طلاق الفار في القانون اليمني
أ. د. عبد المؤمن شجاع الدين
الأستاذ بكلية الشريعة والقانون - جامعة صنعاء
الفار: هو الزوج الذي يطلق زوجته في مرض موته حتى يفر من توريثها بعد موته ، وقد سكت القانون اليمني عن بيان حكم الزوج الفار من توريث زوجته، إذ نصت المادة (60) من قانون الاحوال الشخصية اليمني على ان: (يقع الطلاق من زوج مختار مكلف او من وكيله...الخ) ، وهذا النص يشترط لوقوع الطلاق ان لا يكون الزوج المطلق مكرها وان يكون الزوج بالغا عاقلا راشدا مدركا لأقواله وافعاله، ويفهم من هذا النص ان المريض مرض الموت اذا كان مدركا لأقواله عند تلفظه بالطلاق فانه طلاقه يقع صحيحا طالما انه ليس مكرها على ذلك .
ومن جهة اخرى عرف القانون المدني اليمني مرض الموت في المادة (470) التي نصت على ان: (مرض الموت هو المرض الذي يغلب فيه ظن الهلاك ويتصل بالوفاة ،وفي حكم مرض الموت من خرج لملاقاة العدو ومن اصيب في حادث مهلك)، وهذا التعريف غير منضبط قياسا بتعريف الفقهاء او القوانين الاخرى.
إضافة الى القانون المدني اليمني لم بتعرض الى تأثير مرض الموت على طلاق المريض ، واكتفى بالتعرض الى اثار مرض الموت على عقد البيع والهبة .
فقد نصت المادة (٤٦٩) مدني يمني على ان : (بيع المريض مرض الموت لوارثه موقوف على إجازة سائر الورثة ،وبيعه لغير وارثه بثمن المثل تو بغبن يسير صحيح، والغبن اليسير هو ما لم يكن خارجا عما يقرره العدول، اما بيعه لغير وارثه بغبن فاحس فيأخذ فيه ما نقص من ثمن المثل حكم الوصية ما لم يظهر تواطؤ على حرمان الورثة)، ومعنى هذا النص ان تصرفات المريض مرض لا تكون باطلة.
وعلى هذا الاساس فان طلاق المريض مرض الموت يزيل الزوجية اذا كان الطلاق بائنا فلا ترث المرأة المطلقة طلاقا بائنا اذا وقع طلاقها اثناء مرض الموت بخلاف المطلقة طلاقا رجعيا اثناء مرض الموت فانها ترث ، لانها اثناء عدتها زوجة حكمية.
بيد ان سكوت القانون اليمني وعدم تصريحه بحكم الزوج الفار لا يعني ان الزوج الفار قد افلت من الجزاء القانوني الدنيوي ، لان قانون الأحوال الشخصية اليمني قد احال حكم المسائل المسكون عنها الى الدليل الشرعي القوي ، وفي هذا الشان نصت المادة (٣٤٩) من قانون الاحوال الشخصية اليمني على ان: (كل ما لم يرد به نص في هذا القانون يعمل فيه بأقوى الادلة في الشريعة الاسلامية) . وبما انه لم يرد في القانون اليمني نص صريح بشان طلاق الفار او الطلاق اثناء مرض الموت فانه يتم العمل بالدليل القوى في الشريعة الاسلامية، وقد ذهب غالبية الفقه الاسلامي المعاصر الى توريث المطلقة بطلاق الفار، لان مرض الموت في غالب أحواله يؤثر على إدراك المريض والقدرة العقلية له، إضافة إلى أن بعض المرضى اثناء مرضهم مرض الموت يعمدون الى حرمان بعض الورثة من الميراث وفي مقدمتهم زوجة المريض ، فضلا عن ان بعض الازواج المرضى بمرض الموت قد يتعرضوا الى ضغوط وتأثيرات من بعض الورثة لحمل المريض على طلاق زوجته سيما اذا لم يكن لها اولاد من زوجها المطلق فرارا من توريث زوجته، فالغرض من الطلاق في هذه الحال هو الفرار من ان ترث زوجته منه ، لأن مرض الموت في بعض الحالات يؤثر على إدراك المريض وإختياره ، ولذلك فأنه لا يصح، حسبما قضى الحكم الصادر عن الدائرة الشخصية بالمحكمة العليا في جلستها المنعقدة بتاريخ 22-1-2012م في الطعن رقم (43755)، المسبوق بالحكم الاستئنافي الذي قضى بأنه: (من خلال الاطلاع على الدفع والرد وسماع أقوال الطرفين وشهادة الشهود التي دلت على أن المتوفي... كان مريضاً مرض الموت ، وكان قعيد الفراش لا يتحرك ، وانه كان يدرك الأشخاص ولكنه لا يدرك أفعاله، وانه قد طلقها وهو في تلك الحالة)، وعند الطعن بالنقض في الحكم الاستئنافي أقرت الدائرة الشخصية الحكم الاستئنافي، وقد ورد ضمن أسباب حكم المحكمة العليا: (ومن المعلوم أن من أسباب التوارث النكاح الصحيح فإن لم يكن كذلك ومات الزوج فلا ترثه فقد كان نكاح المذكورة باطلا وكذا طلاقه، لان الشهود قد شهدوا بان الرجل قد طلقها في مرض الموت)، وسيكون تعليقنا على هذا الحكم حسبما هو مبين في الأوجه الآتية:
الوجه الاول: تعريف مرض الموت في الفقه الإسلامي:
عرف الفقهاء مرض الموت بعدة تعاريف , فقد جاء في الفتاوى الهندية : ((المريض مرض الموت هو من لا يخرج لحوائج نفسه ...)) وقال بعضهم بأن المريض مرض الموت هو صاحب فراش اي طريح الفراش.
وقال ابن عابدين:(( كونه صاحب فراش ليس بشرط لكونه مريضا مرض الموت بل العبرة للغلبة ، ولو الغالب من هذا المرض فهو مرض الموت، وان كان يخرج من البيت ))، ويقول ابن عابدين ايضا : (( ان علم ان به مرضا مهلكا غالبا، وهو يزداد الى الموت ، فهو المعتبر ، وان لم يعلم انه مهلك، يعتبر العجز عن الخروج للمصالح ))، وقال الكاساني : ((مرض الموت هو الذي يقعد الانسان عن عمله المعتاد في حال الصحة، فيقعد الرجل عن عمله خارج البيت ويقعد المرأة عن عملها في البيت. وروى الحسن بن زياد عن ابي حنيفة انه قال :- المريض الذي اذا طلق امرأته كان فارأ، هو ان يكون مضنى لا يقوم إلا بشدة ، وهو في حالة يعذر في الصلاة جالسا)).
وقال جماعة من الفقهاء غير ذلك فعرفه ابن الهمام، بانه : ((المرض الذي يخاف منه الهلاك غالبا وان يكون بحالة لا يقوم بحوائجه كما يعتاد الاصحاء ، ولا فرق بين ما اذا كان بذلك السبب او بسبب اخر كصاحب الفراش بسبب المرض اذا قُتل ))، وعرفه الرملي بانه: كل ما يستعد بسببه للموت بالاقبال على العمل الصالح.
اما الشيرازي فعرفه بانه المرض الذي لا يؤمن معه معاجلة الموت.
في حين يعرفه المحقق الحلي بانه المرض الذي يتحقق به الموت سواء كان مخوفا او لم يكن مخوفا.
وقيل: هو ما يكون الغالب فيه الموت كالسل وحُمى الدق وقــذف الدم.
فقد اختلف الفقهاء في تعريف مرض الموت إلى عدة أقوال:
فقد ذهب الشافعية إلى تعريف مرض الموت بأنه: المرض الذي يستتبعه الموت غالباً.
وذهب المالكية إلى أن مرض الموت: هو المرض الذي حكم الطب بكثرة الموت به كالسل والقولنج والحمى القوية.
وعرّف الحنابلة مرض الموت بأنه: ما يكثر حصول الموت منه واتصل به الموت.
ويندرج عند الفقهاء ضمن مفهوم المريض مرض الموت الشخص المحكوم عليه بالإعدام والشخص الذي يتبارز مع آخر والشخص الذي يبقى على خشبة من السفينة بعد غرقها،(الوحيز في احكام الاسرة، ا. د. عبد المؤمن شجاع الدين، مكتبة خالد بن الوليد صنعاء ٢٠٢٢م ص56) .
ويمكن القول بان جمهور الفقه الاسلامي يرى ان مرض الموت هو المرض الذي مات فيه الزوج الفار مطلقا ولا يتعين المرض ان كان مرض موت او مرض شفاء الا بعد الوفاة ، ولذلك تبقى عقود المريض واقراراته صحيحة ومعتبرة ما دام حيا فلا يجوز الاحتجاج بالمرض لإبطال تصرفاته الا بعد وفاته.
ولو تأملنا في تعاريف الفقهاء واقوالهم بشان مرض الموت لتكشف لنا ان اختلاف الفقهاء لم ينصب على حقيقة مرض الموت ومفهومه، وانما انصب على اماراته وعلاماته .
ويمكن القول بعد هذا كله ان مرض الموت هو المرض الذي يغلب فيه ان ينتهي بالموت، ومن هنا فانه لا يمكن الجزم بان المرض مرض موت او مرض شفاء الا اذا تحقق الموت فعلا .
الوجه الثاني: تعريف مرض الموت في القانون:
عرف القانون المدني اليمني مرض الموت في المادة (470) التي نصت على ان: (مرض الموت هو المرض الذي يغلب فيه ظن الهلاك ويتصل بالوفاة ، وفي حكم مرض الموت من خرج لملاقاة العدو ومن اصيب في حادث مهلك) وقد ترك هذا النص مرض الموت مطلقا من غير تحديد مدة له مثلما ورد في اقوال الفقهاء وفي القوانين العربية الاخرى.
وعرفت مجلة الأحكام العدلية العثمانية مرض الموت في المادة( 1595 ) منها بأنه: ( مرض الموت، هو : المرض الذي يعجز المريض عن رؤية مصالحه الخارجة عن داره إن كان من الذكور، ويعجز عن رؤية المصالح الداخلة في داره إن كان من الإناث، وفي هذا المرض خوف الموت في الاكثر، ويموت على ذلك الحال قبل مرور سنة، صاحب فراش كان أو لم يكن، وإن امتد مرضه دائما على حال ومضى عليه سنة يكون في حكم الصحيح، وتكون تصرفاته كتصرفات الصحيح ما لم يشتد مرضه ويتغير حاله، ولكن لو اشتد مرضه وتغير حاله ومات يعد حاله اعتبارا من وقت التغير الى الوفاة مرض موت ).
كذلك عرفت مرض الموت المادة (543) من القانون المدني الأردني التي نصتعلى أن: (1. مرض الموت: هو المرض الذي يعجز فيه الإنسان عن متابعة أعماله المعتادة، ويغلب فيه الهلاك ويموت على تلك الحال قبل مرور سنة فإن امتد مرضه وهو على حالة واحدة دون ازدياد سنة أو اكثر تكون تصرفاته كتصرفات الصحيح ،يعتبر في حكم مرض الموت الحالات التي يحيط بالإنسان فيها خطر الموت ويغلب في أمثالها الهلاك ولو لم يكن مريضا).
وقد عرف الفقه القانوني مرض الموت بأنه : المرض الذي ينتهي بالوفاة ولا تزيد مدته عن سنة يتوفى خلالها المريض، لكن إذا زاد عن السنة فتضحى تصرفات المريض صحيحة مثله مثل الصحيح مالم تزيد حدة المرض وشدته فإذا اشتد المرض يعتبر مرض موت من وقت اشتداده حتى الوفاة.
وعلى هذا الاساس ذلك فإن مرض الموت هو مرض ينتج عنه وفاة المريض غالبا، ويتصل به الموت وهو بذلك مرض جسيم وخطير يبعث الاعتقاد على وفاة المريض سواء في اعتقاد المريض ذاته، أو في اعتقاد من حوله أو في اعتقاد الأطباء، والذي يجعل المريض في حالة نفسية تجعله يتصرف بعض التصرفات التي قد تضر ورثته أو دائنيه.
واشترط الفقه جملة شروط في المرض حتى يتم اعتبار المرض مرض الموت، ومن هذه الشروط ما يا تي:
1- عدم قدرة المريض على القيام بأعماله: لم يشترط القانون اليمني هذا الشرط ،فهذا الشرط مقرر في تعريف مجلة الاحكام العدلية العثمانية لمرض الموت ، وكذا تعريف مرض الموت في القوانين الاخرى كالقانون المدني الأردني السابق ذكرها .ومفاد هذا الشرط أن يكون المريض قد وصلت حالته الصحية من الخطورة الى الدرجة التي جعلته غير قادر على مباشرة أعماله الاعتيادية، كذهابه الى العمل الذي يعمل به أو عجزه عن القيام بعمله أو عجزه عن الخروج للتسوق، أي عجزه عن القيام بالأشياء التي كان يقوم بها في المعتاد، ولا يؤثر على اعتبار المرض مرض موت قيام المريض بالمثول أمام القضاء أو الخروج لإبرام العقود، إذ أن المعيار هو عجزه عن القيام بالأعمال التي كان يعتاد القيام بها قبل مرضه، ويشترط أن يكون هذا العجز راجعا الى أسباب مرضية، فقد يكون سبب عجز الإنسان عن القيام بعمله السابق لكبر سنه، إلا أنه غير مصاب بمرض خطير، فمرض الموت أمر جديد يدخل على الإنسان سواء كان شابا أو شيخا فيقعده عن العمل وعن أداء مهامه وينتهي في الغالب بوفاته، ولا علاقة له بعمر الإنسان فقد يصاب الإنسان وهو في شبابه بمرض خطير يجعله يقعد عن العمل مضطرا ويبعث في نفسه ونفس من حوله احتمالية وفاته بهذا المرض، ففي هذه الحالة يكون المرض مرض موت وتكون التصرفات القانونية الصادرة من المريض خاضعة للأحكام الخاصة بالتصرفات الصادرة في مرض الموت دون النظر الى معيار سن المتصرف في مرض موته.
2- أن تغلب الوفاة نتيجة هذا المرض :ولهذا الشرط أهمية كبرى في اعتبار التصرف الصادر من المتوفي قد صدر فترة مرضه مرض الموت، حتى لا يتم اعتبار أي مرض أقعد المريض عن أداء أعماله من قبيل مرض الموت فالذي يصاب بحادث فتنكسر قدمه أو يده، فرغم أن ذلك يقعده عن العمل ويجعله غير قادر على القيام بأعماله الاعتيادية وممارسة حياته السابقة بشكل طبيعي، إلا أنه لا يعتبر مريضا مرض موت، وبالتالي فإن اشتراط أن يكون المرض ذاته شديد الخطورة والجسامة للدرجة التي يغلب بها ظن المريض والعامة وفاة المريض على اثره، وقد لا يكون المرض شديد الخطورة في بدايو المرض فقد تحدث انتكاسة للمريض فتجعله مرض موت، وبالتالي يتم احتساب مدة مرض الموت من وقت تحول المرض العادي الى مرض موت، ويعتبر موت المريض خلال مدة السنة المقررة قانونا ما يحقق ذلك الشرط ويجعل المرض يغلب على المصاب به الوفاة.
3- أن تحدث الوفاة خلال سنة من حدوث المرض: ولم يشترط القانون اليمني هذا الشرط ، في حين اشترطت ذلك مجلة الأحكام وغيرها ، فقد اشترط القانون الأردني ذلك في المادة( 543 /1 ) من القانون المدني الأردني، اشترط حتى يعتبر التصرف قد وقع في مرض الموت أن تحدث الوفاة خلال سنة من تاريخ إصابته بمرض الموت، أو من تاريخ اشتداد المرض عليه، ويرجع السبب في اشتراط هذا الشرط الى أن الوقوف على تصرف المريض يستلزم تحديد ميعاد حدوث هذا التصرف، بحيث إذا حدث خلال مدة السنة من مرضه مرض الموت، كان ذلك دالا على أن المريض قد شعر بحلول وفاته ودنو أجله فقرر إبرام التصرف القانوني، لكن إذا ابرم المريض التصرف القانوني ومرت مدة السنة المقررة قانونا دون أن تلحقه الوفاة فإن تصرفه يضحى صحيحا، إذ أن الوفاة هي المعيار الذي على أساسه يتم تحديد هل التصرف وقع في مرض موت من عدمه.
فقد فسَّر العلماء مرض الموت- كما أشارت لجنة الفتوى المصرية- بأنه الذي يغلب على الظَّنِّ موتُ المريض به من خلال العُرْف والتقارير الطبية، ويبقى ملازمًا للمريض حتى الموت؛ بحيث يعجز صاحبه عن القيام بمصالحه، وقد اجتمع فيه ثلاث خصال: العجز، وغلبة الهلاك، واتصال الموت به.
وخلاصة القول : أن مرض الموت هو: المرض الذي يعجز الرجل عن القيام بمصالحه خارج بيته, ويعجز المرأة عن القيام بمصالحها داخل بيتها. ويغلب فيه الهلاك. ويتصل به الموت. وأن من كان صحيحا ولكن وجد في حال يغلب هلاكه فيه، ثم مات حكمه وهو في حالته الخطرة حكم المريض مرض الموت. ومن هذا يؤخذ أن المرض لو أعجز صاحبه عن القيام بمصالحه, ولكن حصل الشفاء منه لا يعتبر مرض موت. وكذلك لو أعجز صاحبه, ولكن لم يكن بحيث يغلب فيه الهلاك, أو لم يعجزه ولم يغلب فيه الهلاك, تكون تصرفات المريض فيه تصرفات الصحيح. وقالوا إن المريض إذا طالت علته بأن مضت عليه سنة فأكثر من غير تغير وازدياد يعتبر مرضه مرضا لا يغلب فيه الهلاك، وتكون تصرفات المريض بعد ظهور تطاول مرضه بمضي السنة عليه كتصرفات الصحيح. فلا يمكن الحكم على المريض بأنه مريض مرض موت إلا بعد موته، وما دام حيا لا اعتراض لأحد على أي تصرف له لاحتمال أن يبرأ من مرضه, فلا يكون مرض موت وتكون تصرفاته فيه كتصرفات الأصحاء.
– ويثور تساؤل بشان الأمراض المزمنة هل تعتبر من قبيل مرض الموت؟
الأصل أن الأمراض المزمنة مثل أمراض الجذام والسكري والضغط ليست مرض موت، ما دامت حالة المريض مستقرة ولم يغلب على الظن وفاته بسبب هذا المرض، حتى لو اقعد ذلك المرض المزمن المريض عن عمله ما دام انه متعايش معه لا يغلب الظن وفاته منه، وبالتالي فقد الحق الكثير من الفقهاء أصحاب الأمراض المزمنة بالأصحاء.
الأصحاء الملحقون في حكم مريض الموت:
الحق القانون اليمني بعض الحالات التي يكون فيها الإنسان بكامل صحته لكن تطبق على تصرفاته أحكام مرض الموت، على اساس غلبة الهلاك، مثل ذلك الشخص الذي يبرم تصرف قانوني وهو في معركة قد يقتل فيها أو محاصر من أعدائه، أو كان متواجدا على ظهر سفينة يتوقع غرقها، أو الأسير في حرب من الحروب أو الشخص العازم على الانتحار، فرغم عدم وجود هؤلاء في حالة مرض موت إلا أن هناك احتمال كبير لهلاك هولاء نظرا للخطر المحدق بهم، حيث يكون الشخص في حالة نفسية توحي إليه قرب أجله مما قد يجعله يبرم بعض التصرفات القانونية إضرارا بالغير سواء دائنيه أو ورثته، وهناك معيار عام في تقدير بعض الحالات التي يكون فيها الإنسان الصحيح يأخذ حكم مريض الموت، ويشترط في هذه الحالات شرطين هما:
1- أن يكون خطر الموت قريبا من الإنسان ويحيط به.
2- أن يغلب وفاته نتيجة هذا الخطر.
ويجب التنويه إلى أن تلك التصرفات تبقى صحيحة ومنتجة لآثارها إذا نجا الإنسان من تلك الاخطار وتصبح تصرفاته مثل تصرفات الصحيح منجزة ومنتجة لآثارها.
الوجه الثالث: طلاق المريض مرض الموت في الفقه الإسلامي:
الطلاق لغة : هو رفع الوثاق والترك مطلقاً سواء كان حياً كقيد الفرس او معنوياً كقيد الزواج وهو مأخوذ من الاطلاق، كإن يقول الرجل أطلقت ابلي وأطلقت أسيري واطلقت امراتي ،فكل ذلك من الاطلاق وانما تختلف باختلاف المعنى.
ويطلق على الطلاق اثناء مرض الموت (طلاق الفارِّ):هو طلاق الزوج زوجتَه في مرض موته طلاقًا بائنًا بغير رِضاها، ثم يموت وهي في العِدَّة؛ لحرمانها من الميراث.
و يقع طلاق الفار رجعيًّا كان أو بائنًا كالصحيح، وهذا باتفاق المذاهب الفقهية الأربعة: الحنفية، والمالكية، والشافعية، والحنابلة؛ وذلك انه لما صح نكاح المريض، فحله بالطلاق أولى أن يصح؛ لأن عقد النكاح أغلظ من حلِّه، ولأنه أيضًا لما صح من المريض مرض الموت الظِّهار والإيْلاء، كان أولى أن يصحَّ منه الطلاقُ؛ لأنَّ حكمَه أغلظُ، وقد حكي الإجماعُ على أنَّ طلاقَ المريضِ يَقَعُ ،وذلك للآتي:
أوَّلًا: أنَّه يَصِحُّ نِكاحُ المريضِ، فحَلُّه بالطَّلاقِ أَول.. أن يَصِحَّ؛ لأنَّ عَقدَ النِّكاحِ أغلَظُ مِن حَلِّه
ثانيًا: لأنَّه لَمَّا صَحَّ من الزوج في مرض الموت الظِّهارُ والايلاء، كان أَولى أن يَصِحَّ منه الطَّلاقُ؛ لأنَّ حُكمَه أغلَظُ ، فالمريض مرض الموت اهل لايقاع الطلاق.
الوجه الرابع: عدة المطلقة في مرض الموت في الفقه الإسلامي:
اختلف الفقهاء في عدة المطلقة من زوجها طلاقًا بائنًا في مرض موته (إذا مات) على قولين:
القول الأول:أنها تعتَدَّ أطْوَلَ الأجلينِ: عدة الوفاة، أو ثلاثة قروء؛ وهو مذهب الحنفية، والحنابلة، وهو قول الثوري، واختيار ابن تيمية.
القول الثاني: يجب عليها أن تبني على عدة الطلاق؛ وذلك لأنه مات وليست زوجته؛ لأنها بائن من النكاح، وهذا مذهب الحنفية والمالكية، ، ورواية عن أحمد، ولايسقط حقها في الميراث:
فقد قال المالكية: ترث، ولو مات بعد انقضاء عدتها، وبعد نكاح زوج آخر؛ معاملةً له بنقيض قصده.
وقال الحنفية: تكون عِدَّتُها أطْوَلَ الأجلين؛ عدة الطلاق أو عدة الوفاة، فإن كانت عدة الطلاق أطولَ اعتدَتْ بها، وإن كانت عدة الوفاة هي الأطول كانت هي العِدَّة؛ وذلك كي لا تُحرم المرأة من حقِّها في الميراث الذي أراد الزوج الفرار منه بالطلاق، فترث طالما انها في عِدَّتها.
القول الثالث : أنها تعتَدَّ أطْوَلَ الأجلينِ غير إنها لا ترث كالمطلقة طلاقًا بائنًا في الصحة؛ وهو قول الشافعية في أظهر قولهم وحجتهم أن الزوجية قد انتهت بالطلاق قبل الموت؛ فقد زال السبب في الميراث، ولا عبرة هنا بمظنَّة الفرار؛ لأن الأحكام الشرعية تُناط بالأسباب الظاهرة لا بالنيَّات الخفية.
القول الرابع: أنها تعتَدَّ أطْوَلَ الأجلينِ وترث الزوجة إذا طلقها في مرض موته سواء تُوفِّي في العِدَّة أم بعدها ما لم تتزوج، فإذا تزوَّجَتْ سقَط حقُّها، وللإمام أحمد روايتان: إحداهما يتفق فيها مع الحنفية؛ وهي أنها لا ترث بعد انقضاء عدتها، وإن لم تتزوج، والثانية أنها تَرِثُه ما لم تتزوج، وهي الصحيحة والمشهورة.
وبشان هذه المسالة يثور تساؤل : هل ترث المطلقة في مرض الموت بعد انقضاء العدة؟ وكذا المطلقة في مرض الموت قبل الدخول بها؟
اختلف الفقهاء في هذه المسألة على على قولين : أصحهما أنها ترث أيضًا، وهو مذهب مالك، وأحمد في المشهور عنه، وقول للشافعي؛ لأنه قد روي أن عثمان ورثها بعد انقضاء العدة؛ ولأن هذه إنما ورثت لتعلق حقها بالتركة لما مرض مرض الموت، وصار محجورًا عليه في حقها، وحق سائر الورثة، بحيث لا يملك التبرع لوارث، ولا يملكه لغير وارث بزيادة على الثلث، كما لا يملك ذلك بعد الموت، فلما كان تصرفه في مرض موته بالنسبة إلى الورثة كتصرفه بعد الموت لا يملك قطع إرثها، فكذلك لا يملك بعد مرضه.
الوجه الخامس: ميراث المطلقة في مرض الموت في الفقه الإسلامي:
ذهب الشافعية إلى أنها لا ترث، وذهب الجمهور إلى أنها ترث, جاء في الموسوعة الفقهية: وَإِنْ كَانَ مَرِيضًا مَرَضَ مَوْتٍ عِنْدَ الطَّلاَقِ، فَكَذَلِكَ (أي: لا ترث) عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ فِي الْجَدِيدِ, وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ، وَالْحَنَابِلَةُ فِي الأْصَحِّ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ الْقَدِيمُ لِلشَّافِعِيَّةِ، إِلَى أَنَّهَا تَرِثُ مِنْهُ؛ مُعَامَلَةً لَهُ بِنَقِيضِ قَصْدِهِ، وَتَعْتَدُّ بِأَبْعَدِ الأْجَلَيْنِ، وَيُعَدُّ فَارًّا بِهَذَا الطَّلاَقِ مِنْ إِرْثِهَا، وَاسْمُهُ: طَلاَقُ الْفِرَارِ, وَاشْتَرَطُوا لَهُ أَنْ يَكُونَ بِغَيْرِ طَلَبِهَا، وَلاَ رِضَاهَا بِالْبَيْنُونَةِ، وَأَنْ تَكُونَ أَهْلًا لِلْمِيرَاثِ مِنْ وَقْتِ الطَّلاَقِ إِلَى وَقْتِ الْوَفَاةِ، فَإِنْ كَانَ الطَّلاَقُ بِرِضَاهَا، كَالْمُخَالَعَةِ لَمْ تَرِثْ ... اهــ.
فاذا توفرت الادلة على ان الزوج انما طلقها لكي يحرمها من الميراث ففي هذه الحالة لا ينفي الطلاق حقها في الارث, فهذا الطلاق وكما يسميه الفقهاء طلاق الفار، ويمكن عرض اقوال الفقهاء في هذه المسالة على النحو الاتي :
اولا : الحنفية: ذهبوا ان الرجل لو طلق إمراته في مرض موته بائناً فمات وهي في العدة ورثته وان مات بعد انقضاء العدة فلا ميراث لها, ويعللون ذلك بان المطلقة بائنا في مرض موت المطلق ترث مطلقها اذا مات ولا يرثها هو اذا ماتت وهي في العدة ،لان الزوجية سبب ارثها في مرض موته والزوج قصد ابطاله فيرد قصده اليه بتأخير عمله إلى زمان انقضاء العدة دفعاً للضرر عنها ،لان الطلاق في العدة تبقى في حق بعض الاثار (أي اثار الزوجية) فجاز ان يبقى لها حق فرضها من الميراث ،والزوجية في هذه الحالة ليست سبباً لارثه عنها فتبطل في حقه قياسا على طلاق الصحيح السليم, ويسقط حقها في الارث اذا رضيت بالطلاق او بسوء منه. وترث الزوجة استحسانا اذا ثبت ان زوجها قد طلقها خلال مرض موته طلاقاً رجعياً فطلقها بائن وان يموت في هذا المرض وهو على تلك الحالة سواء كان بذلك السبب او بغيره بأن قتل في مرضه فان برىء الزوج او زالت تلك الحالة ثم مات بعلة او حادثة اخرى وهي بالعدة فلا ترثه وكذلك اذا طلقها قبل الدخول, اما لو طلقها رجعياً وهو مريض مرض الموت فترثه مطلقا سواء كان صحيحا ام مريضا لأنها في عدة الطلاق الرجعي ولأنها زوجة حكما وترثه اذا مات كما يرثها اذا ماتت، والظاهر ان اقوال الزيدية مقاربة لاقوال الحنفية في هذه المسالة.
ثانيا :الشافعية: لهم قولان, الاول انها ترثه لانه متهم في قطع ارثها فورثت كالقاتل منهما في استعجال الميراث لم يرث والقول الثاني انها لا ترث لانها بينونة قبل الموت فقطعت الارث كالطلاق في الصحة ،وقال الشعراني ولابي حنيفة رواية اخرى انها ترثه مالم تتزوج وبه قال احمد.
ثالثا: المالكية : يروا ان الزوجة ترث زوجها وان طلقها في مرض الموت حتى لو انقضت العدة وتزوجت بغيره وحتى لو كان الطلاق برضاها واختيارها ولا يرثها هو اذا مات، لانه هو الذي فوت على نفسه حقه بالميراث.
رابعا : الحنابلة : ذهب الحنابلة الى ان الزوجة ترث اذا طلقها زوجها في مرض موته سواء توفي في العدة ام بعدها ما لم تتزوج فاذا تزوجت سقط حقها وللامام احمد روايتان أحدهما يتفق مع الحنفية وهي انها لا ترث بعد انقضاء عدتها وان لم تتزوج والثانية انها ترثه مالم تتزوج وهي الصحيحة والمشهورة .
خامسا : الشيعة الامامية : يذهبواالى انها ترث مالم تتزوج او يبرأ (يشفى ) من مرضه الذي طلقها فيه، ويذهب الجعفرية الى ان الزوج المريض مرض الموت اذا طلق زوجته نفذ طلاقه هذا واذا توفي احدهما اثناء العدة ورث الاخر ان كان الطلاق رجعياً اما اذا كان الطلاق بائناً فلا يرثها زوجها اذا توفيت في العدة او بعدها وترثه اذا توفي بعد الطلاق بمدة لا تزيد على سنة بشرط ان لا تتزوج غيره والا يبرأ من مرضه ذلك ان يطلقها وهو مريض مرض الموت وان يموت بهذا المرض فان بريء الزوج من مرضه ثم مات لعلة اخرى وهي في العدة لم ترثه ان كانت بائنة, واذا طلبت الزوجة من زوجها ان يطلقها طلاقاً رجعياً فطلقها طلاقاً بائنأً فانها لا ترث ان تستمر اهليتها للارث من وقت الطلاق الى وقت الموت.
سادسا : الظاهرية :يقول ابن حزم:(( ان المبتوتة في المرض او المطلقة فيه ولم يطأها لا ميراث لها اصلاً وكذلك المطلقة رجعياً في المرض اذ لم يراجعها حتى مات فلا ميراث لها, وحتى لو أقر علانية انه انما فعل ذلك لئلا ترثه ولا جرح عليه في ذلك لانه فعل ما أبيح له من الطلاق الذي قطع به حكم الزوجية بينهما).
ونخلص مما تقدم ان الفقهاء قد اتفقوا على صحة طلاق المريض مرض الموت ولكنهم اختلفوا في مسالة ارث الزوجة المطلقة بائناً, فهناك رأي يذهب الى القول بمنع ميراث الزوجة المبانة ً ويقابل هذا رأي اخر يذهب الى انها ترث دائماً وان انقضت عدتها وتزوجت ، وقد ذهب غالبية الفقهاء المعاصرين الى تاييد الراي الاخير بقولهم:(( الرأي الذي إميل إليه هو الذي يقضي بتوريث المبتوتة مالم تتزوج إذا توفرت الشروط التالية :-
1- إن يكون الطلاق في مرض الموت أو في حالة يغلب فيها الهلاك.
2- إن يموت الزوج بهذا المرض أو تلك الحالة.
3- إن يتم الطلاق بالرغم من إرادة الزوجة أو بتقصير من الزوج .
4- أن يتم الدخول بها .
5- الا تتزوج زوجاً ً أخر قبل وفاة الزوج المريض السابق.......)
الضوابط الخاصة لحصول المطلقة على الإرث:
يرى الجمهور أن العدل يقتضي معاقبة الزوج على قصد إضراره بالزوجة، إن ثبَت الطلاقُ لحرمان الزوجة من الميراث، وتم وضع الضوابط التالية لأحقيتها:
• أن يكون الطلاق في مرض الموت، أو في حالة يغلب فيها الهلاك.
• أن يموت الزوج بهذا المرض أو تلك الحالة.
• أن يتم الطلاق بالرغم من إرادة الزوجة أو بتقصير من الزوج.
• أن يتم الدخول بها.
• ألا تتزوج زوجًا آخر قبل وفاة الزوج المريض السابق.
• وأن تكون أهلًا لإرْثِه من وقت إبانتها إلى وقت موته.
لا يقع طلاق المريض مرض الموت عند فريق من الفقهاء لتهمة قصد إضرار الزوجة بحرمانها من الميراث. وهذا الطلاق يسميه الفقهاء طلاق الفار؛ لأنه يفر بهذا الطلاق من إرثها .
فيقول فضيلة الشيخ محمد حسنين مخلوف مفتى مصر الأسبق:
مرض الموت هو المرض الذي تزداد العلة فيه باستمرار حتى الوفاة، والمتفق عليه شرعا لتحقق الإرث أن تكون الزوجية قائمة حين وفاة أحدهما، بأن تكون غير مطلقة حقيقة، أو حكما بأن تكون الزوجية في العدة من طلاق رجعى أو طلاق بائن في حالة فرار زوجها من ميراثها بأن طلقها وهو مريض مرض الموت طلاقا بائنا من غير أن تطلب منه الطلاق أو ترضى به، وعلى هذا يكون هذا المتوفى فارا من ميراث مطلقته، كما أن وفاته في هذه الحالة وهى لا تزال في العدة من هذا الطلاق يجعلها من ضمن ورثته بصفتها زوجة له، وتستحق أن ترث من تركته نصف الثمن فرضا لوجود زوجة أخرى له وفرع وارث .
وقال ابن تيمية في مجموع الفتاوى:
هذه المسألة مبنية على [مسألة المطلق بعد الدخول في مرض الموت]. والذي عليه جمهور السلف والخلف: توريثها؛ كما قضى بذلك عثمان بن عفان ـ رضي اللّه عنه ـ لامرأة عبد الرحمن بن عوف؛ تماضر بنت الأصبغ، وقد كان طلقها في مرضه، وهذا مذهب مالك، وأحمد، وأبي حنيفة والشافعي في القديم. (الوجيز في احكام الاسرة ، أ.د .عبد المؤمن شجاع الدين، مكتبة خالد بن الوليد صنعاء ٢٠٢٢م، ص٦٥).
الوجه السادس: الطلاق في مرض الموت في القانون اليمني:
نصت المادة( 60)من قانون الاحوال الشخصية اليمني على ان: ( يقع الطلاق من زوج مختار مكلف او من وكيله،،، الخ )، فهذا النص يشترط لوقوع الطلاق ان لا يكون الزوج المطلق مكرها وان يكون بالغا عاقلا راشدا مدركا لأقواله وافعاله، ويفهم من هذا النص ان المريض مرض الموت اذا كان مدركا لأقواله عند تلفظه بالطلاق فانه طلاقه يقع صحيحا طالما انه ليس مكرها على ذلك .
وعرف القانون المدني اليمني مرض الموت في المادة(470) التي نصت على ان:( مرض الموت هو المرض الذي يغلب فيه ظن الهلاك ويتصل بالوفاة ،وفي حكم مرض الموت من خرج لملاقاة العدو ومن اصيب في حادث مهلك)، ولم يقيد هذا النص مرض الموت بمدة معينة مثل ماذهب اليه غالبية الفقه وبعض القوانين التي حددت مرض الموت بسنة.
بيد ان القانون المدني اليمني لم بتعرض الى تاثير مرض الموت على الطلاق واكتفى بالتعرض الى اثار مرض الموت على عقد البيع والهبة .
فقد نصت المادة (٤٦٩) مدني يمني على ان :(بيع المريض مرض الموت لوارثه موقوف على إجازة سائر الورثة ،وبيعه لغير وارثه بثمن المثل او بغبن يسير صحيح، والغبن اليسير هو ما لم يكن خارجا عما يقرره العدول، اما بيعه لغير وارثه بغبن فاحس فيأخذ فيه ما نقص من ثمن المثل حكم الوصية ما لم يظهر تواطؤ على حرمان الورثة)، ومعنى هذا النص ان تصرفات المريض مرض لا تكون باطلة.
وعلى هذا الاساس فان طلاق الفار او طلاق المريض مرض الموت يزيل الزوجية اذا كان الطلاق بائنا فلا ترث المرأة المطلقة طلاقا بائنا اذا وقع طلاقها اثناء مرض الموت بخلاف المطلقة طلاقا رجعيا اثناء مرض الموت فانها ترث لانها اثناء عدتها زوجة حكمية.
وقد نصت المادة (٣٤٩)من قانون الاحوال الشخصية اليمني على ان: (كل ما لم يرد به نص في هذا القانون يعمل فيه بأقوى الادلة في الشريعة الاسلامية) . وبما انه لم يرد في القانون اليمني نص صريح بشان طلاق الفار او الطلاق اثناء مرض الموت فانه يتم العمل بالدليل القوى في الشريعة الاسلامية، وقد ذكرنا فيما سبق ان غالبة الفقه الاسلامي يذهب الى توريث المطلقة فرارا من توريثها.
الوجه السابع: الطلاق في مرض الموت في بعض القوانين العربية:
اولا : القانون الأردني : نص على الزواج في مرض الموت وطلب المهر في المادة (60) من قانون الأحوال الشخصية الأردني إلا انه لم ينص على طلاق المريض مرض الموت على اساس العمل بالقول الراجح من مذهب لإمام أبي حنيفة وفقا لما جاء في المادة (183) من هذا القانون وهو أن: ((مالا ذكر له في هذا القانون يرجع فيه إلى الراجح من مذهب أبي حنيفة)).
فالقانون الأردني لم ينص على الطلاق في مرض الموت في قانون الأحوال الشخصية الأردني.
ثانيا: القانون العراقي: قرر عدم وقوع طلاق المريض مرض الموت, وان الزوجة المطلقة في هذه الحالة ترثه إذا مات من مرضه, حيث تنص المادة (35/2) من قانون الأحوال الشخصية العراقي على ان :(( لا يقع طلاق الأشخاص الأتي بيانهم :– 2- المريض مرض الموت أو في حالة يغلب في مثلها الهلاك إذا مات في ذلك المرض أو تلك الحالة, وترثه زوجته )).
وقد علق شيخنا العلامة على هذا النص بقوله: (( قد خلط بين عدم وقوع الطلاق وبين توريث الزوجة لذا ندعو إلى إعادة النظر في هذا النص وتعديله وآلاخذ بما هو متفق عليه في الإسلام من وقوع طلاق المريض مرض الموت إذا كان الطلاق في حالة الإدراك والشعور والتأمين وذلك للأسباب الآتية :-
1- انه مخالف لما اجمع عليه فقهاء المسلمين .
2- مخالف لما اتفقت عليه قوانين البلاد العربية والإسلامية.
3- حقوق الزوجة في الميراث مضمونة مع وقوع الطلاق وهو في مرض الموت .
4- إذا قصد المشرع من المريض مريض الموت مريضاً فاقداً للوعي والتمييز فان هذا الحكم قد ورد في الفقرة الأولى من النص فيكون هذا حشوا يجب تجنبه )).(أسباب اختلاف الفقهاء، شيخنا العلامة الاستاذ الدكتور المرحوم مصطفى ابراهيم الزلمي، دار المثنى بغداد ١٩٩١م ص١٤١).
وقد اشترطت محكمة التمييز العراقية لوقوع طلاق الفار أن يكون الزوج مريضاً مرض الموت وان يموت والزوجة في العدة ، فقد قضت هذه المحكمة بان : (( ترث المطلقة مطلقها إذا مات خلال سنة من مرضه الذي طلقها فيه وذلك لثبوت وفاته في مرضه الذي طلقها فيه إثناء السنة وعدم تزوجها بغيره )). وورد في قرار اخر لمحكمة التمييز وجوب :(( التأكد من مرض الموت في دعوى التفريق أن الثابت في أراء الفقهاء إن الزوج إذا طلق زوجته في مرض الموت ثم توفى فان طلاقه يقع شرعاً ولكن زوجته ترثه إذ يعتبر الزوج فاراً من توريثها فيرد عليه قصده )).
ثالثا : القانون المصري : فقد اعتبر القانون المصري طلاق المريض واقعاً, ولكن زوجته ترثه إذا طلقها بغير رضاها ومات في عدتها فقد نصت المادة (11) من قانون المواريث المصري على ان : (( وتعتبر المطلقة بائناً في مرض الموت في حكم الزوجة إذا لم ترض بالطلاق ومات المطلق في ذلك المرض وهي في عدته )).
وقد طبق القضاء المصري النص القانوني في أحكام كثيرة ، فقد قضت محكمة النقض المصرية بأن : (( مؤدى نص المادة (11/3) من قوانين المواريث رقم (77) لسنة 1943 إن المشرع الوضعي قرر أخذا بالمذهب الحنفي أن من كان مريضا مرض الموت وطلق أمرآته بائنا بغير رضاها ومات حال مرضه والزوجة لا تزال في العدة فان الطلاق البائن يقع على زوجته ويثبت منه من حين صدوره لأنه أهل لإيقاعه الا أنها ترثه مع ذلك بشرط أن تكون أهلا لإرثه من وقت أبانتها إلى وقت موته رغم أن المطلقة طلاقا بائنا لا ترث لانقطاع العصمة بمجرد الطلاق استنادا إلى انه لما أبانها حال مرضه اعتبر احتياطيا فارا هاربا فيرد عليه قصده لها ويثبت لها الإرث)), كما قضت أيضا : (( بان المريض مرض الموت إذا طلق زوجته ثم مات ومطلقته في العدة يعتبر - متى توافرت الشروط – بطلاقه فارا من الميراث وتقدم المظنة على انه طلق زوجته طلاقا بائنا في مرض الموت قاصدا حرمانها من حقها الذي تعلق بماله منذ حلول المرض به معنى أن الطلاق البائن ينبئي بذاته من غير دليل أخر على القصد فرد المشرع عليه قصده وذلك دون حاجة للبحث عن خبايا نفس المريض واستكناء ما يضمر). (التعليق على أحكام المحكمة العليا في مسائل الطلاق والفسخ ، أ. د. عبد المؤمن شجاع الدين، مكتبة الصادق جولة جامعة صنعاء الجديدة ٢٠٢٥م، ص١٨٣)، والله اعلم.
