالفسخ على الأصح، ويشترط في الرد تركُ الاستعمال، فلو استخدم العبد أو ترك على الدابة سَرْجَها أو إِكَافَها، بَطَلَ حقُّه، ويعذر في ركوب جَموح يعسر سوقها وقودها، وإذا سقط ردُّه بتقصيره فلا أرش" .
القول الثاني: الرد على التراخي، وهو قول الحنفية والزيدية و الحنابلة، فقد قال ابن قدامة في المغني:
"فمتى علم العيب، فأخّر الردّ لم يبطل خياره، حتى يوجد منه ما يدل على الرضا، لأنه خيار لدفع ضرر متحقق فكان على التراخي"، فلا يشترط أن يكونَ رد المبيع بعد العلم بالعيب على الفور، فمتى علم العيب فأخَّر الرد لم يبطل خياره حتى يوجد منه ما يدُلُّ على الرضا؛ لأنَّ هذا الخيار شُرِعَ لدفع الضرر، فلا يبطل بالتأخير؛ ولأنَّ الحقوق إذا ثبتت لا تسقط إلا بإسقاطها، أو بانتهاء الوقت المحدد لها، وليس لهذا الحق وقت محدد. (فقه المعاملات المالية وتطبيقاتها المعاصرة، أ.د. عبد المؤمن شجاع الدين، مكتبة الصادق جولة جامعة صنعاء الجديدة ٢٠٢١، ص١٢٧).
الوجه الثاني: وقت رد السلعة المعيبة في القانون اليمني والقوانين العربية:
نصت المادة (248) من القانون المدني اليمني على أنه (إذا كان المتعاقد قد قبل العيب بعد العقد أو علم به وسكت عنه فلم يخبر به العاقد الآخر في مدة معقولة سقط حقه في الخيار ، ويعتبر العاقد عالماً بالعيب على الفور، أما إذا كان العيب مما يحتاج ظهوره إلى فحص غير معتاد فلا يسقط حق الخيار به إلا بمضي مدة يمكن فيها الفحص اقصاها سنة من تاريخ القبض، وإن كان العيب مما لا يظهره الفحص أصلاً فلا يسقط الخيار به مطلقاً).
ومن خلال استقراء النص السابق يظهر انه قرر حق المشتري في إخبار أو إعلان البائع بالعيب وبيان خياره في هذا الشان هل يفسخ العقد ويرد المبيع الى البائع ويستعيد الثمن منه او انقاص الثمن والابقاء على السلعة المبيعة ، وتحديد مدة خيار العيب واخطار البائع بالعيب واتخاذ الخيار المناسب تختلف بحسب طبيعة العيب ، وذلك كما يأتي:
1- اذا كان العيب من العيوب الخفية العادية التي يستطيع الشخص العادي العلم بها والتعرف عليها من خلال الفحص العادي، فقد ورد في النص القانوني السابق انه ينبغي على المتعاقد أو المشتري ان يستعمل خيار العيب أو الادعاء بالعيب خلال مدة معقولة بما في ذلك فسخ عقد البيع ورد السلعة المعيبة ، والمرجع في تحديد المدة هو العرف التجاري، ويحدد الفقهاء المدة في العرف ما بين الفور و15 يوماً من تاريخ العلم، فالعيب الخفي العادي يستطيع المتعاقد نفسه الوقوف عليه واكتشافه عن طريق الفحص المعتاد الذي يقوم به الشخص العادي للسلعة.
2- إذا كان العيب الخفي من العيوب التي لا يمكن الوقوف عليها إلا من خلال الرجوع إلى أهل الخبرة والإختصاص والمعامل والورش المتخصصة فلا يسقط خيار العيب ورد السلعة إلا بمضي مدة يمكن فيها الفحص اقصاها مدة سنة من تاريخ قبض المشتري للسلعة.
3- إذا كان العيب مما لا يظهره الفحص أصلاً ، فلا يسقط الخيار به مطلقاً ، فاذا كان العيب الخفي من العيوب التي لا يمكن الوقوف عليها من قبل المتعاقد نفسه، وليس بوسع المتعاقد اكتشافه من خلال الرجوع إلى أهل الخبرة والاختصاص والفحص، فلايسقط خيار المتعاقد في هذه الحالة مطلقا حسبما ورد في النص السابق.
الوجه الثالث: وقت رد السلعة المعيبة في القوانين العربية:
تباينت مواقف القوانين في هذه المسالة، فقد نص القانون المدني اليمني على ان اقصى مدة لذلك سنة من تاريخ قبض المشتري للسلعة أو المبيع وفقا للمادة (٢٤٨) مدني السابق ذكرها وحسبما سبق بيانه، وفي القانون الاردني ستة أشهر من تاريخ تسليم المبيع وفقاً للمادة (521) من القانون المدني، وفي القانون القطري سنة من وقت تسليم المبيع مالم يقبل البائع بالضمان لمدة أطول وفقاً للمادة (462) من القانون القطري.
وفي القانون العراقي ستة أشهر والقانون اللبناني سنة وفي نظام المعاملات السعودي مائة وثمانون يوماً من تاريخ تسليم المبيع مالم يلتزم البائع بالضمان لمدة أطول. (التعليق على أحكام المحكمة العليا في مسائل عقد البيع، أ.د. عبد المؤمن شجاع الدين، مكتبة الصادق جولة جامعة صنعاء الجديدة ٢٠٢٥م، ص١٧٥).
الوجه الرابع: تقادم حق المشتري في رد السلعة المبيعة:
كي تستقر المعاملات فان حق المشتري في رد السلعة المعيبة يتقادم اذا مضت المدة المشار اليها في الوجه السابق، ولم يقم المشتري برد السلعة وفسخ البيع ، إذ يتقادم حق المشتري في الرد ، وفي كل الأحوال يتقادم حق المشتري في الرد اذا مضت مدة سنة من وقت تسليم المبيع الى المشتري ولو لم يكتشف المشتري العيب خلال السنة ، ولقد أراد المقنن بذلك أن يحسم النزاع في فترة وجيزة تالية للبيع مما يؤدي الى استقرار المعاملات. والمقصود بالتسليم في هذه الحالة هو التسليم الفعلي لا الحكمي ، لأن التسليم الفعلي هو الذي يهيئ الفرصة للمشتري لفحص المبيع على نحو يمكنه من كشف العيب، حيث نصت المادة 496 من القانون المدني المصري على أنه (1- تسقط دعوى ضمان العيب إذا انقضت سنة من وقت تسليم المبيع، ولو لم يكشف المشتري العيب الا بعد ذلك، ما لم يقبل البائع ان يلتزم بالضمان لمدة اطول. 2- وليس للبائع ان يتمسك بالسقوط، إذا ثبت انه تعمد اخفاء العيب غشا منه) ومدة التقادم المذكورة تقبل الانقطاع ولكنها لا تقبل الوقف ولو كان الدائن في الدعوى (المشتري) غير كامل الأهلية أو غائباً أو محكوماً عليه بعقوبة جنائية، ولم يكن له من يمثله قانونا. (دعوى ضمان العيوب الخفية في المبيع، نور الدين صبحي المحامي، ص٧).
الوجه الخامس: وقت رد السلعة المعيبة عندما يحدد البائع مدة معلومة لضمانة للسلعة:
نصت المادة 499 من القانون المدني المصري على أنه (إذا ضمن البائع صلاحية المبيع للعمل مدة معلومة، ثم ظهر خلل في المبيع خلالها، فعلى المشتري ان يخطر البائع بهذا الخلل في مدة شهر من ظهوره).
فإذا لم يقم البائع بإصلاح الخلل ، كان للمشتري ان يطلب الفسخ ورد السلعة مع التعويض او ان يستبقي المبيع ويطلب التعويض عما لحقه من ضرر بسبب الخلل. وفي الحالين يجب رفع الدعوى في مدة ستة شهور من تاريخ اخطار البائع بوجود الخلل. كل هذا ما لم يتفق على خلافه
الوجه السادس: ضمانة سلامة المبيع الصادرة من البائع للمشتري المحددة بيوم أو يومين أو أكثر أو أقل:
يقوم باعة الاجهزة في اليمن عند تسليمهم الاجهزة للمشترين يقوم الباعة بمنح المشتري للجهاز ضمانة محددة بفترة معينة كيومين أو أكثر، في حين انه تسري على هذه الضمانة الأحكام الثلاثة الواردة في نص المادة (248) مدني السابق ذكرها في الوجه الثاني، فاذا كان العيب من العيوب العادية التي يستطيع المشتري نفسه الوقوف عليها من غير حاجة إلى فحصها من قبل خبير متخصص، فيسري على هذه الحالة حكم المدة المعقولة المشار اليها في الوجه الثاني.
اما إذا كان العيب الخفي من العيوب التي لا يستطيع المشتري اكتشافها الا عن طريق الفحص فان مدة هذه الضمانة ينبغي أن يكون اقصاها سنة وفقا لنص المادة (248) مدني السابق ذكرها في الوجه الثاني من هذا التعليق، لأن الأجهزة تحتاج إلى فحص ويسري عليها الحكم الوارد في نهاية المادة (248) السابق ذكرها، واذا كان العيب الخفي مما لايستطيع المتعاقد نفسه اكتشافه أو مما لايمكن اكتشافه عن طريق الفحص والخبرة فلايسقط حق المشتري في الخيار مطلقا حسبما ورد في النص القانوني السابق ذكره.
اما في الفقه الإسلامي فيذهب قسم من الفقهاء المعاصرين إلى عدم جواز هذه الضمانات المشار اليها وأنه لا يتم العمل بها ، لانها تصادر خيار العيب وهو خيار شرعي له حكمه البالغة في دفع الضرر وحماية الأموال ومنع آكلها بالباطل ، بيد أن قسم آخر من الفقهاء المعاصرين يذهبوا إلى جواز إصدار هذه الضمانات طالما أنه من الثابت أن البائع لا يعلم أن السلعة معيبة ، لأن كثيراً من الفقهاء قد ذهبوا إلى جواز أن يشترط البائع براءة المبيع من العيب طالما أنه لا يعلم أن المبيع معيب، أما إذا كان البائع يعلم ذلك فلا يجوز.
أما عند شراح القانون فان فهم النص القانوني السابق وتطبيقه على ضمانات الأجهزة والمعدات وغيرها يتأسس على أساس صيغة نص المادة (248) مدني السابق ذكرها ، فإذا كانت صيغة النص القانوني توحي بأن النص من النصوص القانونية الآمرة، فلا يجوز للبائع والمشتري الإتفاق على خلافه ، ومن ذلك الإتفاق على مدة أقل لخيار العيب ورد السلعة، وإذا كانت صيغة النص القانوني تدل على أن النص مكمل وليس آمرا فيجوز الإتفاق على خلافه وتحديد مدة معينة لخيار العيب، والظاهر ان النص القانوني المشار إليه مكمل وليس آمراً (فقه المعاملات المالية المعاصرة وتطبيقاتها المعاصرة، أ.د. عبد المؤمن شجاع الدين، مكتبة الصادق جولة جامعة صنعاء الجديدة٢٠٢١م، ص١٨٣)، والله اعلم.