دعوى الغلط في الحساب بعد المخالصة | أ.د. عبدالمؤمن شجاع الدين

دعوى الغلط في الحساب بعد المخالصة | أ.د. عبدالمؤمن شجاع الدين

الأستاذ بكلية الشريعة والقانون – جامعة صنعاء

تقتضي إجراءات المخالصة في المعاملات التجارية والمالية تقتضي المقارنة بين حسابات اطراف المخالصة ومراجعة القيود المحاسبية والمستندات المؤيدة التي تدل على صحة القيود المحاسبية، وتتم المطابقة والمراجعة للحسابات قبل التوقيع على المخالصة للوقوف على الاغلاط والاخطاء التي قد تظهر نتيجة المطابقة والمراجعة، وفي ضوء نتائج ذلك تتم معالجة الاخطاء والاغلاط في الحسابات قبل التوقيع على المخالصة.

فالغرض من المخالصة هو تصفية الحسابات بين المتعاملين خلال الفترة السابقة للمخالصة، وبيان الدائن والمدين ومقدار الدين، وقد تتضمن المخالصة الاقرار بإستلام الدائن كافة حقوقه، وقد تتضمن المخالصة الاتفاق على كيفية وإجراءات سداد الدين، وبناء على ذلك لا يحق للمدين ان يدعي بعد توقيعه على المخالصة ان يدعي بوجود اغلاط في الحسابات التي شملتها المخالصة، حسبما قضى الحكم الصادر عن الدائرة التجارية بالمحكمة العليا في جلستها المنعقدة بتاريخ ٢٥/٤/٢٠١١م، وذلك في الطعن رقم (٤٤٠٧٠)، فقد ورد ضمن اسباب الحكم المشار اليه: (فنعي الطاعن غير وجيه، فقد ورد في اسباب حكم محكمة الموضوع ان الطاعن قد قام بسداد بعض المبالغ بموجب ما ورد في المخالصة التي تمت فيما بينه وبين المطعون ضده، كما ان الطاعن لم يقم برفع دعوى وجود غلط في حساب المديونية الا بعد ان قام المطعون ضده بتقديم طلب صدور امر اداء من المحكمة التجارية، فما ورد في المخالصة بمثابة اقرار بما في ذمة الطاعن ولا يصح له التراجع عن اقراره)، وسيكون تعليقنا على هذا الحكم حسبما هو مبين في الاوجه الآتية:

الوجه الأول: ماهية المخالصة في المعاملات المالية والتجارية: 

المخالصة هي وثيقة قانونية يتم تحريرها والتوقيع عليها من قبل المتعاملين في المعاملات المالية والتجارية كالبيع والشراء، وذلك لتسوية الحسابات والحقوق والإلتزامات التي كانت قائمة فيما بينهم خلال المدة السابقة للتوقيع على المخالصة، وذلك في المعاملات او الحسابات كلها او بعضها.

 ويتم تحرير المخالصة والتوقيع عليها من قبل اطراف المعاملة، وذلك بعد المقارنة بين حسابات الطرفين ومطابقتها ومراجعتها والتأكد من سلامتها، وقد تشمل المخالصة كل انواع المعاملات او بعضها، والتي تمت بين الطرفين خلال فترة التعامل، وقد تقتصر المخالصة على حساب واحد او بعضها او جميعها، وتظهر المخالصة الدائن والمدين ومقدار الدين، وقد تتضمن المخالصة الاقرار باستلام الدين، وقد تتضمن التزام المدين بسداد الدين خلال اجل معين وطريقة السداد واجراءاته.

وبعد التوقيع على المخالصة فانها تعد بمثابة إقرار نهائي من الاطراف الموقعة عليها بصحة وسلامة الحسابات التي شملتها المخالصة، والتي تم إعداد المخالصة بموجبها، واذا كانت المخالصة شاملة لكافة الحسابات والمعاملات بين الطرفين فان المخالصة تفيد إقرار اطرافها بعدم وجود اية حقوق أو إلتزامات أخرى غير ما ورد في المخالصة، وانها قد تضمنت كافة الحقوق والالتزامات وانه لم يتبق منها سوى ما ورد في المخالصة.

 ويتم تحرير المخالصة والتوقيع عليها لتجنب النزاعات المستقبلية بشأن الحقوق والالتزامات التي كانت قائمة بين الطرفين قبل التوقيع على المخالصة. 

وتهدف المخالصة إلى تحديد وتسوية جميع المبالغ المالية المستحقة والمدفوعة وتحديد حقوق كل طرف من اطراف المعاملة ومسئولياته بشأن الحقوق والإلتزامات المترتبة على الطرفين خلال الفترة السابقة للمخالصة، وتهدف المخالصة أيضاً إلى تسهيل تحصيل الحقوق والوفاء بالإلتزامات وتسهيل إنتقال الحقوق والإلتزامات. 

وقد يتم سداد كافة الحقوق قبل التوقيع على المخالصة، وعندئذ تتضمن المخالصة اقرار كل طرف بأن الطرف الآخر قد أوفى بإلتزاماته وقد استوفى حقوقه قبل التوقيع على المخالصة وانه لم يبق لاي طرف اي حق او دعوى او طلب، وتبعاً لذلك تكون المخالصة في هذه الحالة إبراء ذمة كل طرف من اطراف المخالصة من أية مطالبات في المستقبل. 

وتعد المخالصة بمثابة إنهاء للعلاقة التي كانت قائمة بين العملاء، وقد تنهي المخالصة العلاقة السابقة لها وتنشئ بدلها بعد المخالصة علاقة اخرى قد تكون مماثلة لسابقتها او مختلفة عنها.

 وقد لا تتضمن المخالصة الوفاء بالحقوق والالتزامات عند التوقيع عليها ولكنها تتضمن حصر الحقوق والديون المتبقية بين الطرفين وهي حصرا المذكورة في المخالصة التي تتضمن طريقة وإجراءات الوفاء بها او سدادها.

الوجه الثاني: تصحيح الاخطاء والاغلاط قبل التوقيع على المخالصة: 

ذكرنا فيما سبق انه من ضمن الاجراءات السابقة للمخالصة في المعاملات التجارية والمالية مطابقة حسابات الطرفين والمراجعة المستندية للتحقق من صحة القيود المحاسبية.

فلا يتم تحرير وثيقة المخالصة والتوقيع عليها إلا بعد مراجعة اطراف المخالصة لكافة حسابات المعاملات محل المخالصة وتدقيق المستندات المؤيدة لصحة القيود المحاسبية في حسابات طرفي المخالصة واثناء ذلك يتم تصحيح الاغلاط والاخطاء التي قد تشوب الحسابات، إذ يتم في الغالب التصريح في وثيقة المخالصة أن توقيع اطراف المخالصة على وثيقة المخالصة قد تم بعد مراجعتهم لحساباتهما وبعد التأكد من صحتها، فلا يتم التوقيع على وثيقة المخالصة الا بعد التأكد من صحة الحسابات وسلامتها من الاخطاء والاغلاط، بل أنه في بعض الحالات يتم النص في المخالصة على إعتبار بعض الحسابات جزءاً لا يتجزأ من وثيقة المخالصة، ويقوم أطراف المخالصة عند التوقيع على وثيقة المخالصة يقوموا ايضا بالتوقيع على الحسابات أو المستندات التي تم الاعتماد عليها في تحرير وثيقة المخالصة. 

وإذا كان اطراف المخالصة يتبعوا نظاماً محاسبياً سليماً ويمسكوا الدفاتر التجارية النظامية المنتظمة، فعندئذٍ تكون إجراءات المخالصة سهلة ويسيرة وقاطعة. 

أما إذا لم تكن حسابات المتعاملين على هذا النحو فان المخالصة قد تستغرق وقتا (التعليق على أحكام المحكمة العليا في مسائل الإقرار، أ.د. عبد المؤمن شجاع الدين، مكتبة الصادق جولة الجامعة الجديدة صنعاء، ٢٠٢٦م، ص٣٧٢). 

الوجه الثالث: بيانات المخالصة وملحقاتها: 

تتضمن وثيقة المخالصة البيانات الشخصية للأطراف الموقعين عليها وصفاتهم وإثبات أهليتهم الشرعية والقانونية لإجراء المخالصة وتاريخ إجراء وتحرير المخالصة وإثبات إطلاع الاطراف على حسابات ومستندات المعاملات محل المخالصة.

 وقد تتضمن وثيقة المخالصة الاقرار أنه قد تمت تصفية الحسابات بين الطرفين وسداد الدين المستحقة والوفاء بكافة الحقوق والالتزامات التي شملتها المخالصة والتي كانت قائمة قبل اجراء المخالصة.

 واذا كانت المخالصة شاملة ومنهية للمعاملات والعلاقة بين الطرفين المتخالصين فان المخالصة في هذه الحالة تتضمن عبارة: انه لم يعد لأي طرف اي حق أو طلب أو دعوى، ويتم تذييل وثيقة المخالصة بأسماء وتوقيعات اطراف المخالصة.

 وغالبا ما تكون هناك ملحقات لوثيقة المخالصة يتم التوقيع عليها مع وثيقة المخالصة (التعليق على أحكام المحكمة العليا في مسائل الشركات، أ.د. عبد المؤمن شجاع الدين، مكتبة الصادق جولة الجامعة الجديدة صنعاء، 2025م، ص137). 

الوجه الرابع: التكييف القانوني للمخالصة: 

 يتوقف تكييف اي فعل او تصرف او وثيقة على فهم ماهيته او مضمونه وقصد المتصرف او الفاعل، وقد سبق ان ذكرنا ان المخالصة قد تكون شاملة لكل المعاملات والحسابات التي كانت قائمة بين اطراف المخالصة، وان المخالصة قد تكون قاطعة ومنهية للعلاقة...الخ، وعلى النحو السابق بيانه.

وعلى هذا الاساس فان تكييف المخالصة يختلف باختلاف مضمونها، وبيان ذلك كما ياتي: 

أولاً: المخالصة والصلح: 

قد تكون المخالصة صلحا بين اطرافها اذا سبقها خلاف بين المتعاملين بشان بعض الصفقات او القيود المحاسبية، وقام الطرفان بعد ذلك بمراجعة الحسابات وتدقيق القيود المحاسبية محل الخلاف وتسويتها، ففي هذه الحالة تكون المخالصة صلحا لأنها حسمت نزاعا قائما بالفعل.

كما انه لا يخفى ان الغرض من المخالصة في غالب الاحوال هو حسم او قطع اي نزاع مستقبلي بين اطراف العلاقة التجارية او المالية حتى ولو لم يكن هناك خلاف قائم بشان الحسابات اثناء المخالصة، والقانون المدني اليمني يعرف الصلح بانه عقد يهدف الى رفع نزاع قائم او توقي نزاع مستقبلي، وبحسب هذه المفهوم فان فكرة الصلح هى الغالبة في تكييف المخالصة.

وعلى اساس هذا التكييف لا يصح لاي من طرفي المخالصة ان يدعي بوجود اخطاء او اغلاط في الحسابات التي شملتها وحسمتها المخالصة الموقعة بين الطرفين سيما اذا لم يشب المخالصة اي عيب من عيوب الارادة، وطالما قد انقضت المدة القانونية للادعاء ببطلان المخالصة.

ثانياً: المصالحة وإنهاء العلاقة وقطع الصلة: 

قد يستهدف المتعاملون من المخالصة انهاء العلاقة وتصفية الحقوق والالتزامات التي كانت قائمة فيما بينهم قبل التوقيع على المخالصة من غير ان يكون هناك خلاف بشان الحسابات، وعندئذ تكون المخالصة بمثابة وثيقة تدل على انهاء العلاقة السابقة وتصفية كافة اثارها.

الوجه الخامس: حجية وثيقة المخالصة: 

تكون لوثيقة المخالصة حجية المحرر العرفي الذي يكون موقعاً من أطرافه حسبما هو مقرر في قانون الإثبات، والأولى أن يتم الإشهاد على توقيع اطراف المخالصة، ومع أهمية التوقيع على وثبقة المخالصة إلا أن وثيقة المخالصة تظل محرراً عرفياً له حجية المحرر العرفي، فلا تكون محرراً رسمياً إلا إذا تم توثيقها لدى الجهة المختصة قانوناً (قلم التوثيق). 

الوجه السادس: دعوى الغلط في الحساب بعد المخالصة: 

قضى الحكم محل تعليقنا بعدم صحة دعوى الغلط في الحسابات محل المخالصة، بيد انه اذا كانت هنالك حسابات اخرى لم تشملها المخالصة فان يجوز للخصم ان ينازع فيها ويدعي بوجود اخطاء او اغلاط فيها وتقبل دعواه بالغلط اذا اثبت وجود الغلط. (التعليق على أحكام المحكمة العليا في مسائل الإقرار، أ.د. عبد المؤمن شجاع الدين، مكتبة الصادق جولة الجامعة الجديدة صنعاء، 2025م، ص٢٣٣). والله أعلم.

تعليقات