وجوب تحقق المحكمة من الغاء الفاتورة - عبدالمؤمن شجاع الدين
أ. د. عبد المؤمن شجاع الدين
الأستاذ بكلية الشريعة والقانون - جامعة صنعاء
الفاتورة عبارة عن وسيلة إثبات بيع وشراء البضاعة المذكورة فيها بالثمن المذكور في الفاتورة، فالفاتورة النقدية تثبت ان المشتري قد استلم البضاعة المذكورة فيها وان البائع قد استلم الثمن المذكور فيها، فالفاتورة لا يتم صدورها من البائع إلا بعد الاتفاق المسبق فيما بين البائع والمشتري.
وبناءً على ما تقدم فان الغاء الفاتورة يعني الغاء الصفقة او عملية البيع والشراء المذكورة في الفاتورة من البضاعة اي فسخ عقد البيع بحسب المفهوم الشرعي والقانوني، وفي بعض الاحوال قد يكون الغاء الفاتورة السابقة عبارة عن تصحيح او تعديل للبيانات الواردة في الفاتورة السابقة، وفي كل الاحوال ينبغي ان يسبق الغاء الفاتورة او تعديلها اتفاق فيما بين اطراف الفاتورة (البائع والمشتري)، ولذلك يجب على محكمة الموضوع ان تبحث مسالة الغاء الفاتورة لمعرفة اسباب ذلك وسلامة اجراءات الالغاء والتعديل ومدى اتفاق الطرفين على ذلك، حسبما قضى الحكم الصادر عن الدائرة التجارية بالمحكمة العليا في جلستها المنعقدة بتاريخ ٢٠-٢-٢٠١١م، في الطعن رقم (٤٤٨٢٢)، فقد ورد ضمن أسباب الحكم المشار إليه: (فقد وجدت الدائرة ان نعي الطاعن في محله، لان الخلاف قائم بين الطرفين بشان الاخذ بما ورد في الفاتورتين التي افاد المحاسب انهما ملغاة وانه طلب من المطعون ضده تقديم كعوب الفواتير للتأكد من ذلك غير ان المطعون لم يقدم ذلك، ولذلك فانه يجب على الشعبة بحث هذه المسالة تفصيلا)، وسيكون تعليقنا على هذا الحكم حسبما هو مبين في الاوجه الاتية:
الوجه الاول: ماهية فواتير البضاعة ودلالتها بصفة عامة:
الفواتير هي عبارة عن سندات ورقية او الكترونية يقوم البائع بإصدارها عند قيامه ببيع البضاعة وتسليمها المشتري، ولايتم اصدارها الا بعد الاتفاق بين البائع والمشتري بشان البيانات الواردة في الفاتورة.
وتحمل الفاتورة اسم وعنوان التاجر البائع، وتدون فيها بيانات عدة من أهمها: اسم البائع والمشتري ورقم الفاتورة وتاريخ إصدارها وأوصاف البضاعة المبيعة وكمياتها وثمن كل صنف منها على حدة والثمن الإجمالي للبضاعة كلها.
وتتكون الفاتورة من نسختين، اذ يقوم البائع بتسليم المشتري نسخة من الفاتورة ويحتفظ البائع بنسخة أخرى منها او ما يسمى بكعب الفاتورة الذي يحتفظ به البائع، ويقوم المشتري بقبض أو إستلام البضاعة بموجب الفاتورة، وتكون الفاتورة دليل قاطع على ملكية المشتري للبضاعة بالثمن المحدد في الفاتورة.
وقيمة ابضاعة المذكورة في الفاتورة قد تكون نقدا حالا او الى اجل اي الى وقت لاحق، كما ان الفاتورة قد تكون ورقية او الكتورنية، وفي الوقت الحاضر غالبا ما تكون الفاتورة الكترونية ترتبط ايضا بحسابات الكترونية، اذ يتم قيد كافة بيانات الفاتورة في الحسابات اليدوية او الالكترونية للطرفين اذا كانا معا من التجار.
وفاتورة البيع عبارة عن وثيقة تثبت عقد بيع البضاعة المذكورة فيها، إذ تتضمن الفاتورة البيانات الواجب توفرها في عقد البيع، وقد جرى العرف في دول العالم المختلفة على اعتبار الفاتورة وثيقة تثبت عقد بيع للبضاعة المذكورة فيها، وقد سبق لنا تناول هذه المسألة في أكثر من تعليق.
ومن المؤكد أن الفاتورة النقدية يتم تحريرها في العرف التجاري لإثبات إستلام المشتري للبضاعة المذكورة فيها وكذا إثبات إستلام البائع للثمن ونفاذ البيع، فالبائع لا يصدر الفاتورة النقدية إلا إذا كان قد قبض ثمن البضاعة، والمشتري لا يدفع الثمن المذكور في الفاتورة النقدية إلا اذا كان قد قبض البضاعة، مع مراعاة ان الثمن في بعض الفواتير قد يكون آجلا.
وفي كل الاحوال فان البيانات الواردة في الفاتورة يتم قيدها في حسابات التاجر الذي اصدر الفاتورة والمشتري الذي يشتري البضاعة بموجب الفاتورة، وتتم المطابقة بين الحسابين في فترات مختلفة للتأكد من تطابق بيانات الحسابين ومعالحة وتصويب الاختلاف بين الحسابين
الوجه الثاني: التكييف القانوني لفاتورة البيع:
المعتاد أن البائع عند قيامه ببيع البضاعة للمشترين هو الذي يقوم بإصدار الفاتورة التي تحمل اسم محله التجاري ويتم التوقيع عليها من قبله فقط إذا كان المشتري قد دفع القيمة نقداً، وتتضمن الفاتورة اسم المشتري واسم البائع وتاريخ البيع وأوصاف البضاعة محل البيع وثمنها.
وإذا كانت الفاتورة نقدية أي قام المشتري بدفع القيمة نقداً عند الشراء فإن الفاتورة تتضمن اسم المشتري غير أنها لا تتضمن توقيع المشتري، ومن المعروف أن الذي يقوم بكتابة البيانات في الفاتورة هو البائع وليس المشتري، فلا يكون اسم المشتري المذكور في الفاتورة توقيعاً من قبل المشتري على الفاتورة.
وبناءً على ذلك فأن فاتورة البيع النقدية الصادرة من البائع تهدف إلى إثبات بيع البضاعة المذكورة في الفاتورة وإستلام المشتري للبضاعة وتمام البيع والشراء بالثمن المحدد في الفاتورة، وتثبت الفاتورة إتفاق البائع والمشتري على البيانات الواردة في الفاتورة، ولهذا فان الفاتورة عبارة عن عقد بيع، بيد أنها لا تحمل إلا توقيع البائع فقط. (التعليق على احكام المحكمة العليا في المحررات، أ.د. عبد المؤمن شجاع الدين، مكتبة الصادق جولة الجامعة الجديدة صنعاء ٢٠٢٥م، ص١٧٤).
الوجه الثالث: حجية الفاتورة النقدية الصادرة من البائع التي لا يقوم بالتوقيع عليها المشتري:
ذكرنا فيما سبق أن الفاتورة بمثابة عقد بيع مكتوب بالنظر إلى البيانات الواردة في الفاتورة والاتفاق المسبق بشانها إلا أنه ينقصها عدم وجود توقيع للمشتري عليها، غير أن العرف التجاري قد أستقر في العالم كله أن المحلات التجارية حينما تقوم ببيع السلع لزبائنها نقداً تقوم بإصدار فواتير باسم المحل، فلا تحمل فاتورة البيع النقدية إلا اسم وتوقيع البائع فقط،، والعرف في المعاملات التجارية محل إعتبار في القانون التجاري اليمني وفقاً للمادة (6) التي نصت على أنه: (إذا لم يوجد نص قانوني يمكن تطبيقه حكم القاضي بموجب أحكام الشريعة الإسلامية فإن لم يوجد حكم بموجب العرف ويقدم العرف الخاص أو العرف المحلي على العرف العام وإن لم يوجد عرف طبقت مبادئ وقواعد العدالة، على أنه بالنسبة لوسائل الإثبات تطبق القواعد المتعارف عليها في المعاملات التجارية)، فهذا النص يصرح بأنه بالنسبة لإثبات المعاملات التجارية يتم العمل بالعرف السائد، ومن المعروف أن العرف قد جرى على إعتبار الفاتورة وسيلة إثبات معاملة تجارية وهي البيع والشراء.
الوجه الرابع: الغاء الفاتورة:
ذكرنا فيما سبق ان الفاتورة تثبت عملية البيع والشراء وان طرفيهما هما البائع والمشتري، وبناء على ذلك فان الغاء الفاتورة بعني الغاء عملية البيع المذكورة فيها.
وعلى ذلك فان الغاء الفاتورة يعني فسخ عقد البيع المذكور فيها، ومؤدى ذلك انه لا يجوز لاي من طرفي الفاتورة الانفراد بإلغاء الفاتورة، وانه يجب الاتفاق بين الطرفين في هذا الشأن، لان الغاء الفاتورة تترتب عليه بعض الاثار على الطرفين ومنها تسوية الحسابات، لان بيانات الفاتورة يتم قيدها في حسابات الطرفين كما تتعلق بالغاء الفاتورة بعض الاثار المتعلقة بالضرائب.
الوجه الخامس: تصحيح الفاتورة:
في بعض الاحوال قد تقع في الفاتورة بعض الاخطاء او قد يتم الاتفاق بين الطرفين على تعديل بعض بيانات الفاتورة، ولهذا الغرض يتم الغاء الفاتورة السابقة وتحرير فاتورة بديلة لها، وفي هذه الحالة ينبغي ان تتم عملية الاستبدال بعد الاتفاق بين الطرفين، لان الالغاء والتعديل يعني الطرفين وله اثاره المشتركة على الطرفين.
الوجه السادس: وجوب بحث محكمة الموضوع لمسالة الغاء الفاتورة:
لما كان الغرض من الفاتورة اثبات عملية البيع والشراء بين الطرفين وهما البائع والمشتري، فان الغاء الفاتورة بعني الغاء عملية البيع المذكورة فيها، وبما انه يترتب على الغاء الفاتورة اثار مشتركة بين الطرفين اضافة الى الضرائب، وبما ان الغاء الفاتورة يجب ان يتم بمعرفة الطرفين، ولذلك فانه يجب على محكمة الموضوع ان تبحث هذه المسائل عند نظرها للخلاف بين الطرفين بشان الغاء الفواتير، لأهمية وجوهرية هذه المسالة في معرفة حقيقة النزاع حسبما قضى الحكم محل تعليقنا. (التعليق على احكام المحكمة العليا في المحررات، أ.د. عبد المؤمن شجاع الدين، مكتبة الصادق جولة الجامعة الجديدة صنعاء ٢٠٢٥م، ص١٧٢)، والله اعلم.