وقت المبادلة والمقايضة في فروز القسمة
أ.د. عبدالمؤمن شجاع الدين
الأستاذ بكلية الشريعة والقانون - جامعة صنعاء
فروز القسمة أو فصول القسمة هي عبارة عن وثائق تتضمن فرز وتعيين وتحديد نصيب كل وارث على حدة في فصل أو فرز خاص به أي في وثيقة خاصة به.
وفي حالات كثيرة تتساوى أنصبة بعض الورثة من التركة المقسومة مثل تساوي أنصبة الذكور من أولاد المورث وتساوي أنصبة بنات المورث أو زوجات المورث... إلخ.
وتأكيداً على أن قسمة التركة كانت عادلة وأن فروز المتقاسمين المتساويين في النصيب متساوية أيضاً فإن من يتولى القسمة لا يضع اسم الوارث المقاسم على وثيقة الفرز إلا بعد أن يتم تخيير الورثة المتساوية أنصبتهم في الفرز الذي يرغبوا في اختياره، وإذا تعذر التراضي في توزيع الفروز المتساوية، فإنه يتم تسوية هذه المسألة عن طريق القرعة فيما بين الورثة الذين تتساوى أنصبتهم.
ولاريب أنه ينبغي أن يكون هناك وقتاً محدداً لتبادل الفروز حتى يتم حسم أمر القسمة وتمييز الفروز وتطبيقها في الواقع وحيازة كل وارث نصيبه الشرعي، وتستقر المراكز القانونية للمتقاسمين، وعلى هذا الأساس لا يقبل القاضي طلب الوارث بتبادل فرزه مع الوارث المساوي له في النصيب إذا كان هذا الوارث قد استلم فرزه أو فصله وحاز وقبض الأموال المذكورة في فرزه، حسبما قضى الحكم الصادر عن الدائرة الشخصية بالمحكمة العليا في جلستها المنعقدة بتاريخ ٣٠-٥-٢٠١٢م في الطعن رقم (٤٤٩٩١)، المسبوق بالحكم الاستئنافي الذي ورد ضمن أسبابه:
"أما مطالبة المستأنف بمبادلة الفروز فغير مقبول بعد مضي ما يقارب من أربعين سنة على القسمة مما يتعين رفض استئنافه"
وعند الطعن بالنقض في الحكم الاستئنافي أقرت الدائرة الشخصية بالمحكمة العليا الحكم الاستئنافي، وقد ورد ضمن أسباب حكم المحكمة العليا:
"إن الحكم الاستئنافي جاء موافقاً للشرع والقانون لما علل به واستند إليه بتأييده للحكم الابتدائي فيما قضى به، وعدم استناد الطعن لأية حالة من حالات الطعن بالنقض المقررة في المادة (٢٩٢) مرافعات"
وسيكون تعليقنا على هذا الحكم حسبما هو مبين في الأوجه الآتية:
الوجه الأول: مبادلة الفروز لا تكون إلا بين أصحاب الأنصبة المتساوية:
الفروز أو الفصول أو التخاريج هي: عبارة عن محررات يتم فيها تدوين الأموال التي صارت من نصيب كل وارث من الورثة على حدة، إذ يتم تسليم كل وارث فصله الذي يتضمن بيانات الأموال التي صارت من نصيبه بموجب القسمة لتركة المورث.
وفي حالات كثيرة تتساوى أنصبة بعض الورثة حيث تتساوى أنصبة أولاد المورث الذكور فيما بينهم وكذا أنصبة بنات المورث وكذا أنصبة زوجات المورث إن له أكثر من زوجة وكذا أنصبة الإخوة والأخوات إذا كانوا وارثين... إلخ.
وعلى هذا الأساس فإنه يفترض أن تكون فصول الورثة أصحاب الأنصبة المتساوية أن تكون فصولهم أو فروزهم أيضاً متساوية، وبناءً على ذلك، وتحقيقاً للعدل وإثباتاً لعدالة القسمة وأنها تمت مطابقة للأنصبة الشرعية، وأن فصول الورثة قد تم تحريرها على هذا الأساس.
لذلك فإنه بالإمكان تبادل الفروز بين الورثة المتساوين في الأنصبة، طالما أن الأموال المذكورة في هذه الفصول متساوية، وقد يتم تبادل الفصول بالتراضي فيما بين الورثة، كما قد يتم ذلك عن طريق القرعة.
الوجه الثاني: طريقة توزيع الفصول المتساوية بين الورثة:
عندما تتساوى الفصول بين الورثة المتساوين في الأنصبة لا تتم كتابة اسم الوارث على الفصل، إذ يتم عرض الفروز المتساوية على الورثة الذين تتساوى أنصبتهم للتراضي فيما بينهم، وبعد التراضي على الاختيار تتم كتابة الأسماء بحسب نتيجة التراضي.
فإذا تعذر التراضي فيما بين الورثة المتساوية أنصبتهم فيتم حسم هذه المسألة عن طريق القرعة، وهي وضع الفصول أو الفروز في ظروف كاكي غير شفافة متماثلة، فتعرض الظروف على الورثة، فيبدأ الأكبر في الاختيار فالأصغر.
وتبادل الفروز يدل على أن القسام قد بذل جهده وتحرى في تقسيم أموال التركة وتحديد نصيب كل وارث بحسب الفرائض الشرعية، ولذلك يقوم القسام بإجراء القرعة بين الورثة أصحاب الفصول المتماثلة، وقبل إجراء القرعة يقوم القسام بعرض الفصول على الورثة المتماثلين في الأنصبة لاختيار كلٍ واحد منهم للفصل الذي يراه مناسباً له، وذلك عن طريق التراضي فيما بين الورثة أنفسهم، فإن تعذر التراضي قام القاضي بإجراء القرعة على تلك الفصول، ولغرض إتمام عملية الاختيار بين الورثة المتماثلين في الأنصبة، فإن القسام لا يكتب أسماء الورثة في الفصول المتماثلة حتى يتم حسم توزيع الفصول المتماثلة بين الورثة، فيترك القسام كتابة أسماء الورثة المتماثلين إلى ما بعد تمام الاختيار أو إجراء القرعة على الفصول، وفي بعض الأحيان يقوم القسام نفسه بتوزيع الفصول المتماثلة على الورثة أصحابها من غير أن يرجع القسام إليهم للتراضي على توزيعها بينهم، ومن غير أن يقوم بإجراء القرعة بينهم.
الوجه الثالث: معنى مبادلة الفروز أو تبادلها:
معنى ذلك أن يقوم الورثة المتساوون في الأنصبة بتبادل فروز القسمة بعد استلام كل واحد منهم لفرزه وقبل قبضه للأموال المذكورة في فصله، فعند استلام الوارث لفرزه قد يجد أن الأموال المذكورة في فرزه أو فصله لا تناسبه وإنما تناسب وارث آخر، فيطلب تبادل فرزه مع ذلك الوارث، وتتم عملية تبادل الفروز بالتراضي بين الورثة أنفسهم، ولا يتم فرض التبادل على الوارث إذا كان توزيع الفروز قد تم عن طريق القرعة.
الوجه الرابع: نطاق المبادلة في الفروز المتماثلة:
- إذا كان توزيع الفروز بين الورثة قد تم بموجب قسمة جبرية فلا يجوز لأي من الورثة أن يطلب مبادلة فصله بفصل غيره من الورثة المماثلين له إلا إذا وافق الوارث الذي يريد المبادلة بفصله.
- كذلك الحال إذا كان توزيع الفصول بين الورثة قد تم على أساس التراضي والقبول فيما بين الورثة جميعاً، لأن ذلك التراضي والقبول من قبل الورثة جميعاً يعتبر بمثابة اتفاق على توزيع الفصول، فلا يجوز لأي منهم العدول عن هذا الاتفاق إلا إذا وافق الوارث الآخر المطلوب المبادلة بفصله.
- كذلك لا يجوز للوارث أن يطلب مبادلة فصله إذا كانت عملية توزيع الفصول قد تمت بموجب قرعة إلا إذا قبل الوارث المطلوب مبادلة الفصل معه.
- ويحق لأي من الورثة المتماثلين في الأنصبة أن يطلب مبادلة فصله بفصل غيره من الورثة المماثلين له إذا كان القسام قد قام بتوزيع الفصول من تلقاء نفسه من غير قرعة أو اتفاق بين الورثة المماثلين له.
- غير أنه لا يحق لأي وارث المطالبة بالمبادلة التي يترتب عليها إعادة الورثة إلى حالة الشيوع وإعادة القسمة كلياً أو جزئياً إلا إذا اتفق جميع الورثة على ذلك.
الوجه الخامس: وقت المطالبة بمبادلة الفروز:
الوقت المناسب لذلك: هو بعد استلام الوارث لفصله مباشرة، وقبل تنفيذ الفصول أو تطبيقها على الواقع وتمييز وتعين نصيب كل وارث في الواقع وحيازة واستلام كل وارث للأموال التي صارت من نصيبه بموجب الفصل الذي استلمه.
غير أنه ليس هناك ثمة مانع شرعي وقانوني من مبادلة الفصول بالتراضي بين الورثة في أي وقت، أما الطلب القضائي بإجراء المبادلة بعد تطبيق الفصول وتمييز الأنصبة بموجب الفصول فلا يجوز ذلك، إذ أن تمييز الأنصبة بموجب الفصول يعد بمثابة التسليم الفعلي لنصيب الوارث، فلا يجوز للوارث بعد قبض نصيبه وقبوله به أن يطالب من القضاء مبادلة فصله بفصل مماثل له حسبما قضى الحكم محل تعليقنا.
الوجه السادس: توثيق عملية مبادلة الفصول بين الورثة المتماثلة فصولهم:
إذا كانت قد تمت كتابة اسم كل وارث في الفصل الخاص به وبعد ذلك تمت عملية التبادل، فعندئذ يتم إثبات وتوثيق عملية المبادلة في ظهر الفصول التي تمت مبادلتها بما يفيد تمام المبادلة وتاريخ إجرائها وتوقيعات الوارثين المتبادلين والشهود على المبادلة وكاتب المبادلة.
الوجه السابع: المناقلة أو المقايضة بين الورثة بعد تبادل الفروز:
قد يجد الوارث أن وجود بعض الأموال في فرزه لا يناسبه من حيث مكان وجود المال أو مزروعاته... إلخ، ولذلك يطلب الوارث نقل ذلك المال من فصله إلى فصل وارث آخر وإبدال ذلك المال بمال آخر يرى أنه يناسبه.
وتعد المناقلة في هذه الحالة عبارة عن مبادلة جزئية لجزء من الأموال المذكورة في الفصل، وتتم المناقلة بالتراضي فيما بين الوارثين المتناقلين وفي أي وقت، ويتم التأشير بظاهر الفصل بما يفيد المناقلة وتاريخ وقوعها والتوقيعات اللازمة.
وقد أطلق القانون المدني اليمني على المناقلة مصطلح (المقايضة)، وفي هذا الشأن نصت المادة (٥٨٥) من هذا القانون على أن:
"المقايضة هي تبادل مال بمال ليس من النقود وتسري عليها أحكام البيع بالقدر الذي تسمح به طبيعتها ويعتبر كل من المتقايضين بائعاً للشيء الذي قايض به ومشترياً للشيء الذي قايض عليه، ويتحمل المتقايضان المصاريف مناصفة مالم يوجد اتفاق بغير ذلك"
ومن خلال استقراء هذا النص يظهر أن المناقلة أو المقايضة بين الورثة المتقاسمين تقع بعد استلام الفصول أو الفروز وقبض الأموال المذكورة في الفصول، ويظهر أن أحكام البيع تنطبق على المقايضة أو المناقلة في هذه الحالة، فكأنما المقاسم اشترى نصيب المقاسم الآخر بنصيبه، أما قبل قبض واستلام المقاسم لفصله فلا تطبق أحكام المقايضة على تبادل الفصول بين الورثة المتقاسمين. (التعليق على أحكام المحكمة العليا في مسائل القسمة الجزء الرابع، أ.د. عبدالمؤمن شجاع الدين، مكتبة الصادق جولة جامعة صنعاء الجديدة ٢٠٢٦م، ص١٤٩). والله أعلم.