القسمة الضِّيزَى في القضاء اليمني | أ. د. عبد المؤمن شجاع الدين، الأستاذ بكلية الشريعة والقانون - جامعة صنعاء

القسمة الضِّيزَى في القضاء اليمني | أ. د. عبد المؤمن شجاع الدين، الأستاذ بكلية الشريعة والقانون - جامعة صنعاء

القسمة الضِّيزَى (بضاد معجمة وياء مثناة تحت) مصطلح لغوي قرآني، وتعني: القسمة الجائرة، الظالمة، أو غير العادلة، التي يستحوذ فيها أحد الورثة أو بعضهم على الأموال الثمينة أو المهمة من أموال التركة فتزيد أنصبتهم مقابل نقصان أنصبة الآخرين، حسبما قضى الحكم الصادر عن الدائرة الشخصية بالمحكمة العليا في جلستها المنعقدة بتاريخ ١٠/٣/٢٠١٢م، وذلك في الطعن رقم (٤٤١٨٢) المسبوق بالحكم الابتدائي الذي ورد ضمن اسبابه: (فالمحرر المؤرخ.... لا يمكن اعتباره محرر قسمة لتركة المورث، وهو جد الطرفين ، لان مورث المدعى عليهم استحوذ على تركة ابيه ، اضافة الى ان بقية الورثة لم يشاركوا في تلك القسمة ولم يعلموا بها كما ان تلك القسمة لا تتفق مع المواد (١١٩٧و١٢١٢ و ١٢١٨) من القانون المدني)، وقد قضت الشعبة الاستئنافية بتأييد الحكم الابتدائي ، وعند الطعن بالنقض في الحكم الاستئنافي اقرت الدائرة الشخصية بالمحكمة العليا الحكم الاستئنافي ، وقد ورد ضمن اسباب حكم المحكمة العليا: (فقد تبين ان اسباب الطعن متعلقة بوقائع النزاع وقد ناقشتها محكمة الموضوع في حكمها وتوصلت الى نتيجة صحيحة موافقة للشرع والقانون ،مما يتعين رفض الطعن) ، وسيكون تعليقنا على هذا الحكم حسبما هو مبين في الاوجه الاتية:

الوجه الاول: معنى القسمة الضِّيزَى:

هى القسمة الجائرة الظالمة التي يستحوذ فيها احد الورثة او بعضهم على غالبية اموال التركة ويحرموا بقية الورثة من الحصول على انصبتهم كاملة.

والقسمة الضِّيزَى (بضاد معجمة وياء مثناة تحت). هي مصطلح لغوي قرآني ،وتعني: القسمة الجائرة، الظالمة، أو غير العادلة.

 وقد وردت هذه الكلمة في القرآن الكريم في سورة النجم، حين قال الله تعالى: ﴿أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنثَىٰ * تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَىٰ﴾.

فقد جاءت هذه الآية لتوبيخ المشركين وإنكار منطقهم؛ فقد كان أهل الجاهلية يكرهون البنات، فإذا وُلدت لأحدهم بنت ظلّ وجهه مسودّاً وهو كظيم. ومع ذلك، فقد كانوا ينسبون الملائكة -الذين يعبدونهم- إلى الله تعالى ويقولون إنهم "بنات الله"، بينما يختارون لأنفسهم الذكور.

فردّ الله عليهم مبيناً فساد منطقهم؛ فكيف ترضون لأنفسكم الأفضل وتنسبون لله ما تكرهون؟ ووصف الله هذه التفرقة والتقسيم بأنها "قسمة ضيزى" أي قسمة جائرة ومائلة عن الحق والعدل.

فمعنى القِسْمَةٌ الضِيزَىٰ: القسمة الناقصة، الجائرة، أو المعوجة، فكلمة ضِيزَى مأخوذة من الفعل (ضَازَ - يَضِيزُ) إذا جار وظلم، و(ضَازَه حَقّه) أي نقصه وبخسه إياه. 

وصفوة القول : ان القسمة الضِيزَى هي القسمة الجائرة او الظالمة او المعوجة ، التي يظلم فيها بعض الورثة او الشركاء عند قسمة اموال التركة او الاموال المشتركة.

الوجه الثاني: مظاهر الظلم والجور في قسمة اموال التركة:

حدد الله سبحانه وتعالى انصبة الورثة وحدد مقاديرها في ايات تتلى أنآء الليل واطراف النهار ، وذكر الله تعالى بعد آيات المواريث ان المواريث فرائض الله وحدوده التي يجب العمل بها وعدم تجاوزها والوقوف عند حدودها ، وذلك بقوله تعالى :(وتلك حدود الله..) .

وبناءً على ذلك يجب على القسام سواء في القسمة الاختيارية او الجبرية ان يباشر اجراءات القسمة بطريقة تؤدي الى حصول كل وارث على نصيبه الشرعي المقرر في الشريعة الاسلامية وذلك من تركة مورثه من غير زيادة او نقصان .

لان الزيادة والنقصان في انصبة الورثة يجعل القسمة ضيزى اي ظالمة او جائرة حسبما سبق بيانه،

ونكتفي بالإشارة إلى بعض مظاهر الجور والظلم في قسمة التركة التي تجعلها قسمة ضيزى، ونشير الى ذلك كما يأتي:

أولاً: عدم إدراج بعض اموال التركة ضمن كشف حصر اموال التركة:

سيما النقود والمنقولات الثمينة التي يسهل اخفاؤها والاستيلاء عليها من قبل بعض الورثة الجشعين ، فهذا الامر يؤدي الى زيادة انصبة الورثة الظلمة على حساب الورثة المظلومين الذين تنقص انصبتهم ، وهذا الامر صورة من صور القسمة الضيزى التي ذمها الله تعالى حسبما سبق بيانه.

ثانياً: التلاعب في تثمين اموال التركة سواء بالمبالغة في اثمان بعض اموال التركة او نقصان الاثمان،

سيما حينما يتم اخراج نصيب احد الورثة نقدا سيما النساء فيتم انقاص الاثمان حتى يكون نصيبها من النقود اقل من القيمة الحقيقة لاموال التركة.

وقد يقع التلاعب عن طريق زيادة اثمان اموال التركة حينما يريد الوارث الظالم استخراج نصيبه من التركة نقدا، وهذه الوسيلة تؤدي الى زيادة انصبة بعض الورثة على حساب نقصان انصبة الورثة الاخرين ، ولذلك فهذا الامر صورة من صور القسمة الضيزى التي سبقت الاشارة اليها.

ثالثاً: بعثرة نصيب بعض الورثة على هيئة اجزاء صغيرة في كل اموال التركة مما يقلل من منفعتها وقيمتها، 

وهذا السلوك يؤدي الى نقصان انصبة بعض الورثة، مما يجعل القسمة ضيزى.

رابعاً: اخراج انصبة الورثة الى اموال نائية او غير مقدور على استلامها او متنازع عليها او قليلة القيمة او الاهمية او المنفعة،

مما يؤدي الى نقص قيمة او منفعة نصيب الوارث على حساب زيادة انصبة الاخرين مما يجعل القسمة ضيزى .

خامساً: اجبار او اكراه او الاحتيال او احراج بعض الورثة على التنازل او التصرف بانصبتهم او ببعض انصبتهم الى وارث اخر، 

ويحدث هذا كثيرا في قسمات كثيرة سيما مع النساء، مما يؤدي الى حرمان بعض الورثة من انصبتهم كلها او بعضها وبالمقابل يؤدي هذا السلوك الى زيادة انصبة الورثة الذين تم التنازل لهم، ولذلك فان هذه الصورة من صور القسمة الضيزى.

سادساً: تعمد اطالة اجراءات القسمة من قبل الورثة الذين تكون اموال التركة في قبضتهم،

حتى يحتكر هؤلاء الانتفاع واستغلال اموال التركة وعائداتها دون الورثة الاخرين مما ينتقص من حقوق بعض الورثة لصالح الورثة الاخرين، ولذلك فان هذه الصورة من صور القسمة الضيزى.

سابعاً:  القيام بالقسمة وعدم تسليم الفصول الى بعض الورثة او عدم تطبيق الفصول وتسليم اصحاب الفصول الأموال التي صارت لهم بموجب تلك الفصول،

فتظل الاموال في حوزة غير اصحاب الفصول لمدد طويلة ، وهذا يؤدي الى نقصان حقوق اصحاب هذه الفصول لصالح الورثة الذين بحوزتهم تلك الاموال، وهذه صورة اخرى للقسمة الضيزى.

ثامناً: مضايقة بعض الورثة حتي يتصرف بنصيبه او يتركه للورثة الاخرين، 

وهذه ايضا صورة من صور القسمة الضيزى. (التعليق على أحكام المحكمة العليا في مسائل القسمة الجزء الرابع ، أ. د. عبد المؤمن شجاع الدين، مكتبة الصادق جولة جامعة صنعاء الجديدة ٢٠٢٦م، ص ٤٣٠)، والله اعلم.

صورة تعبيرية لمكتبة قانونية تضم ميزان عدالة مائل وأوراق تركات ومطرقة قاضٍ، مع إطلالة على مباني صنعاء القديمة، وشعار مدونة الدكتور عبدالمؤمن شجاع الدين.
تعليقات